يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بلغت الدولة العثمانية مرحلة من الضعف والإنحلال، درجة أن تتسبب نزوات السلطان، وافتتانه بأحد أنواع الزهور، أزمة مالية، تستدعي تدخل رسمي، لوقف جنون ارتفاع أسعارها.
من كان يتخيل أن زهرة الزنبق بديعة الألوان، زكية الرائحة، ستكون وبالا على سلطان سفيه، غارق في ملذاته، ستطيح به من العرش.
الهوس بالزنبق "التيوليب" لم يقتصر على الهولنديين، بل امتد إلى القسطنطينية، وبلغ مداه في عهد السلطان أحمد الثالث، العام 1703، فى وقت كان الفقر والمرض والجوع ينهشون بطون فقراء الرعية، تبارى هو وحاشيته في اقتناء الزهور وشرائها، وغرقت الطبقة الحاكمة في الملذات، وحياة القصور، وزراعة حدائق الزنبق.
السلطان ترك العاصمة التي تضج بصرخات بأنين الجوعى والمشردين، وانتقل إلى منطقة سعادت آباد، وشيد قصورا فخمة، عاش فيها فيها هو وحاشيته، من أجل نزواتهم، حياة خلاعة ومجون، وحفلات صاخبة حتى الصباح. أثارت تلك الأنباء غضب الشعب الذى قرر الثورة على السلطان، فى العام 1730، وتمكن من الإطاحة بعرش ملك الزنبق.
 
قصر سعادت آباد
تولى السلطان أحمد الثالث الحكم (1703-1730) خلفا للسلطان المخلوع مصطفى الثاني (1695-1703) الذي كان مولعا بالصيد، فقضى معظم وقته في أدرنة، بعيدا عن العاصمة، وقصر الحكم. 
مصطفى أمر ببناء عدة قصور له، ولكبار رجال الدولة، في مدة زمنية قصيرة، كلفت خزينة السلطنة المكبلة بالديون، مبالغ طائلة، تسببت في أزمات كبيرة، كانت سببا في عزله على يد الإنكشارية، الغاضبين من إقامته في أدرنة. 
خلفه أحمد، الذي لم يكن يرغب فى الإقامة بقصر توبكابي، مقلدا ملوك أوروبا، الذين أقاموا في قصور خاصة، بدلا من مقر الحكم.
 
لم يستطع أحمد الذهاب إلى مدينة أخرى، خوفا من الإنكشارية، واستعاض عن ذلك ببناء عدة قصور حول العاصمة، كان منها دار البهجة الأبدية، في دفتردار بورنو، ودار الشرف الأبدي، في أوسكودار، وكان قصر سعادت آباد، أو قصر السعادة الأبدية، أشهر قصور السلطان، والذي تحول إلى ضاحية خاصة بقصور السلطان، وكبار رجال الدولة، والأثرياء.
قصر سعادت آباد، أنشئ على جدول مائي، يؤدي إلى القرن الذهبي، في منطقة "كاغيت خانة" وبُنى على نمط قصر فيرساي، بإشراف معمارين وبنائين من أوروبا، وكانت له حديقة واسعة، وتمر به قناة مستقيمة، بطول 1100 متر، تصطف على جانبيها البرك والشلالات والمظلات المذهبة.
حول القصر، بدأ تشييد العشرات من القصور، لكبار رجال الدولة المقربين من السلطان، وفى حفل افتتاحه، تم استجلاب 1000 قنينة شمبانيا، و900 قنينة برغندية، من فرنسا، وتحول منذ افتتاحه عام 1721 حتى عام 1914 إلى وكر لمتعة السلاطين، وكبار رجال الحاشية.
الشاعر نديم، رفيق السلطان أحمد الثالث، أنشد كثيرا في عظمة وفخامة قصور المدينة، وكتب عنها، قائلا:
بوسعنا أن نقول إن قصورك وتلالك وضفافك.. جميعها تنفث البهجة والمتعة واللذة.
كتبت الليدي ماري ورتلي مونتيجو، زوجة السفير البريطاني، عن حياة السلطان، وحاشيته، قائلة "أنا على يقين من أنهم يتبنون فكرة صحيحة عن الحياة، إذ يقضونها في الموسيقى والحدائق والخمر وأطايب الطعام".
 
