يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"عملية طرابلس ستستمر حتى اجتثاث الميليشيات".. بهذه الخطة المحكمة، أربك المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الليبي، حسابات الرئيس التركي رجب إردوغان، للاستمرار في نشر الفوضى والخراب في البلد العربي الإفريقي المهم.
طرابلس اشتهرت خلال السنوات السبع الماضية - منذ الإطاحة بمعمر القذافي-، بأنها الحاضنة الأولى لميليشيات إردوغان المسلحة، والتي تعيث في ليبيا فسادًا.
خطة لص أنقرة لنشر الفوضى في ليبيا، بدأت بوضع سيناريو السيطرة على العاصمة طرابلس، حيث تتركز مؤسسات الدولة واستثماراتها الكبرى، بتقديم الدعم  للجماعات الإسلامية المتطرفة والميليشيات التي أعلنت ولاءها لأنقرة.
جند إردوغان مجموعات مسلحة لإثارة الفوضى في جميع أنحاء ليبيا، لكنه اعتمد خطة الدعم السياسي لعملاء أنقرة في طرابلس، أو ما سمى "حكومة الإنقاذ الوطني".
مساء أمس الخميس، أعلن المشير خليفة حفتر، الذي عينه مجلس النواب قائدا للجيش الوطني الليبي رسميا انطلاق عملية عسكرية للسيطرة على العاصمة طرابلس، حيث أمر قواته بالتقدم نحو العاصمة طرابلس، و"زلزلة الأرض" تحت أقدام الميليشيات.

دعم عسكري
وفقا لصحيفة أحوال التركية يتهم المشير خليفة حفتر، إردوغان بتقديم الدعم العسكري والمالي لخصومه ومن بينهم الإسلاميون المُتشدّدون في ليبيا.
وفي يناير الماضي تعهد العميد أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، بأنّ القوات المسلحة لبلاده ستسحق أتباع تركيا داعمي الإرهاب في ليبيا.
وقال المسماري: "تركيا تدعم الجماعات الإرهابية في ليبيا، والجيش سيسحق أتباعهم  في الجنوب وكل المدن الليبية".
وسبق أن صرّحت قيادات بالجيش الليبي أن تركيا تزود الميليشيات الإرهابية بالأسلحة عبر السودان، التي طالما كانت نقطة عبور للأسلحة الإيرانية في السابق للجماعات المتطرفة بالشرق الأوسط. وحظرت السلطات الليبية الطائرات التركية من استخدام المجال الجوي الليبي. وفي خطوة تالية، أعلنت أن الطائرات السودانية لم يعد مسموحًا لها أيضا بالمرور.
واكتشفت البحرية اليونانية أواخر العام الماضي سفينة تركية – يبدو أنها لم تكن الأولى - محملة بالمتفجرات قبل أن تتوجه بشحنتها الخطرة إلى الشواطئ الليبية لتأجيج الصراع، الذي أشعلته سياسات تركيا على مدى السنوات الماضية.

دخول طرابلس
الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر دخل أمس الخميس طرابلس بهدف تطهيرها من الإرهاب المتمثل في الميليشيات الإخوانية والسلفية وعناصر القاعدة التي تدعمهم حكومتا الوفاق والإنقاذ المواليتان لتركيا.
وأكد آمر غرفة عمليات المنطقة الغربية في "الجيش الوطني الليبي"، اللواء عبد السلام الحاسي، أن قواته سيطرت من دون قتال على الحاجز العسكري، فيما شوهد ما لا يقل عن 15 شاحنة بيك-أب مسلحة بمضادات للطائرات وعشرات الرجال بملابسهم العسكرية وهم يسيطرون على هذا الحاجز المعروف باسم "كوبري 27".
وكالة "سبوتنك" بنسختها باللغة التركية نقلت عن مصدر من الجيش الوطني الليبي عقب اقتحامه المدينة، أن شوارع المدينة خالية تماما، مضيفاً: " يبدو أن جميع السكان يفضلون مغادرة المدينة، وهناك مناطق عديدة في جنوب غرب طرابلس مثل كانزور وسيفاني تخضع بالفعل لسيطرة الجيش الوطني الليبي".
رئيس مجلس رئاسة حكومة الوفاق الوطني الموالية لتركيا فايز السراج قال وفق "سبوتنيك تركيا"، إن قوات حفتر تحركت غربًا واستولت على مدينة غريان، مؤكداً أنها انتشرت أيضاً في نقاط تفتيش وأماكن مختلفة من العاصمة الليبية.
أضاف السراج في تصريحاته: " تواجد قوات الجيش الليبي على بعد 27 كيلومتراً من طرابلس وتم أسر 150 مقاتلا وتمت مصادرة حوالي 60 مركبة، ومع ذلك خلال الليل سوف تتوحد القوات القادمة من مدن طرابلس ومصراتة وزافيا وغيرها وتحيط بمحاربي الجيش الليبي".
 
