يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


اعتراض رجب إردوغان على نتائج الانتخابات البلدية في إسطنبول التي فاز بها مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو يضع مستقبل السياسة في تركيا على المحك، مع محاولات حزب العدالة والتنمية الحاكم إعادة التصويت الذي سيكون الورقة الأخيرة بيده، وشهادة الوفاة الرسمية له. 

الأتراك سخروا من عدم قبول إردوغان بالهزيمة في إسطنبول، وانتشرت تدوينة ساخرة بشكل مكثف على الإنترنت بعد ظهور نتائج الانتخابات التي أجريت يوم 31 مارس الماضي، ويقول نصها: "أربعة أشياء لا يستطيع الناس اختيارها:  1- مكان الميلاد، 2- العائلة، 3- العرق، 4- رئيس بلدية إسطنبول".

إردوغان وحزبه يسعون لإلغاء نتائج الانتخابات وإعادتها في المدينة التي يبلغ تعدادها 16 مليون نسمة، والتي يتم فيها جمع معظم ثروات تركيا، الأمر الذي يضع البلاد على نصل سكين من خلال عواقب مستقبلية عصية على التنبؤ، حسب صحيفة "المونيتور" الأمريكية.

جريمة منظمة
حزب "العدالة والتنمية" طلب إعادة فرز أصوات بلدية إسطنبول، مدعيا وجود حالات غش دون تقديم أدلة كافية. وتمادى إردوغان من خلال اتهامه للمعارضة بارتكاب" جريمة منظمة" في الانتخابات، فيما رفض المجلس الأعلى للانتخابات صاحب الكلمة النهائية طلب الحزب مكتفيا بإعادة الفرز في 8 دوائر فقط. 

المجلس الانتخابي استجاب لطلب حزب العدالة والتنمية بإعادة فرز الأصوات الباطلة لكن ذلك فشل في تغيير مسار النتيجة، وضاق الفارق بين مرشح المعارضة المنتمي لحزب الشعوب الجمهوري وبين مرشح العدالة والتنمية إلى 14 ألف صوت لصالح مرشح المعارضة وفقا لأحدث الإحصائيات. 

طلب الحزب الحاكم إعادة الانتخابات في دائرة "بيوك جكمجة" التي تقع في الجانب الأوروبي من إسطنبول، وكان من المتوقع أن تتخذ اللجنة قرارا في هذا الشأن لكنه تأجل، لكن في تطور جديد يؤكد النهج القمعي لحكومة إردوغان الديكتاتورية، والرافضة للاعتراف بالانتخابات أمرت الشرطة بمداهمة عشرات المنازل في حي "بيوك جكمجة" بحجة التأكد من أن أكثر من 20 ألف ناخب مسجلين بطريقة خاطئة أو تم حذفهم من القوائم بطريقة غير مشروعة عن طريق حزب الشعب الجمهوري.

حجة كاذبة
مرشح حزب الشعب الجمهوري حسن أكجون حقق سادس فوز له في الحي في الانتخابات الأخيرة، وهو الذي يسيطر على الحي منذ عام 1994، غير  أن هذه النتيجة لا ترضي حزب إردوغان الذي يحاول إعادة الانتخابات في إسطنبول بأكملها، حيث خسر رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم رئاسة البلدية، بفارق  
14 ألف صوت فقط عن أكرم إمام أوغلو.

حزب الشعب الجمهوري نحى جانبا ادعاءات "العدالة والتنمية"، قائلا :إنه قام بالطعن على قوائم الناخبين في  بيوك جكمجة قبل الانتخابات وتم حذف 741 اسما نتيجة لذلك. وتساءل فايق أوزتراك المتحدث باسم الحزب: "في 31 يناير، تم الانتهاء من قوائم الناخبين المسجلين، وإذا كان حزب العدالة والتنمية لديه اعتراضات لماذا لم يقدمها في ذلك الوقت"؟.

أكجون وجه اتهامات للشرطة بمحاولة التحايل لصالح حزب العدالة والتنمية. وأضاف في مؤتمر صحافي أن الشرطة شرعت في اختلاق قائمة من الناخبين المزيفين لإثبات قضية التزوير ضد حزب الشعب الجمهوري، بل وأدرجت اسما لطفل في العاشرة من عمره.

دهس الديمقراطية
إعادة الانتخابات في إسطنبول تعني كتابة شهادة وفاة رسمية لإردوغان وحزبه، إذ طالما تشدق الحزب بأنه مستند في قدومه إلى السلطة على الانتخابات، وإن كانت هذه الانتخابات تفتقد للعدالة في أغلب المرات التي شهدتها البلاد منذ أول حكومة شكلها حزب العدالة والتنمية في عام 2002، حسب النائب عن حزب الشعب الجمهوري سيزجين تانريكولو.

