يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كراهية الأتراك للشعوب العربية ليست جديدة، بل تعود إلى قرون مضت، حقداً على الحضارة العربية لأنهم قوم بلا تاريخ، فقد عمدوا إلى تخريب حواضر العرب مع مجيئهم للخدمة كمرتزقة في جيش الخليفة العباسي، وحين قامت إمارات الترك ثم الدولة العثمانية أمعنوا في العداء ومحاربة اللغة العربية وتحريف الإسلام.
يؤكد واقع الجزيرة العربية في عهد الحكم العثماني كذب زيف ادعاءات العثمانيين أنهم حماة الدين، فقد أهملوا منبع الإسلام حتى صارت في عهدهم خراباً ومكاناً للخرافات والشعوذة والممارسات الدينية غير القويمة، وخلت من مظاهر العمران والمدنية.
بداية الصحوة كانت بتحالف أمير الدرعية محمد بن سعود مع الداعية محمد بن عبد الوهاب عام 1744 م، وتعاهدا على محاربة الجهل والفساد وإقامة دولة عربية في الجزيرة، إلا أن العداء التركي كان بالمرصاد للدعوة وحاربها عدة مرات، لكن في نهاية الصراع كُتب للدولة السعودية الانتصار على المحتل التركي وإقامة المملكة الحديثة.

تخريب جزيرة العرب
خضعت الجزيرة العربية عام 1517 م للسيادة العثمانية بعد سقوط القاهرة بيد الأتراك، واضطر شريف مكة لإعلان الخضوع للعثمانيين حماية للأوقاف في مصر من أن تمتد إليها يد المحتل بالسلب والنهب.
سار العثمانيون في سياستهم مع جزيرة العرب على نفس خط المماليك من قبل، إلا أنهم طمعوا في موارد أهل الحجاز المحدودة، واستولوا على نصف عائدات جمرك جدة، كما ذكر السيد رجب حراز في كتابه "الدولة العثمانية وشبه الجزيرة العربية".
ورغم أن جزيرة العرب لم تكن غنية بالثروات الطبيعية أو الزراعية في ذلك الوقت، إلا أن ذلك لم يردع العثمانيين عن تحصيل الأموال بأية طريقة، فبعد الاستيلاء على نصف عائدات الجمارك، فرضوا ضرائب على المناطق الزراعية في عسير والأحساء وبعض مناطق نجد.
استخدم العثمانيون الشدة والقسوة في جمع الضرائب، وسيروا الحملات العسكرية ضد حكام المدن والإمارات من أجل الجباية، وكان جمعهم الأموال بأي شكل سياسة ثابتة في كامل جزيرة العرب، ما أدى إلى نشوب ثورات عديدة ضدهم في اليمن وعسير والأحساء ونجد.
اتبع الأتراك سياسة فرق تسد داخل الجزيرة العربية، وشجعوا الإمارات المحلية ضد بعضها البعض، فيما تدخل الأتراك في تعيين وعزل أشراف مكة وفق هواهم، وكلما تولى والي جديد عمد إلى عزل شريف مكة، وصار التعيين مرهوناً بتدخلات من ولاة الأتراك في القاهرة ودمشق، ما أدى لاضطراب أوضاع الحجاز.
أرسل العثمانيون حملة عسكرية على نجد وشمر في عهد سليمان القانوني إلا أنها فشلت في تحقيق غايتها بسبب الظروف الطبيعية القاسية وبسالة أهل نجد، كما ذكر السيد حراز في كتابه.
لم يهتم الأتراك بنشر الأمن في ربوع الجزيرة ولا بتوطين القبائل العربية، وأطلقوا عاداتهم البربرية في خطف أولاد أمراء الدول الخاضعة لهم لضمان ولاء عائلاتهم، وأخذوا أبناء الأشراف أسرى في العاصمة.
أخفق العثمانيون بشكل ذريع في تأمين طريق الحج من غارات اللصوص وقطاع الطرق، وجلبوا ممارسات غير إسلامية إلى داخل الجزيرة، كما أن غياب التعليم وعدم وجود مدارس، أدى لانتشار الجهل والخرافة بشكل عام، ولم تشهد البلاد نمواً أو عمراناً أو زيادة في الرقعة المزروعة طوال الاحتلال العثماني الذي استمر 400 عام.