استنفار مصراتة
وفق وكالة "أنباء هاوار"، فإن الجيش الوطني الليبي فور إعلانه مساء أمس الخميس تحركه نحو العاصمة طرابلس، استنفرت حكومة الوفاق الوطني الموالية لأنقرة، كل قوّاتها وأغلقت بأوامر تركية كل المنافذ والمداخل المؤدية إلى العاصمة، حيث أكدّت قوة حماية طرابلس في بيان لها أن "القوى العسكرية تتجمع الآن بعدة نقاط وتتمركز بالأماكن المكلفة بها للتصدي لأي هجوم وشيك على العاصمة طرابلس".
هذا البيان فضح حكومة الوفاق الوطني وعلاقتها بالميليشيات المسلحة والإرهابيين الموالين لأنقرة، ذلك ما ألمح إليه طلال الميهوب، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي، في اتصال هاتفي مع صحيفة العرب اللندنية، من شرق ليبيا، مؤكدا أن إعلان النفير العام لا معنى له، لأن السراج لا يحتكم إلى جيش، باعتبار أن الجيش الوحيد في ليبيا، هو الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.
وقال: "لا توجد تحت إمرة السراج قوات نظامية حتى يستنفرها"، في إشارة إلى استنفاره الميليشيات المسلحة والإرهابيين، ثم وصف الميهوب العملية العسكرية للجيش بأنها ضرورية لدحر بقايا الإرهاب، والفاسدين الذين أهدروا المال العام.
كما أن عددا كبيرا من الإرهابيين الموجودين بمصراتة، المعروفة بإيوائها عناصر من جماعة "الإخوان المسلمين"، تحرك نحو طرابلس، بعد اتصالات مكثفة بين أنقرة وقادة الإخوان في مصراتة.
ووفقا لما نشرته وكالة رويترز مساء أمس الخميس، تحركت مجموعات مسلحة من مدينة مصراتة غرب ليبيا نحو طرابلس لمواجهة الزحف القادم من قوات "الجيش الوطني الليبي" بقيادة المشير خليفة حفتر.
موقع روسيا اليوم أكد أن الميليشيات الزاحفة نحو طرابلس مدعومة من تركيا، وأن أنقرة تقود عن بعد الفصائل الليبية لمحاولة إحباط تقدم الجيش الليبي، كي لا تخسر نفوذها وتواجدها في ليبيا.
 
