يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"العثمانيون غزاة احتلوا المحروسة لنهب خيراتها، وجردوا المصريين من أراضيهم وممتلكاتهم، ومنحوها للإقطاعيين الأتراك، وفرضوا ضرائب وإتاوات باهظة على الفلاحين، وقد تآمر سليم الثالث مع باريس ضدها، فدخلها نابليون بونابرت على رقاب آلاف الأبرياء، واختتم عبد الحميد الثاني مخطط الخيانة، وباع مصر مقابل حفنة من الجنيهات"، بهذه الكلمات رصدت كتب التاريخ في المدارس المصرية تاريخ العثمانيين بمصر.

منهج التاريخ المصري للصف الثالث الثانوي وصف سلاطين آل عثمان بالغزاة والمستعمرين، حيث عانت مصر تحت حكمهم ويلات الفقر والجهل والمرض طوال 3 قرون، بعد أن حاربوا الصناع والحرفيين، وفر الفلاح من حقله هاربا من كرباج الملتزم التركي.

العثمانيون خونة وعملاء، كما وصفتهم كتب التاريخ المصري، بعد أن باعوا أراضي الولايات العربية، ولم تكن مصر استثناء، فقد تخاذل سليم الثالث عن نصرة المصريين ضد الحملة الفرنسية، واتفق عبد الحميد الثاني مع لندن على التنازل عن مصر.

مصر العثمانية
سلاطين آل عثمان بسطوا سيطرتهم على الأراضي الزراعية المصرية، ووفق قانون نامه مصر الذي أصدره السلطان سليمان القانوني فقد اعتبروا أرض مصر ملكا خالصا لهم، وجردوا الفلاحين من أراضيهم وممتلكاتهم، وخولوا للولاة توزيعها على الملتزمين الأتراك، والذين تولوا تحصيل الضرائب من الفلاحين لصالح خزانة الدولة، لكنهم فرضوا إتاوات ومغارم على المزارعين فاقت قيمة الضرائب السلطانية.

الملتزمون الأتراك أصبحوا أصحاب السلطة الفعلية في الريف المصري، إذ خولهم القانون العثماني سلطات واسعة على الفلاحين، وبات بإمكانهم تسخير المزارعين في أراضيهم بدون أجر، وبمقدورهم معاقبة الفلاحين الممتنعين عن العمل بالسخرة، واشتملت قصور الملتزم على سجون لاعتقال الفلاحين.

العثمانيون منحوا الملتزم قطعة أرض عرفت باسم "الوسية"، وكانت معفاة من الضرائب، وسمحوا له بإجبار الفلاحين على زراعتها بالسخرة، وسمحوا باستخدام القوة المفرطة في سبيل تحصيل الضرائب من الفلاحين، والذين وقع عليهم عبء العمل بالسخرة ودفع الضرائب الباهظة، بالإضافة إلى الإتاوات والمغارم، والتي فرضها الملتزمين وفرق السباهية لأنفسهم.

الوالي التركي كان رأس السلطة في مصر، وتجسدت فيه كل مسالب ومفاسد العثمانيين، فكان فاسد ومرتشي، وباع المناصب والوظائف في سبيل اكتناز المال بشتى الطرق المحرمة، وتسربت عدوة الرشوة إلى سائر الإدارات الحكومية، والتي أصابها الفساد بعد أن غابت الكفاءات وتصدر الجهلاء المشهد، 

الولاة الأتراك ساروا على نهج سليم الأول في وأد الصناعة المصرية، واعتادوا على إرسال أمهر الصناع والحرفيين إلى إسطنبول، وقسموا الصناع إلى مجموعة من طوائف الحرف، وعينوا على كل واحدة منها رئيسا عرف باسم "شيخ الطائفة"، وكانت مهمته الرئيسة تحصيل الضرائب من الحرفيين، وتقديم كشف سنوي بأسماء أمهر الصناع، ليتم بعد ذلك تهجيرهم إلى إسطنبول، ليشيدوا بأيديهم افخم التحف في قصور آل عثمان.

