يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لطالما عارض الرئيس التركي رجب إردوغان سلطة الحكومة المركزية على البلديات، لأنه على الأرجح عانى كثيراً من سوء استخدام هذه السلطة خلال فترة توليه منصب رئيس بلدية إسطنبول في تسعينيات القرن الماضي، وعندما جاء حزبه إلى السلطة راح يهدد بإقالة أي رئيس بلدية يعارض سياسته، بدعوى أنه "ملوث بالإرهاب".

وزارة الداخلية التركية، عزلت يوم الاثنين الماضي، رؤساء بلديات أكبر ثلاث مدن تقطنها أغلبية كردية في تركيا، وهي ديار بكر وماردين ووان، واستبدلتهم بمعينين، وأعلن نظام إردوغان، أن هؤلاء السياسيين الثلاثة، الذين تم انتخابهم جميعاً في شهر مارس بأغلبية كبيرة عن حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، مذنبون دون محاكمة، في تناقض صارخ مع سياسة الحكم المفترضة لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

فمنذ انتهاء إعادة الانتخابات في إسطنبول في 23 يونيو الماضي، بتجديد أكرم إمام أوغلو انتزاعه للمنصب الرفيع من قبضة نظام إردوغان وأنصاره لأول مرة منذ 25 عاما، والأتراك يلهثون لمجرد متابعة تحركات الرئيس في الداخل والخارج.

الهزيمة المُذلة في إسطنبول، تركت إردوغان مخمورًا من فداحتها، ورسمت تحركاته صورة لراقص محترف فقد اتزانه، فبدت عشوائية بلا أي تناسق أو إيقاع، يتمايل بجسده حتى يكاد يسقط ولكنه سرعان ما ينتفض فجأة وكأنه تذكر شيئا وما هي إلا ثوان معدودة حتى يعاود الكرة من جديد.

على مدار حكمه الممتد منذ 2002، نمت حول إردوغان هالة من الزعامة الزائفة والتقديس ساهم هو بنفسه في نموها، فهو السياسي الذي لا يقهر في أية انتخابات، وهو الاقتصادي الذي أنعم على الأتراك برغد الحياة، وهو داعية السلام الذي يحمل ترياق النجاة للأكراد، وقبل ذلك وفوقه فهو أبو الأتراك الجديد الذي يمد حاضرهم بماضيهم مجددًا تاريخهم العثمانلي.

لذلك فعندما خسر الرئيس معركة البلديات الأخيرة، انهارت هالة التقديس الزائفة فوق رأسه، واكتشف الأتراك فجأة أن زعيمهم المزعوم يشعر بالذعر، بعدما تركته الهزيمة يواجه مصيره المحتوم وحيدًا، وبدا قراره الأخير بإقالة رؤساء البلديات في أكبر مدن الأكراد وعلى رأسها ديار بكر وماردين وفان وكأنها تغريدة البجعة الأخيرة الخاصة به.

تغريدة البجعة الأخيرة 
الاثنين الماضي، عندما صدر قرار إقالة رؤساء البلديات الأكراد، بدا إردوغان كبجعة في أيامها الأخيرة، حين تستشرف الموت فتتجه إلى شاطئ المحيط، وتنطلق في رقصتها الأخيرة، وتغرد تغريدتها الوحيدة الشجية ثم تموت، ولكن الفرق أن تغريدة الرئيس كانت مليئة بالذعر والخوف.

بعد 17 عامًا من الحكم، بات إردوغان أقرب من أي وقت مضى إلى السقوط، خاصة مع تزايد الانشقاقات داخل حزبه، وتأهب أصدقاء الأمس كرئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو ووزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان، للرقص على جثته، إلى جانب اتجاه شريكه في الحكم ( حزب الحركة القومية) لفض تحالفه معه ما يهدد بقاء ائتلافه الحاكم.

أزمة العملة التي عرفتها البلاد منذ أغسطس 2018، والتي عصفت بالاقتصاد التركي وأدخلته الركود لأول مرة منذ عقد، قضت تمامًا على وهم المعجزة الاقتصادية التي روج لها نظام إردوغان منذ وصل إلى الحكم، بعدما ثبت أن الأسس التي قامت عليها هي نفسها السبب فيما يعانيه الأتراك الآن.

في حين تكفلت الانتخابات البلدية التي جرت في 31 مارس الماضي، وإعادتها في إسطنبول في 23 يونيو الماضي في الإجهاز تمامًا على الهالة السياسية المرسومة حول الرئيس، بعدما بات أكرم إمام أوغلو أول سياسي يهزم إردوغان منذ صعد للحكم عام 2002.