إعلان الجهاد من إسطنبول
في إسطنبول، بدأت القنوات الليبية الداعمة للإرهاب والتي تبث من تركيا بعد طردها من الأراضي الليبية، في التحريض ضد قوات الجيش، واستنفار الإرهابيين في ليبيا للزحف نحو طرابلس والقتال ضد قوات الجيش الوطني، وخرج أحد الشيوخ الليبيين الهاربين على شاشة إحدى القنوات لإعلان الجهاد في ليبيا ضد قوات الجيش.
قناة التناصح -التي تبث من إسطنبول وتنفق عليها الدولة التركية ملايين الدولارات سنويا لدعم الإرهاب والفوضى في ليبيا- عرضت لقاءً لرجل الدين المتطرف ومفتي المؤتمر الوطني العام الصادق الغرياني -الهارب في تركيا-  يحرض خلاله على جنود الجيش الوطني الليبي معلنا ما سماه بـ"الجهاد ضد قوات حفتر"، مشيراً إلى أن هناك ضرورة لقتال الجيش وطالب الليبيين باتباعه، مدعيا "أن اتباع العلماء واجب" حسب تعبيره.
الغرياني قال خلال استضافته عبر برنامج "الإسلام والحياة" الذي يذاع على قناة "التناصح" إن مجلس البحوث طالب الأمم المتحدة بأمور طبيعية فلا يمكن الدعوة لأي اجتماع في أية دولة دون توضيح سبب الدعوة والهدف منها، متسائلاً عن كيفية قبول الشعب الليبي بهذا الالتفاف والغموض.
ودعا الغرياني المواطنين إلى الانتفاض لما سماه الجهاد، وعليهم إدراك أن المؤامرة أصبحت قريبة منهم، إذا استمروا في هذا الخنوع والاستسلام، داعيا إياهم للخروج إلى الميادين بمئات الآلاف لقهر الأعداء" حسب قوله.
وأضاف : "على كل من هو موجود في المناطق التي يحصل فيها التحشيد أن يجمعوا أمرهم ويقاوموا هذا الزحف الفاجر لقوات حفتر الذي سيأتي على الأخضر واليابس ويفعل في طرابلس ما فعله بمرزق، عليهم أن ينتبهوا لأمرهم ويعلنوا الجهاد ضد هذا الفساد الذي تقوده الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي يعد مؤسسة استعمارية مستبدة تقهر الشعوب وتريد أن تفرض هيمنتها وسطوتها على كل من يتطلع للكرامة والحرية".
الجديد بالذكر أن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي وصل قبل يومين إلى ليبيا، في إطار زيارة تهدف لعقد هدنة بين الأطراف المتنازعة في البلاد، كتب في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر قائلا: "إني أشعر بقلق عميق إزاء التحرك العسكري الذي يحدث في ليبيا، كما أني قلق من مخاطر المواجهة".
 
 
ما يكشف عدم الاتفاق في الرؤى بين الأمم المتحدة والجيش الوطني بقيادة حفتر فيما يخص التحرك العسكري نحو طرابلس مساء أمس، وأن الغرياني يستخدم الأكاذيب والادعاءات، ويزج باسم الأمم المتحدة في خطابه، ليصور للشعب الليبي أن تحرك الجيش لتطهير طرابلس تدعمه قوى غربية، فيثير الشعب ضد جيشه، لكن تغريدة الأمين العام للأمم المتحدة كشفت زيف ادعاءاته. 
وتصف أوساط ليبية الغرياني بـ"مفتي الإرهاب" بسبب آرائه الدينية المتشددة، وفتاويه التي تحرض على القتل في البلد المنقسم منذ العام 2011.
وأصدر الغرياني فتاوى داعمة للجماعات المتطرفة، وأباح اقتحام تنظيمي "القاعدة" و"داعش" للمدن الليبية، الأمر الذي تسبب في خلعه من منصبه، وبعدها سافر إلى تركيا وأقام هناك، مطلًا كل أسبوع على الليبيين بفتاوى ودعوات تحريضية تخص الشأن الليبي.
 
تأييد شعبي
تركيا تأوي العديد من الشخصيات التي تحرض على العنف والإرهاب في الدول العربية، وتظهر عبر قنوات تمولها. 
وكان الجيش الليبي اتهم مرارا وتكرارا تركيا بتقويض الأمن في البلاد، وتزويد الميليشيات بالأسلحة والأموال، وهو ما أكدته سفن السلاح التي تم ضبطها في أكثر من مناسبة قادمة من تركيا باتجاه الجماعات المسلحة في ليبيا.
ومن بين من تأويهم تركيا، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين الهارب عبدالرزاق العرادي، الذي دعا اليوم الجمعة، أنصاره إلى الخروج في مظاهرات في العاصمة طرابلس ضد الجيش الليبي.
وقال العرادي من إسطنبول في تدوينة نشرها عبر حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تعليقا على خروج أعداد قليلة للتظاهر ضد تحركات الجيش في ميدان الشهداء بطرابلس: "رسالة ميدان الشهداء اليوم أهم وأقوى الرسائل للداخل والخارج .. لا لإعلان حفتر الحرب على العاصمة".
 