تانريكولو امتنع عن التعليق على الخطوة التالية التي سيتخذها حزب الشعب الجمهوري في المرحلة المقبلة، فيما وجهت تعليمات إلى أعضاء الحزب بعدم التعليق على الاحتمالات، حتى فيما بينهم، حسب تأكيد مصدر مطلع لـ" المونيتور".

المصدر قال: "في حال أصدر المجلس الأعلى للانتخابات أمرا بإعادة انتخابات إسطنبول، فإن حزب الشعب الجمهوري قد يدرس مقاطعة الانتخابات، كما أنه سيتم تزويرها بوضوح لصالح حزب العدالة والتنمية".

لجنة غير محايدة
في مقابل استجابة المجلس الأعلى للانتخابات لطلب حزب إردوغان في إعادة فرز الأصوات في إسطنبول، فإنه رفض طلب حزب الشعوب الديمقراطي، صاحب أكبر كتلة موالية للأكراد في البرلمان لإعادة التصويت في العديد من البلدات والأحياء بينها "ملازغرد" في الشرق والتي خسر فيها مرشح الحزب بفارق 3 أصوات.

الحزب الكردي تلقى قمعا منهجيا أدى إلى إقصاء 95 رئيس بلدية منذ 2016، وحبس العشرات منهم بمزاعم وجود صلات بينهم وحزب العمال الكردستاني المصنف "إرهابيًا"، وقد ترشح عدد منهم رغم فصله في وقت سابق، وبالرغم من إعلان المجلس الأعلى للانتخابات في 10 أبريل أن أي مرشح فائز تعرض للفصل وفقا لقانون الطوارئ الذي فرضته السلطات في أعقاب مسرحية الانقلاب 2016 سوف يُسمح له بالعودة إلى منصبه، حال كان فائزا، فإن النائبة المنتمية لحزب الشعوب الديمقراطي ميرال دانيس بيستز أكدت أن 6 من مرشحي حزبها تأثروا بالقرار حتى الآن. 

في حي "باجلار" بمدينة ديار بكر، العاصمة غير الرسمية للأكراد في المنطقة الجنوبية الشرقية من تركيا، اكتسح حزب الشعوب الديمقراطي أكثر من 70% من الأصوات، لكنه لن يصبح قادرا على تولي منصبه، وسيتولى مرشح العدالة والتنمية رغم تخلفه بنسبة 25% من الأصوات، وهو ما تصفه النائبة الكردية: "إنه انتهاك كامل للقانون والعدالة".


احتمالات الإعادة
وولفجانج بيكولي ، المدير المشارك لـ Teneo Intelligence، وهي شركة استشارية مقرها لندن تراقب الشأن التركي، توقع في مذكرة بحثية أن تتم إعادة انتخابات بلدية إسطنبول، فيما استبعد هذا السيناريو بهلول أوزكان الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية بجامعة مرمرة بإسطنبول.

أوزكان يرى أنه "لو فكر إردوغان في إعادة الانتخابات لاستخدم خطابا أكثر قسوة... نحن نعرف ماذا يعتزم تنفيذه، إنه يحاول الحفاظ على شرعية صندوق الانتخابات التي تعني أمرا مهما بالنسبة لادعائه أنه يخرج دائما منتصرا".

الأكثر احتمالا، وفقا لأوزكان، هو أن "يسمح إردوغان بآلة حزبه الدعائية بتشويه النتيجة من خلال ادعاءات حدوث ممارسات احتيالية بحيث يجعل خسارة إسطنبول مهضومة أكثر بالنسبة لقاعدته".


ورقة الأكراد
ويتوقع أن يتلاعب حزب العدالة والتنمية بسيطرته على الحكومة في الأصوات، ويتبقى له ورقة أخيرة تتمثل في إمكانية الحصول على دعم  من حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، حال أعيدت انتخابات إسطنبول، إذ سيحاول وقتها التواصل مع الحزب لإقناعه بعدم الدفع بمرشحين وإصدار أوامر لمؤيديه بالتصويت لصالح حزب العدالة والتنمية.

الحزب الكردي لعب دورا في خسارة حزب إردوغان انتخابات إسطنبول، إذ دعم مرشح حزب الشعب الجمهوري إمام أوغلو، مستفيدًا من تشكيل الأكراد حوالي 11 % من الأصوات في المدينة. ووفق التقارير الأخيرة، تنطلق دعاوى داخل "العدالة والتنمية" تحث إردوغان على استئناف مفاوضات السلام مع حزب العمال الكردستاني المحظور، وقائده المحبوس عبد الله أوجلان، بهدف كسب تأييد الأكراد - إن لم يكن في الإعادة فمستقبلًا. 

مفاوضات السلام بين حكومة إردوغان والأكراد انهارت في عام 2015 في ظل اتهامات متبادلة. ومنذ ذلك الحين، صعدّت الحكومة حملتها العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني ومسلحيه المحاصرين في الجبال بين العراق وإيران وتركيا.

Qatalah