وداخل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، تسببت الهزيمة في اندلاع ثورة غضب عارمة بين الأعضاء كانت الانتصارات الانتخابية تكتمها، إذ زادت الاعتراضات على سياسة المحسوبية التي يحكم بها إردوغان والتي تجسدت في وصول صهره عديم الكفاءة والخبرة بيرات آلبيراق إلى الحقيبة الوزارية الأهم وهي وزارة الخزانة والمالية.

وعلى أطراف نظام إردوغان، تسبب انقلاب الحزب الحاكم على مبادئه التي أوصلته إلى سدة الحكم وعلى رأسها عدم الاستئثار باتخاذ القرار وصنع السياسات في إطار مجموعة عمل متنوعة في تململ قيادات بالعدالة والتنمية وعلى رأسها داود أوغلو وباباجان الذي استقال من الحزب الذي شارك في تأسيسه في يوليو الماضي وأعلن عن تدشينه حركة جديدة .

ووسط كل تلك المؤشرات على أفول نظام العدالة والتنمية واقتراب نهايته، يبدو أن إردوغان لم يسلم قفازته بعد وقرر مواصلة القتال ولكن هذه المرة بالضرب تحت الحزام ومن هذه الأرضية خرج قرار إقالة رؤساء البلديات الأكراد. فماذا يريد الرئيس؟

"مازلت قويًا"
كأي شخص مذعور يحاول أن يُظهر إردوغان عكس ما يشعر به، فبإقالته لرؤساء البلديات الأكراد يريد الرئيس أن يثبت أن قبضته على الحكم مازالت قوية وأن الصدمات التي سقطت فوق رأسه تباعًا مازال قادرًا على امتصاصها، وأنه نفس الشخص حتى بعد خسارته المدوية في الانتخابات البلدية الأخيرة.

قبيل الانتخابات البلدية في 31 مارس الماضي، وخلال جولاته التي جاب خلالها تركيا شمالها وجنوبها للترويج لمرشحي "العدالة والتنمية" أطلق إردوغان عدة تصريحات حذرت الأكراد من انتخاب رؤساء بلديات أكراد، وهدد بإقالتهم بدعوى علاقتهم المزعومة بحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة إرهابيًا.

إردوغان قال :"في حال أسفرت الصناديق عن فوزهم فإنه سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة فورا. لا يمكننا الانتظار 3 أو 5 سنوات. سنعزلهم فورا وسنعين وصاة بدلًا منهم. تذكرون الحزب الكردي"، في إشارة إلى عزل نظام العدالة والتنمية 100 رئيس بلدية تابعين لـ"الشعوب الديمقراطي".
وتزامنًا مع تصريحات إردوغان، خرج وزير الداخلية التركي سليمان صويلو ليسير على نهج الرئيس قائلًا إن هناك 378 مرشحًا في الانتخابات البلدية تجمعهم صلات مزعومة بالإرهاب، لافتًا إلى أن وزارته اتخذت إجراءات قضائية وإدارية ضد 178 مرشحًا منهم.

بالقرار الأخير يحاول إردوغان أن يثبت أنه قادر على تنفيذ تهديداته، وإن جعبة أحايله لتطويق فوز المعارضة في الانتخابات البلدية الأخيرة لم تفرغ بعد.

رسائل إلى المعارضة 
قبيل إعادة الانتخابات في إسطنبول في 23 يونيو الماضي، قالت صحيفة نيويورك تايمز إن النظرة الخاطفة القصيرة التي ألقاها إمام أوغلو على ملفات البلدية قبيل سحب وثيقة التنصيب منه، مكنته من الاطلاع على ملفات فساد رجال إردوغان، لافتة إلى توفر معلومات وتفاصيل للمعارض الشاب عن كيفية إدارة الحزب الحاكم للمدينة الغارقة في الديون، ستعطيه ذخيرة جيدة، يمكنه استخدامها في المعركة السياسية المقبلة.

وبعد تجديد فوزه على بن علي يلدريم بفارق يزيد على 800 ألف صوت، أعلن عمدة إسطنبول مجددًا أن فتح ملفات الفساد في البلدية التي ظلت في قبضة إردوغان وأنصاره لمدة 25 عامًا تقع على رأس أولوياته، لافتًا إلى غرق البلدية في الديون (25 مليار ليرة) بسبب سوء الإدارة.

يونيو الماضي، قبيل انتخابات الإعادة قال الكاتب الصحافي بصحيفة "عقد" والمقرب من إردوغان، عبد الرحمن ديليباك، محذرًا من خطورة فوز إمام أوغلو ببلدية إسطنبول قائلًا:" "إذا فاز سيلمع نجمه في الشارع التركي، وسيتم فضح كل ملفات الفساد الغارقة فيها البلدية".