الوهابية حركة إصلاحية
نشأت الحركة الوهابية كرد فعل على ممارسات الجهل المدعومة من الأتراك، ودعت إلى التخلص مما دخل عقيدة المسلمين من أمور لا تتفق مع التوحيد الخالص لله.
أسس الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد (1703م - 1791م ) وتحالف مع محمد بن سعود أمير الدرعية عام 1744م، بهدف إقامة دولة عربية تسعى للنهضة للتخلص من التخلف الذي فرضه الأتراك على الجزيرة.
التحالف ساهم في نشأة الدولة السعودية الأولى، والتي بدأت في التوسع وتوحيد مناطق نجد والأحساء وضم بعض مدن الحجاز.

ذل 18 ألف تركي أمام 100 سعودي
حققت الدولة السعودية الأولى انتصارات باهرة على الأتراك، تكللت في النهاية بطردهم من جزيرة العرب.
حاول الأتراك اغتيال الدولة العربية في مهدها عام 1799م، وأعد سليمان باشا والي العراق حملة عسكرية كبيرة من 18 ألف جندي نظامي، مدعمة بالفرسان المرتزقة، وأسند قيادتها إلى القائد العثماني علي الكيخيا، واتجهت للأحساء وهاجمت حصون الهفوف والمبرز، كما ذكر السيد حراز في كتابه.
ظن الأتراك أن العرب ليسوا أهل قتال وحرب وطمعوا في هزيمتهم، إلا أن صمود حامية حصن المبرز الأسطوري حطم معنوياتهم، وكانت الحامية تضم 100 عربي استطاعوا رد عدوان الجيش التركي، حتى ترأس عبد العزيز بن سعود حاكم نجد جيشا لنجدة رجاله، وحين علم الكيخيا قائد الترك بذلك ولى الأدبار، متخلياً عن حصار الحصن.
توسعت الدولة السعودية الأولى في الحجاز، وأنزلت هزيمة ساحقة بجيش عثماني آخر بقيادة والي الشام عبد الله العظم 1805م، وحررت قوات ابن سعود مكة ثم المدينة من نير الاحتلال (1803م - 1815م)، وتقدمت حتى الشام.
تحقق استقلال أغلب شبه الجزيرة على يد الدولة السعودية الأولى، وأصبح حكام العرب منهم، إلا أن الأتراك لم يقبلوا بالاستقلال، يقول السيد حراز في كتابه لما تقلص نفوذ العثمانيين في شبه الجزيرة والحجاز وعجزت جيوشهم عن كسر شوكة السعوديين وإخضاعهم، لجأ الباب العالي 1807م إلى محمد علي باشا والي مصر لمساعدته.

مؤامرة ضد الدولة العربية
لم يلب محمد علي باشا طلب الباب العالي إلا في 1811م، وحاول التملص من طلبه إلا أنه اضطر للقبول بالمهمة على مضض، ووجد فيها فرصة للتخلص من الفرق المشاغبة في الجيش المملوكي، فلم يدخل المصريون في الجيش وقت الحملة على الحجاز ونجد، وكان يتكون من الأتراك والألبان وخليط من المغاربة والبدو.
يسرد عبد الرحمن الرافعي في كتابه "عصر محمد علي" قصة الحملة المصرية بقوله كلف السلطان العثماني قوات محمد علي باشا بحرب الدولة السعودية، وزحفت القوات إلى جزيرة العرب وخاضت معارك متفرقة، انتهت بدخولها الدرعية عاصمة الدولة ودمرت المدينة، وألقت القبض على الأمير عبد الله بن سعود وأُرسل إلى إسطنبول، حيث عامل السلطان العثماني الأمير السعودي بقسوة وعذبه ثم قتله في نهاية المطاف.
ثار الأهالي على ظلم الجند الأتراك عام 1822م، وأنزلوا بهم هزيمة كبيرة وطردوهم من نجد.

