يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


خلع  شهاب الدين الخفاجي عباءة القاضي، وتلحف براية الثورة، وسط صفوف المصريين الذين اندفعوا في كل حارة وزقاق من أحياء المحروسة، ليطهروا أرضهم من رجس المحتل العثماني، قبل 400 عام. 
كان الشيخ المهيب واحدا من صفوة أهل مصر، الذين تصدوا للعدوان والمظالم التركية، بكل شجاعة، في مواجهة أسلحة غاشمة توجه إلى صدورهم دون أن تراعي فيهم حرمة العلم ولا ذمة الإسلام. 
حمل الخفاجي ورفاقه مظالم المواطنين إلى الولاة، في بادئ الأمر، وانتقدوا رعاية السلاطين للجهل والتخلف والانحراف عن الدين، وصعود سطوة الجواري والغلمان في دواوين الحكم، والاعتماد على رجال لا يعرفون إلا سياسة السلب والنهب والذبح للفلاحين والنساء والأطفال.

دفع علماء مصر ثمن كلمة الحق من حريتهم ودمائهم، فطالتهم حملات الاعتقال وأحكام الإعدام على الخوازيق، والاغتيال كما حدث للقاضي زين العابدين البكري، بعد طول معارضة للوالي إبراهيم باشا، فما كان من الباشا إلا أن دعاه لمناقشة أمور الرعية في القلعة، وحين جلس قدم له قهوة مسمومة ليقع القاضي مغشيا عليه ويفارق الحياة غدرا، وخيانة، في عام 1604، ما جعل بعض أقرانه يتبنون سياسة الرفض الهادئ والعزلة بعيدا عن الناس، على طريقة الشيخ محمد الوسيمي الذي كان يقول: "كُل قُرصك وألزم خُصك".

في المقابل، انتفض علماء آخرون لرد الظلم والبطش بالمقاومة، للخلاص من الكابوس العثماني، فزادوا من فضح الساسة العثمانيين، وأعوانهم، وكان على رأس هؤلاء القاضي شهاب الدين الخفاجي، الذي سجل فصلا من هذا النضال في كتابه "ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا"، إذ وصف فيه بدقة أحوال سلاطين إسطنبول، واتهمهم بأنهم باعوا الدين وانغمسوا في الفساد والمجون، تاركين الرعية غنيمة لحاشية وولاة انتهازيين وفاسدين، فيقول:" صار الدين على أيديهم ملعبة وسخرية، وطردوا العلماء، وجعلوا المنجمين حكام شريعة المصطفى، وأمروا بقتل العلماء وإهانتهم، وغلب غير العقلاء من الجهلة وارتفع العدل، وصار رعاة الغنم أسيادا".

سلطان جائر 
لمع نجم الخفاجي، باعتباره أحد رجال العدل الرحالة، فولى أمور القضاء في العديد من أقاليم مصر وتركيا، إلا أن تمسكه بكلمة الحق في وجوه السلاطين الظلمة جلب عليه الكوارث، لكنه استمر في انتقادهم بكتاباته اللاذعة، التي انتشرت في الآفاق، متبنيا تيارا سياسيا رافضا لكل ما يصدر عن حكام الدولة العثمانية، مستغلا بصمته الخاصة في علوم اللغة والفقه والتاريخ.

سافر إلى إسطنبول، وعمل قاضيا في مدينة أسكوب ثم سالونيك، قبل أن يعود إلى مصر ويتولى  منصب قاضي عسكر، دخل في صراع مع الوالي حول تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، التي استبدلها العثمانيون بـ"قانون نامه" الوضعي. 
ندد بالحكم العثماني في اجتماعاته مع الفقهاء، حتى تمكن من تشكيل تيار معاد للاحتلال بين العلماء، فعوقب على ذلك بعزله من منصبه، وتعيين محمد بن عبد الحليم البورصوي، أحد القضاة الأتراك أو "جهلة الأروام" كما وصفهم مشايخ القاهرة، مكانه. 

وجدها الخفاجي فرصة للتفرغ لتسجيل مخازي الحكم العثماني، فألف كتابه "الريحانة" الذي يعد وثيقة إدانة  لجرائم آل عثمان بحق المصريين في تلك الفترة، وضمنه بعض القصائد الشعرية من نظمه، لما كان يحسه ويعايشه من معاناة الناس، مثل قوله: أنا في الأرض ضارب دون كسب * مثل ضرب لواحد في واحد/ جهلوني وليس تُجهل نار * فوق أعلام همة أنا واقد/ لست برجل قصعة وثريد ولا حلسا يمهد للعجائز والعبيد.
سجل القاضي الثائر غضبه على ما يجري حوله في كتابه "ريحانة الألبا" قبل أن يجمع نصائحه في مؤلفه "الفصول القصار في نتائج الأعمار" والذي يصف فيه حالة البلاد في ظل الحكم العثماني على نحو موجع "مصر دار أمواتها أشراف، وأحياؤها أجلاف، بها ضعاف عقول، يزعمون أنهم ألفوا وصنفوا كأنهم بقية من أهل الكتاب الذين بدلوا وحرفوا، فقلت السلام عليكم دار قوم مؤمنين، فردوا وصاحوا بها واها".