العرادي وعدد من قيادات من حزب العدالة والبناء الليبي، تلاحقهم اتهامات تخص مسؤوليتهم عن شحن حاوية الأسلحة والذخائر التي جاءت من تركيا في نهاية العام الماضي.
ورغم كل هذا التحريض القادم من تركيا، لم يستجب الشعب الليبي للنداءات المسمومة والمتكررة منذ أمس، بل إن الأغلبية الكاسحة من الشعب أيدت تحركات الجيش الليبي بقيادة حفتر، وباركت اقتحام طرابلس من أجل تطهيرها، وخرجت مساء اليوم للاحتفال بالجيش وتأييده في أماكن متفرقة من العاصمة.
بوابة إفريقيا الإخبارية أكدت في تقرير لها حول معركة طرابلس أن الشعب يؤيد تحركات جيشه، وقالت إنه في الوقت الذي يرفض فيه أذناب تركيا في ليبيا دخول الجيش الليبي للعاصمة طرابلس، يؤيد تيار شعبي كاسح دخول قوات الجيش في إطار معركته الشاملة ضد الإرهاب وبسط السيادة، خاصة في ظل ضعف حكومة الوفاق و رضوخها لجماعة الإخوان، التي تعمل ضمن أجندات خارجية تسعى لتعزيز نفوذ دول على غرار تركيا في ليبيا ودعم مصالحها أولا حتى لو تعارض ذلك مع مصالح الشعب الليبي الذي يعيش منذ العام 2011 في أتون أزمة أرهقته.
التقرير أكد أن طرابلس تعيش منذ سنوات حالة من الصراع بين الميليشيات أو المجموعات المسلحة التي تختلف توجهاتها وتتنوع ولاءاتها، ويرتبط أغلبها بتيار الإسلام السياسي الموالي لتركيا، وغالبا ما يندلع القتال بينها بسبب الصراع على النفوذ السياسي والهيمنة الاقتصادية وكذلك من أجل السيطرة على الأرض.
ويضيف: رغم أهمية دخول الجيش إلى طرابلس فإن ذلك لا يمنع مخاوف بعض الأطراف الليبية من تدخل قوى إقليمية معادية للجيش الوطني الليبي، لخلط الأوراق في العاصمة، عبر تحريك بعض قادة الميليشيات المسلحة، خاصة المنتمين إلى تنظيمات الإسلام السياسي، والتي قد تمثل خطرا بدفعها طرابلس نحو مواجهة عسكرية شاملة لا يحمد عقباها.
 
انحياز تركي 
يمكن استنتاج موقف تركيا المعادي لتحركات الجيش نحو طرابلس من تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، حامي أقصوي، التي أطلقها أمس الخميس، رغم محاولته الخروج بتصريحات متوازنة لا تكشف علاقة بلاده بالميليشيات المسلحة، إلا أن بعض الكلمات فضحت انحيازه لحكومة الوفاق وميليشياتها رغما عنه فيما يبدو.
أقصوي قال إنه "من المهم الامتناع عن التحركات التي تخل بروح الوفاق الوطني في ليبيا"، جاء ذلك في معرض رد أقصوي، على سؤال حول التحركات العسكرية غربي ليبيا، مؤكدا أن بلاده تتابع عن قرب تلك التحركات خلال الأيام القليلة الماضية.
ووفق وكالة الأناضول التركية الرسمية، أعرب أقصوي عن اعتقاده بعدم إمكانية إنهاء الانقسام في ليبيا، إلا "عبر الحوار بين الجهات الفاعلة في البلاد"، مدعياً دعم بلاده للمؤتمر الوطني الليبي الجامع المرتقب والوحدة الليبية".
وعلى جانب أخر غطت وسائل الإعلام التركية الموالية لإردوغان وتحديدا وكالة الأناضول أحداث أمس بانحياز شديد ناحية الميليشيات الإرهابية وحكومة الوفاق وعناصر الإخوان المسلمين، متجاهلة تماما الرأي الأخر، والأخبار التي تؤكد انتصار الجيش وسيطرته على طرابلس.

Qatalah