نهب أموال أهل نجد
عاد الأمير تركي بن عبد الله إلى الرياض عام 1824م، وطرد الأتراك ليؤسس الدولة السعودية الثانية التي استمرت حتى 1891م، وتولى الأمير الحكم 1834م، ووقعت اشتباكات مع قوات أمراء حائل عملاء إسطنبول، وحرض العثمانيون الشريف محمد بن عون ضد الأمير فيصل بن تركي، فقام بتسيير حملة عسكرية ضده.
استمرت المؤامرات ضد الدولة السعودية العربية، وهاجم العثمانيون الأحساء 1870م، وضموها إلى ولاية البصرة واتبعوا سياسة نشر الفرقة بين العرب، أعادوا إحياء حكم أسرة بني خالد، بتعيين براك بن عريعر حاكماً على الأحساء عام 1874 بهدف أن يتقاتل العرب.
فرض العثمانيون جزية 10 آلاف ريال على الأمير فيصل بن تركي، بهدف حرمان نجد من ثروتها وإفقار البلاد حتى لا تطمع في الاستقلال. تسببت الخلافات الداخلية في الأسرة السعودية في سقوط الدولة الثانية على يد آل رشيد المدعومين من الأتراك عام 1893م.

نهاية الاحتلال التركي
اندلعت الثورات في اليمن وعسير ضد الاحتلال التركي منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
انضم عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود إلى الثورة ضد الأتراك، وعاد إلى الرياض 1902م، واستعاد السيطرة عليها من عبد العزيز بن رشيد حاكم حائل الموالي للعثمانيين، وبدأ معركة استقلال نجد عن الاحتلال العثماني.
هرع الأتراك لنجدة حليفهم بن رشيد، وأرسلوا مددا عسكريا ضم ضباطا ألمانا وذخائر عام 1906م، إلا أن قوات الملك عبد العزيز أوقعت بهم هزائم كبيرة، اضطر بعدها الأتراك للانسحاب إلى البصرة والمدينة، كما ذكر المؤرخ الرافعي في كتابه.
تواصلت انتصارات عبدالعزيز على الأتراك، في 1913م وهاجم الأحساء بهدف تخليصها من المحتل ونجح في بسط سيادته عليها، موقعاً خسائر كبيرة بالأتراك.
أمام انتصارات السعوديين اضطر الأتراك لطلب الصلح، وأذلهم بن سعود حين فرض ابن جلوي حاكما على الأحساء رغماً عنهم، يقول الرافعي: "وفرض ابن سعود عليهم الاعتراف به سلطاناً على نجد والأحساء والقطيف وجبيل عام 1913م، بتوقيع الاتفاقية السعودية العثمانية، وحين اشتعلت الحرب العالمية الأولى 1914م هرع الأتراك يطلبون مساعدة عبدالعزيز بن سعود، إلا أنه ردهم على أعقابهم خائبين".
كانت الهزيمة نصيب الأتراك من الحرب العالمية الأولى، وانسحبت قواتهم من بلاد العرب، وقاد الملك عبد العزيز حملة لتوحيد الجزيرة ونجح في ضم الحجاز وعسير، ونشأت الدولة السعودية الحديثة، لتبدأ نهضة عمرانية وثقافية بعد أربعة قرون من التخلف والجهل والفساد تحت الاحتلال التركي. 

الإخوان أداة التآمر
لم تنته مؤامرات الأتراك ضد الدولة السعودية، فقد تحالفوا مع إسرائيل وقت عدوانها على الأمة العربية.
وتستخدم تركيا في ظل حكم الرئيس الحالي رجب إردوغان جماعة الإخوان في مؤامراتها ضد الدول العربية بشكل عام، ما هدد أمن المملكة ودفعها لدعم ثورة 30 يونيو التي أنقذت مصر من خطر الجماعة الدينية، وأوقفت الزحف العثماني الجديد على المنطقة العربية.
استمرت تركيا في بذر الشقاق بين الأمة العربية، وكان لها دور كبير في شق الصف الخليجي بالمؤامرات بالاشتراك مع الإخوان.
اكتملت المؤامرة التركية بإقامة قاعدة عسكرية في الدوحة، في خطوة ضمن مشروع العثمانيين الجدد في إعادة إحياء الدولة البائدة، وإخضاع الدول العربية للهيمنة إلا أن تأييد أغلب الدول العربية والإسلامية للمملكة كفيل بفضح وإفشال المؤامرات التركية.

Qatalah