أهمل العثمانيون حماية المدن والقرى من عبث اللصوص وقطاع الطرق، والذين حصلوا على رعاية فرق الإنكشارية، بعد أن تركوا دورهم في حماية المواطنين وفرض النظام والقانون، فانتشرت الفوضى وانعدم الأمن، وهو ما ألقى بظلاله على حالة التجارة الداخلية بين الأقاليم والمدن والقرى، إذ تعرضت قوافل التجارة القادمة من السودان أو صعيد مصر ومتوجة نحو القاهرة والدلتا إلى سطو اللصوص، مما أثر على أسعار السلع والبضائع بالأسواق.

العثمانيون اتبعوا سياسة فرق تسد بين فئات المجتمع، والذي انقسم إلى؛ الطبقة التركية الحاكمة، وعلى رأسها الوالي وحاشيته والفرق العسكرية، والذين عاشوا في عزلة اجتماعية عن سائر فئات المجتمع، أما الطبقة الثانية فهم المحكومون، وهم سائر أفراد الشعب المصري، ويضم عامة الشعب المصري ومشايخ وعلماء الأزهر والتجار والحرفيين، وتعرضت تلك الطبقة إلى سياسات تهميش وقمع غير مسبوقة، فحرموهم من حقوقهم المدنية والسياسية، وفرضوا عليهم الجهل بعد أن أغلقوا المدارس، فانتشر الجهل والخرافات والشعوذة بين الرعية.

نظم الحكم والإدارة العثمانية حملت بين طياتها عوامل الضعف والانحلال، ولا سيما بعد حالة الضعف التي أصابت سلاطين الدولة العثمانية، بعد أن تحكمت الجواري والسلطانات في الحكم، مما ألقى بظلاله على نظم الحكم بالولايات، فقد ضعفت سلطة الولاة الأتراك بمصر، بسبب قصر مدة حكم الولاة، وزيادة سلطة أمراء المماليك وأغوات الإنكشارية، وبات الوالي ألعوبة في يد القادة العسكريين.

الشعب المصري لم يرض الذل والهوان، وتطلع لقائد وزعيم ينقذهم من نير الاحتلال التركي، لذلك التفوا حول شيخ العرب همام زعيم قبيلة هوارة، والذي استقل بصعيد مصر عن الوالي التركي، وبات شيخ العرب همام سيد الصعيد بلا منازع، والحاكم الفعلي للمنطقة الممتدة من المنيا إلى أسوان، وقام بحفظ الأمن وتحصيل الأموال الأميرية من الفلاحين، واعتاد على عقد مجلس أسبوعي لسماع شكاوى الأهالي وفض المنازعات بينهم بنفسه.

شيخ البلد علي بك الكبير زعيم المماليك ثار على الاستبداد التركي، وعزل الوالي العثماني، وامتنع عن دفع الجزية لإسطنبول، بل وضرب النقود باسمه، فامتلك قلوب المصريين، فساندوه بالمال وتطوعوا في جيشه، وطالبوه بتحرير إخوانهم العرب من نير الاحتلال التركي، فتقدم بجيوشه وحرر الحجاز واليمن والشام، وبات علي بك سلطان العرب بلا منازع، وباتت إسطنبول مهددة بالسقوط على يد الجيوش المصرية، فتحالف السلطان مصطفى الثالث مع محمد بك أبو الذهب، وقتلوا علي بك الكبير، وعادت مصر تابعة للاحتلال العثماني.

الحملة الفرنسية
مناهج التاريخ المصرية رصدت أحداث الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، والتي قادها الجنرال نابليون بونابرت، وأكدت أن السلطان سليم الثالث خان المسلمين وتواطأ مع باريس لاحتلال مصر، ولاسيما بعد أن تردد في إسطنبول أن السلطان بات عاجزا عن حماية الولاة الأتراك من ثورات المصريين المتكررة.

أكدت كتب التاريخ المصرية أن السلطان سليم الثالث كان على علم بخروج الحملة الفرنسية متجهة إلى مصر، ولاسيما بعد أن احتل نابليون بونابرت جزيرة مالطة، لكن السلطان لم يحرك ساكنا، بل أرسل خطابا إلى أبو بكر باشا والي مصر يخبره بتقدم الجيوش الفرنسية نحو الإسكندرية، وطلب منه دعوة المصريين للترحيب بقوات بونابرت.

