يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


7 نوفمبر 2018 تناقض صارخ في ردّ فعل إردوغان على مقتل هرانت دينك وخاشقجي

كان رد فعل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على مقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول الشهر الماضي مختلفا تماما عن رد فعله على قتل الصحافي التركي الأرمني هرانت دينك، رئيس تحرير صحيفة تصدر باللغتين التركية والأرمنية، في عام 2007.

لم يُقتل دينك في قنصلية، بل قُتل على الملأ في قلب إسطنبول ليكون عبرة للأرمن. كان دينك يتوقع حدوث ذلك، وكانت الشرطة أيضا لديها معلومات استخباراتية قبل قتله، لكن أحدا لم يحرك ساكنا للحيلولة دون ذلك. وأضحى دينك مجرد اسم أضيف لقائمة تضم عدة آلاف من الأرمن الذين قتلوا في هذا البلد.

في نظر الكثيرين في تركيا، ارتكب دينك خطيئة كبرى بأن قدّم أدلة على الإبادة الجماعية للأرمن عبر صحيفة جمهورييت، وهي واحدة من أبرز الصحف في تركيا. فذكر الإبادة الجماعية للأرمن التي قتلت فيها الحكومة العثمانية نحو 1.5 مليون مواطن أرمني إبان الحرب العالمية الأولى يعتبر من المحظورات في تركيا.

ومن المحرمات أيضا الربط بين مؤسس حزب الشعب الجمهوري التركي مصطفى كمال أتاتورك وجمعية الاتحاد والترقي، الحزب السياسي العثماني الذي أمر بالإبادة الجماعية ونظمها. وقد شغل كثير من أعضاء الجمعية مناصب بارزة بعد إقامة الجمهورية التركية في عام 1923.

كسر دينك هذه المحظورات. ويقول محاموه إنه قتل على يد شبكة تضم أعضاء من المؤسسات المدنية والعسكرية والاستخبارات وآخرين من حركة غولن، وهي جماعة سرية لأنصار الداعية الإسلامي المقيم في الولايات المتحدة عبد الله غولن تسللت إلى مؤسسات الدولة وألقيت عليها في النهاية مسؤولية محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016.

ومع اقترابنا من الذكرى السنوية الثانية عشرة لمقتله، لم يبذل الحزب الحاكم حتى الآن جهودا كافية للكشف عن سبب وفاته. بل على العكس تماما، ساعد في التستر على الأمر.

لم يتحمل إردوغان وحزبه العدالة والتنمية قدرا كبيرا من المسؤولية في التحقيق في مقتل مواطنهما مثلما فعلا في واقعة خاشقجي.

فلقد ألقيت مسؤولية مقتل دينك على قاتل مأجور، وأولئك المسؤولون حقا عن قتله لم يُقدّموا إلى العدالة قط. وأُهملت القضية.

هذا القتل المروع ترك جرحا عميقا في نفس المجتمع التركي، وخرج مئات الآلاف إلى الشوارع، لكن غضبهم ومطالبتهم بتطبيق العدالة لم تجد مجيبا.

لم تكن جريمة القتل هذه إلا نسخة من مقتل الصحافي العثماني حسن فهمي بك، الذي كان ينتقد جمعية الاتحاد والترقي، على جسر غلطة في إسطنبول في السادس من أبريل من العام 1909. كانت عقلية أولئك الذين اتخذوا القرار هي نفس العقلية الدموية التي تميل للقتل.

على الجانب الآخر، كان خاشقجي مواطنا سعوديا. ومن الغريب أنه اختار تركيا، التي تنتهك حرية الصحافة والمعايير الديموقراطية، لتكون مقرّه ويكون إردوغان حاميا له بينما يسعى لتحقيق الديموقراطية وحرية الصحافة في وطنه. كان خاشقجي يقيم في الولايات المتحدة، لكنه اشترى في الآونة الأخيرة منزلا في إسطنبول حيث كان ينوي العيش مع خطيبته التركية.

شكلت واقعة مقتل خاشقجي، التي يبدو أن أجهزة الاستخبارات التركية سجلتها، تحديا لإردوغان الذي شعر على الأرجح بأن جريمة القتل قد شوهت سمعته. فحقيقة أن السعوديين كان لديهم من الجرأة ما يكفي لارتكاب مثل هذا الفعل تظهر أنهم لم يعبأوا بتركيا أو إردوغان. لكن خاشقجي الذي كان كاتبا في صحيفة واشنطن بوست أثبت كراهية الإعلام الأميركي الليبرالي للسعوديين.

استخدم إردوغان ببراعة تسريبات للضغط على ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومن ثمّ زيارة رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه) للبلاد شخصيا.

بعد ذلك اليوم، توقفت التسريبات. واختفى مقتل خاشقجي من على وسائل الإعلام التركية الرسمية. كما توقف عامة الشعب التركي، الذي يقوده الإعلام، عن متابعة القضية وكذلك المعارضة التركية.

ذلك أن إردوغان إما حصل على ما يريده، أو كما يقول البعض تلقى تهديدا خطيرا. وأيا كان السبب، فإنه قد تخلى فورا عن كل المسؤولية لحل هذه القضية.

لقد كان من الحماقة توقع أن إسلاميا زجّ بمئات الصحافيين في السجن وأغلق عشرات الصحف والقنوات التلفزيونية التي عارضته أن يلتزم بالمبادئ. لكنّ التزام إردوغان لاحقا بالصمت والسماح بقتل أحد حماة الصحافة والإعلام الحر هو في الحقيقة جريمة بحق التاريخ.

إن إردوغان زعيم مستبد قضى على حرية التعبير والديموقراطية. تلك حقيقة يجب تسليط الضوء عليها وإلقاؤها في وجهه كلما أتيحت الفرصة.

 

Qatalah