تقرير جهاز المحاسبة الحكومي لعام 2017، الصادر في بداية عام 2018، كشف عن وجود تلاعب في أعمال المناقصات في بلدية إسطنبول الكبرى بقيمة بلغت 753 مليون ليرة تركية، وهو  ما رأه القيادي بحزب الشعب الجمهوري جنان كافتانجي أوغلو، فاضحًا عمليات فساد كبرى في البلدية تكفي لتشغيل 30 ألف عامل لمدة عام كامل، بالحد الأدنى للأجور.

في أبريل الماضي، نشرت صحيفة "جمهورييت" تقريرًا عن فساد مجموعة آلبيراق الاقتصادية ومجموعة "كاليون" اللتين تعدان من أكبر الشركات الداعمة لإردوغان، في الشراكات والمناقصات التي تجريها مع بلدية إسطنبول.

الصحيفة لفتت إلى أن  مجموعة شركات آلبيراق التي تأسست في عام 1952، نجحت في مضاعفة رأس مالها وأصولها منذ وصول إردوغان لرئاسة بلدية إسطنبول في عام 1994، مشيرة إلى وجود دعاوى قضائية ضد شركات تابعة للمجموعة بسبب وقائع فساد في خدمات قراءة عدادات المياه والغاز الطبيعي التابعة لبلدية إسطنبول الكبرى، وكذلك خدمات جمع مخلفات مترو إسطنبول، وإنشاءات خطوط المترو، التي تقوم بها.

عند هذه النقطة بالذات، فإن قرار إقالة رؤساء البلديات الأكراد تبعث برسائل محددة إلى المعارضة في إسطنبول وأنقرة وغيرهما مفادها " كفوا عما تفعلون وإلا سينالكم نفس المصير"، فإردوغان يعلم جيدًا أن نبش إمام أوغلو لملفات الفساد في البلدية الأكبر سيثبت تورطه هو وعائلته فيها.

إلى منصور يافاش
إلى جانب ذلك، فإن الطريقة التي أقيل بها رؤساء البلديات الأكراد بدعوى علاقتهم المزعومة بتنظيمات إرهابية رغم أن اللجنة العليا للانتخابات صادقت على ترشيحهم، تبعث برسالة محددة إلى عمدة أنقرة الجديد منصور يافاش مفادها "تذكر قضيتك".

"تستطيع أن تترشح للانتخابات، بشرط ألا تفوز، وإذا فزت سوف تتحمل ما سيصيبك".. هكذا هدد إردوغان، منصور يافاش قبيل أيام من إجراء الانتخابات في 31 مارس، في إشارة إلى الدعوى المرفوعة ضده بتهمة تقديم سندات مالية مزورة في خلاف مالي جرى مع رجل الأعمال نجم الدين كسجين، قبل سنوات خلال عمله بالمحاماة.

يافاش دافع عن الاتهامات الموجهة له بتزوير سند يصل قيمته إلى 600 ألف دولار أمريكي، لافتا أنه كان ضحية اتهام رجل أعمال محكوم عليه بالسجن 4 سنوات، مؤكدا تحريكه من نظام إردوغان.

"فليحذر الخونة"
قُبيل الانتخابات البلدية الأخيرة تواترت أنباء عن تحركات يقوم بها أصدقاء إردوغان القدامي، علي باباجان وداود أوغلو والرئيس السابق عبد الله جول، لإنشاء أحزاب جديدة تخرج من رحم حزب العدالة والتنمية الحاكم بعدما حاد الحزب عن مبادئه.

ولكن هذه الأنباء باتت أقرب إلى التحقق على أرض الواقع بعد خسارة إسطنبول، بعدما أعلن علي باباجان استقالته من حزب العدالة والتنمية في يوليو الماضي، لافتًا إلى وجود "خلافات عميقة" حول السياسات داخل الحزب الحاكم، كما ألمح إلى أن إنشاء حزب جديد - أو القيام بـ "جهد جديد"، هو أمر "حتمي لا مفر منه" لأن تركيا تحتاج إلى رؤية جديدة.

وبعد أيام من استقالة باباجان، أجرى داود أوغلو مقابلة على الهواء مباشرة عبر الإنترنت، أشار خلالها إلى استعداده لإنشاء حزب جديد، قائلًا إنه سيبقى داخل حزب العدالة والتنمية في الوقت الحالي، لكنه "إذا لم يجد خيارًا آخر، سيتوجب إنشاء حزب جديد".
وبإقالة رؤساء البلديات الأكراد المنتخبين، يوجه إردوغان رسالة خاصة إلى رفقاء الأمس الذين اتهمهم أكثر من مرة بـ"الخيانة وتقسيم الأمة"، وأولئك الذين يفكرون في الانسحاب من العدالة والتنمية، بأن الحزب مازال قويًا ويحكم قبضته بشدة ولا يمكن فعل أي شيء دون موافقته.

 

  

Qatalah