يحتشد الكتاب بهذه الصور المؤلمة للحياة تحت حكم العثمانيين، ثم يمضي لأبعد من ذلك في مواجهة حكام إسطنبول وأعوانهم من كل الطبقات، بما فيها العلماء والفقهاء والشيوخ، فيقول في موضع آخر :"لقد نقدت إسطنبول وساكنيها من علية القوم وصغارهم وما هم عليه من فجور، ورفضت معايير الترقي في الوظائف والتي جعلت السفلة المرتشين يتبوأون أعلى المناصب، ويحصلون على الثروة، وشهرت بجهل المشايخ القائمين على أمور الدين في إسطنبول، ممن وضعوا أنفسهم في مواقع العلماء دون وجه حق على حساب العلماء الحقيقيين".

فضح آل عثمان
هاجم الخفاجي سلاطين الدولة العثمانية الذين باتوا حجر عثرة أمام تقدم العرب والمسلمين، بعد أن تلاعبت بهم الجواري والغلمان، وصاروا أضحوكة الزمان "انحلت الشياطين ووقف الرجاء على شفا جرف هار بين قوم مجانين، وآلت السلطة إلى الأطفال والعبيد لما انتصب للتمييز كل جبار عنيد، حتى تولى قضاء العسكريين بعض العلوج وقام على رؤوس الرؤوس الموالي والزنوج، حتى آلت الخلافة إلى ببغاء في قفص، إذا رأى نقد الرشا نهق ورقص، حتى تجبر وطغى وقال أنا ربكم الأعلى".
وعندما يمتلئ قلمه بالمرارة، يعود رحالتنا المصري إلى التنفيس عن كرب أمته بالشعر، فيقول: رأيت الدهر يرفع كل وغد * وينخفض كل ذي شيم شريفه/ كمثل البحر يغرق فيه حي * ولا ينفك تطفو فيه جيفه/ أو الميزان يخفض كل واف * ويرفع كل ذي زنة خفيفه.

الخفاجي تعدى النقد إلى التنبؤ بانهيار الدولة العثمانية، واصفا بدقة عوامل ذلك الانهيار  "فلما تأملت انحطاط البلاد انكشف لي أسباب ذلك، أولا الإهمال في العدالة والضبط لحسن السياسة، نتيجة عدم تفويض الأمور إلى أهاليها، ثانيا المسامحة في المشاورة والرأي والتدبير، وسببه العجب والكبر في (السلاطين) واستنكافهم عن مصاحبة العلماء والحكماء، ثالثا المساهمة في تدبير العسكر واستعمال آلات الحرب عند محاربة الأعداء، وسببه عدم خوف العسكر من الأمراء، ثم سبب جميع الأسباب وغاية ما في الباب طمع الارتشاء ورغبة النساء".

سلطنة الجهلاء
عقب عودته إلى مصر كتب الخفاجي رسالة للصدر الأعظم محمد كوبرولو باشا في إسطنبول، حملت رفضا ونقدا لاذعا للدولة ورجالها ومساوئ العصر، أشار إليها في كتابه بقوله "رأيت تفاقم الأمر وغلبة الجهل، فذكرت ذلك للوزير ظنا بأن النصح يفيد، فكان ذلك سببا لطردي من المدينة (إسطنبول) وإظهار العداوة ممن هو في زي العلماء مع أنه لم يبق بها أحد يحسن قراءة الفاتحة".

ولم يتوان في رسالته إليه عن فضح الصدر الأعظم نفسه، قائلا : "أدى تصدر هذا وأمثاله إلى اختلال في الملك وفتن، وكان ما كان حتى تضعضع الزمان ووهن، وآل ذلك إلى حصار العلم والدين، وظهرت أشراط الساعة وصارت كلمة الفحش والشح مطاعة، وفشا العجب والغرور، واختلطت الأحساب والأنساب، ووسدت تكرمة الشرع للأطباء وأهل النجوم، وصار شيخ السلوك طبيبا يحقن من أتاه، والطبيب شيخا يقرب من أتاه إلى الله، وعلت الجند المنابر والكراسي، وقال العبد للحر رأسك كراسي، وحاضت الدولة بعد اليأس فقضت عدتها، وصار من فدى دينه يعبد العجل الذي حرث فدادينه، وزكت القرود الشهود لما تولى القضاء ابن آوى".

كما انتقد جهل شيخ الإسلام بإسطنبول "فوضت صدارة العلماء ووجهت قيادة الفضلاء لشخص ملقب بأسود الخصي، يفني دون عدد معابئه الرمل والحصى، فإنه مما صب من المصائب أن حمل على كاهل الدهر عيبة المعائب، نسخة القبائح مسودة الفحش والفضائح، إكسير الفساد وشماتة الأعداء والحساد، أنموذج الهموم أظلم من ليل المرض والغموم، قبيح الفعل والقول، فصدارته هجو الزمان وإظهار لعداوة الأحرار".