السلطان سليم أمر إدريس بك قومندان البحرية العثمانية في الإسكندرية بعدم مقاومة الأسطول الفرنسي، وسمح إدريس بك لجنود نابليون البالغ عددهم 30 ألفا بدخول الإسكندرية دون مقاومة، بعد أن أخلى السواحل المصرية من الحاميات العسكرية، وترك الوالي أبو بكر باشا أسوار مدينة الإسكندرية دون تحصينات، فيما قاوم الأهالي الغزو الفرنسي ببسالة، وراح منهم 1500 شهيد بسبب تخاذل السلطان والجيش التركي.

الشيخ الشرقاوي، شيخ الجامع الأزهر، اتهم أبو بكر باشا بالتورط في تسهيل مهمة الغزاة الجدد، ولاسيما بعد وصول أنباء توجه الحملة الفرنسية إلى القاهرة، وتطوع آلاف المصريون للدفاع عن أرضهم في وجه الاستعمار الفرنسي، وامتنع أبو بكر باشا عن تسليح الأهالي، بحجة تنفيذ تعليمات سليم الثالث بعدم مقاومة الجيش الفرنسي، وحصدت بنادق ومدافع الجيش رقاب آلاف، بعد أن استسلمت القوات التركية دون مقاومة، وأصبحت القاهرة في قبضة نابليون، بعد أن قدمها سليم الثالث لقمة سائغة للمحتل.

السفير البريطاني في إسطنبول عقد عدة اجتماعات مع السلطان سليم الثالث، واقنعه بتأييد التدخل الإنجليزي العسكري لطرد الفرنسيين من مصر، بدعوى خطورة جيش نابليون في مصر والشام على طريق التجارة بين بريطانيا ومستعمراتها في الهند، وتحقيقا لذلك عقد معاهدة تحالف مع إنجلترا وروسيا لإعادة الاحتلال العثماني لمصر، وبعد معارك أوروبية على أرض مصر أعلن مينو (قائد الحملة الفرنسية آنذاك) انسحاب قواته في 18 سبتمبر 1801.

4 أعوام من الخراب
مناهج التاريخ المصرية رصدت أوضاع المحروسة في ظل الاحتلال العثماني الثاني، إذ تناوب على حكمها 5 ولاة عثمانيين لا يعرفون الرحمة أو العدل، أولهم كان خسرو باشا ومن بعده طاهر باشا الذي تم اغتياله، ثم أحمد باشا، والجائرلي باشا الذي قتل ليصل الحكم في النهاية إلى خورشيد باشا الذي خلعه المصريين، وسجل كل واحد منهم بصمته في القمع والسلب والنهب وفرض الضرائب والغرامات وتخريب البيوت وتعذيب الناس.

الولاة الأتراك أطلقوا العنان لجنودهم في السلب والنهب وفرض الضرائب الباهظة على الأهالي، وكانت الحالة في القاهرة تزداد سوءا بسبب تذمر الشعب من كثرة الظلم وإرهاقهم بمختلف الضرائب والغرامات، فضاق الخناق على الأهالي ، واستولى عليهم الذعر والفقر، ولاسيما بعد أن طالبهم الملتزمين بسداد الضرائب عن سنوات الاحتلال الفرنسي، وكلفوا الصيارفة (محصلي الضرائب) بتحصيل الرسوم بقوة السلاح، فكثرت حوادث اعتداء الجنود على الأهالي.

خورشيد باشا كان آخر والي عثماني على مصر، وجلب معه جيشا مؤلفا من 3 آلاف مقاتل من جنود الدلاة تميزوا بالشراسة إلى مصر، وأطلق لهم خورشيد العنان فعاثوا في الأرض فسادا واعتدوا على الأموال والأرزاق والأرواح، وهجموا على المنازل وأخرجوا أهلها منها وخلعوا أبوابها ونوافذها وباعوها في الأسواق، حتى عم الخراب أرجاء المحروسة.