"المصريون الكرام"
نتيجة فساد الدولة ساءت أحوال مصر، ودخلت القاهرة مرحلة من الاضطراب، فتبدل على منصب الوالي وحكام الأقاليم مجموعة من المرتشين، بينما حدد  حاشية السلطان مدة البقاء في الوظائف ليحصلوا على المزيد من الأموال، فتكالب الولاة والقضاة والموظفون على شراء المناصب، ثم تعويض ما دفعوه عن طريق فرض الضرائب الباهظة التي أثقلت كاهل الأهالي.

هنا يتحول نقد الخفاجي إلى هجوم كاسح على جميع رجال الدولة، بلغ السلطان نفسه والعرق التركي كله، فيقول: "ضاعت قيمة الكرام (المصريين) وعلت منزلة الصغار (الأتراك) ممن لا أصل لهم ولا نسب، وهو زمن تدهورت فيه أمور الدين وانتشر النفاق وكسد فيه الأدب وبارت الأشعار، وساءت أحوال القضاة، وأصبح الجائز شرعا صلب الولاة وجلد المحتسبين، وشاع الاستيلاء على الأوقاف من مستحقيها، وانتشرت الرشوة في صورة الهدية".

عرض القاضي المؤرخ أمثلة حية وشهادات  عصرية للظلم العثمانلي، ومن ذلك قصة الخادم حسن باشا الطواشي، وسنان باشا الوالي الذي أضاع مئات الآلاف من خزانة مصر عام 1586، لم يعرف لها أثر حتى اليوم ، بينما وصف الأول بأنه كان "ظالما جبارا مرتشيا، وبعد عزله من مصر حوسب فخرج عليه مال كثير ووضع في سجن القلعة".
دخلت فرق المماليك والجند الأتراك في صراعات عسكرية، وتكرر عزل وتولية الباشوات، ما لقي الرفض والاعتراض من الرعية والعلماء، لما سبب من آثار سلبية على  شؤون الدولة وحالة الأمن واستقرار الأسواق، وفي ذلك ينشد الخفاجي شعرا: لقد كان في مصر الأمينة حاكم * تسمى بفرعون وكان لنا موسى/ وفي عصرنا هذا لقلة قسمنا * لنا ألف فرعون وليس لنا موسى.

أعداء العرب
سيطرة شتى أعراق الأرض على المناصب العليا، وضياع نفوذ العرب على يد البوهيين الأتراك، الذين اعتبروهم غرباء على الأراضي التركية، كانت الداهية التي أصابت الأمة العربية بشعوبها المختلفة في مطلع القرن السابع عشر على يد العثمانيين، وعن ذلك يقول: "ترى العربي في إسطنبول غريب الوجه واليد واللسان، بعد أن أصبحت المدينة سجنا له، أهل مصر يرحلون للعمل فيها يذهب أحدهم بجسمه فقط بينما يبقى قلبه في مصر".

وقد وصلت الثورة بالخفاجي حد أن قدم لنا تفسيرا طريفا  لسورة الروم في القرآن الكريم، معتبرا أن الوصف يشمل العثمانيين، معتبرا أنهم سيظلون أعداء الإسلام كما كانوا أعداء لصحابة النبي في بدايات عصر الفتح، وانتهى به الأمر إلى إعلان رفض الوجود العثماني في البلاد العربية، معتبرا السلاطين والوزراء بلا فائدة تذكر، ودولتهم بلا قيمة، وتنبأ بزوالها.

الطاعون ينتقم
وجه الخفاجي ضربة أخرى للعثمانيين، ودان تخليهم عن مسلمي الأندلس، وتركهم للذبح ومحاكم التفتيش عقب سقوط غرناطة عام 1492، ويستعرض بحكم معاصرته للحدث ما جرى في مايو 1609،  حين أنذر الملك فيليب الثالث كل المسلمين بمغادرة إسبانيا خلال ثلاثة أيام، في وقت خان فيه السلطان حشود الضحايا من إخوانهم في الدين، وأرسل سفنه لنجدة اليهود وفتح أبواب السلطنة على مصاريعها لهم وسط ترحيب لم تشهد السلطنة له مثيلا.

القاضي والرحالة المصري يسجل تلك الفضيحة بعناية فائقة، قائلا :"هنالك تسكب العبرات لتطفئ نيران الحسرات، فهذه الأندلس دار الإسلام ملكها الكفار، وبدل نورها بالظلام، وجوامعها صارت كنائس، وجامع قرطبة الكبير مملوء بالكتب مسدود الباب ومأوى للحشرات ومرقد للكلاب، وأسطول الروم ينفق عليه أموال فتخرج رؤساؤهم بعدد الحرب والرجال، ويأخذون الجزية من فقراء المسلمين، ولولا أهل الغرب والجزائر لم يكن للدين معين ولا ناصر، وقد سلط الله عليهم بني الأصفر فصار عيشهم أسود بالموت الأحمر، وسلط على قسطنطينية دوام الطاعون الجارف، فقلوبهم راجفة وعيونهم بالدماء ذوارف، وترى حرق تلك الديار لا يخمد في ليل ولا نهار لما بها من ظلمة الوزراء، وإنما طغوا بعلماء سوء وقضاة هم جهلهم سائر الورى".

المصادر :


Qatalah