مصر عاشت شهورا من الفوضى والقمع على يد خورشيد باشا، ما دفع الجماهير الخروج من جديد إلى شوارع القاهرة مطالبين بخلع خورشيد، واجتمع الشيخ الشرقاوي بشيوخ الأزهر في بيت القاضي، لبحث مطالب الشعب الثائر، واتفقوا على عزل خورشيد باشا واختيار محمد علي باشا واليا على مصر، ورضخ سليم الثالث لإرادة المصريين واعترف بخلع خورشيد باشا آخر الولاة العثمانيين في 9 يوليو 1805.

الدولة المصرية الحديثة
حصلت مصر على حريتها واستقلالها عن دولة الاستعمار التركي بتولي محمد علي باشا، وباتت مصر دولة مستقلة ذات سيادة يحكمها قائد وزعيم استطاع أن يؤسس لدولة مصرية حديثة، وعاشت البلاد فترة من الازدهار والتقدم الاقتصادي والحضاري والثقافي حرمت منها طوال 3 قرون.

مناهج التاريخ المصرية رصدت موقف الدولة العثمانية من دولة محمد علي، بعد أن امتلكت مصر جيشا قويًّا، تمكن من تحرير الحجاز والشام من قبضة الاستعمار التركي، بل وتوسع حتى بات يهدد إسطنبول ذاتها، وحاول السلطان محمود الثاني وأد المشروع المصري.

السلطان حشد جنوده وحاول مباغتة جيوش محمد علي في الشام، لكنه فشل، وتلقى هزيمة مروعة في معركة نصيبين في 24 يونيو 1839، وانتصر إبراهيم باشا بن محمد علي على حافظ عثمان باشا قائد الجيش العثماني، وقُتل نصف القوات التركية، واغتنم الجيش المصري 166 مدفعا و 20 ألف بندقية وغيرها من الذخائر والمؤن.

الاحتلال البريطاني
وتحت عنوان "الاحتلال البريطاني لمصر" رصدت المناهج المصرية خيانة السلطان عبد الحميد الثاني للمحروسة، بعد أن خذل المصريين وتحالف مع إنجلترا، وسهل مهمة الجيوش الغازية، وكشفت المناهج أن السلطان عزل الخديو إسماعيل وعين ولده توفيق كأول خطوة في طريق الاحتلال البريطاني لمصر.

سادت حالة من الغضب الشعبي لتدخل عبد الحميد في الشأن المصري، واعتبروه تبجح من السلطان الخائن، وتزعم أحمد عرابي باشا الجماهير الغاضبة، وقدم عدة مطالب عادلة للخديو توفيق، وأعلن أن الشعب المصري لن يرضى بالعودة للذل والاستعباد التركي مرة أخرى، وهدد بالثورة على الخديو الخانع والسلطان المتآمر، وألتف حوله المصريين بجميع طوائفهم وطبقاتهم.

عبد الحميد بدد أموال الخزانة السلطانية واستدان من البنوك الأوروبية، وعجز عن سداد أقساط الدين، وطلب من ممثلي البنوك تأجيل تلك الأقساط، ولما كان اليهودي روتشيلد صاحب أكبر نصيب من الأموال المقترضة، فقد عرض على السلطان المفلس التنازل عن مصر في مقابل إسقاط بعض الديون عن السلطنة.

السلطان عقد عدة اجتماعات مع السفير البريطاني في إسطنبول، وتفاوضا بشأن  صفقة التنازل عن مصر، والتي شملت تقديم الجانب الإنجليزي منح مالية للخزانة العثمانية الخاوية، وقد طلبت بريطانيا من السلطان منحها فرمانا يتيح لها غزو مصر، وبعد عدة اجتماعات وافق على الطلب الإنجليزي.

السلطان أصدر "فرمان عصيان عرابي" في 5 سبتمبر 1882، والذي وصف الزعيم أحمد عرابي بالخائن وعدو السلطنة الذي يحارب حلفاءها، ونجحت القوات البريطانية من دخول القاهرة، بعد أن سرب عبد الحميد الخطط العسكرية لجيش عرابي، وحصدت البنادق والمدافع الإنجليزية أرواح آلاف المصريين الأبطال في معركة التل الكبير في 13 سبتمبر 1882.

Qatalah