هوس الزنبق
الهوس الهولندي بزهرة الزنبق، انتقل إلى القصور العثمانية، التي تسبب في أزمة مالية كبيرة في هولندا، عام 1637، لكن الأتراك لم يتعلموا من التجربة الهولندية.
أسعار بصيلات الزنبق، ارتفعت بشكل جنوني، وكان الباشوات والهواة يدفعون حتى 1000 قطعة نقدية فيها، ما دفع الحكومة للتدخل، وأصدرت قوائم أسعار رسمية، وكان مجلس من خبراء الزهور، برئاسة رئيس زراع الزهور بقصر السلطان، يعاين أنواع الزنبق الجديدة، ويعطي لها أسماء.
كبار رجال الدولة شاركوا السلطان الهوس بتلك الزهرة، وتنافسوا في إنبات أنواع جديدة منها، وأنتج أمير البحر مصطفى باشا، 44 نوعا جديدا، والصدر الأعظم 6 أنواع، وإجمالا تم تسجيل 839 نوعا في سجل خاص بالقصر.
السلطان أقام حديقة زنبق في فناء القصر، وكان يقيم في كل عام، احتفالا بفصل الربيع، يحضره كبار رجال الدولة، وفي إحدى الأمسيات، أقامت حريم القصر أكشاكًا لبيع الزهور، في بازار تمثيلي، وكان السلطان المتسوق الوحيد.
 
ضرائب وإسراف
من أين أتى السلطان وحاشيته بالأموال الطائلة، التى ينفقونها للإنفاق على ملذاتهم وشهواتهم، وحياة العزلة عن معاناة الشعب؟.
غنائم الحرب التي يتم استجلابها من البلدان التي يتم غزوها، كانت قد انتهت في عهد سليمان القانوني، وأصبح الحفاظ على الأراضي الأوروبية مكلفا للخزانة العثمانية. كانت الضرائب والإتاوات الإجبارية المفروضة على الرعية، هي مصدر الدخل الوحيد، لإمبراطورية تعتمد في اقتصادها على الزراعة والتجارة والعمل الحرفي.
دخل السلطنة، كان يأتيه من فرض الضرائب الزراعية، والرسوم، والجمارك، والجزية، والغرامات، وأطلق السلطان يد الموظفين، ينهبون أقوات الناس، ويتلقون الرشاوى، عوضا عن أجورهم الهزيلة.
القسطنطينية كانت أكبر مدن أوروبا، وشهدت زيادات سكانية كبيرة، بسبب هجرة سكان الأناضول إليها، بحثا عن فرص أفضل للعمل، رفض عمال الطوائف الحرفية استقبال المهاجرين الجدد، ولم تهتم السلطنة بتوطينهم، كانت تطردهم بالقوة في أوقات كثيرة.
مشكلة عدم اندماج السكان خلقت أزمة اجتماعية كبيرة، وشكلت طبقة دنيا، تعيش على هامش المدينة، في الوقت نفسه أدى إسراف السلاطين وحياة اللهو فى القصور، إلى خفض الرواتب، ورفع الضرائب، فزاد ذلك من غضب الانكشارية، وصغار الموظفين.
 
زادت حالة الاحتقان فى الأحياء الفقيرة، وتفشى الفجور والرذيلة اقتداء بالسلطان وحاشيته، وبينما كانت الحرائق تلتهم أحياء القسطنطينية، كان الصدر الأعظم يلهو مع زوجة قاضي العاصمة، وباتت المدينة على حافة الانفجار.
كان مفتي القسطنطينية، وبعض العلماء، ساخطين على بدع البلاط السلطاني، وشجعوا الناس على الثورة عليه، بسبب تردى الأوضاع السياسية الخارجية أيضا، بعد اجبار السلطان على التوقيع على معاهدة "بساروفيتش" مع روسيا، بعد تلقى الجيش العثمانى عدة هزائم مذلة.
ولى السلطان صهره داماد إبراهيم باشا، صدرا أعظم، العام 1718، وأراد إبراهيم باشا استغلال المشاكل الداخلية التي تمر بها بلاد فارس، في اقتسامها مع الروس، وعارض رجال الدين هذه الحرب، وخطبوا في المساجد بأن "الحرب بين من يولون وجوههم شطر مكة حرب ظالمة" بينما طالبت الانكشارية بالحرب طمعا في الغنائم، ودخلت السلطنة الحرب، غير عابئة بالغضب والرفض الشعبى.
خلال حكم السلطان أحمد، الذي استمر 27 عاما، استمر الوضع الاقتصادي والاجتماعي في التدهور، وينذر بثورة عارمة، لكن موسيقى الحفلات الصاخبة، ورقص الغوانى وتمايل الغلمان، حجبت عن أذان السلطان أنين الرعية.
 
خلع السلطان
في صبيحة 28 سبتمبر 1730،اندلعت الثورة في العاصمة، وكان قائدها جندي إنكشاري من أصل ألباني، يدعى باترونا خليل، ارتدى ملابس ممزقة، وقاد مع صديقه "موصلو" بائع الفاكهة، وآخر يدعى "علي" بائع قهوة، نحو 30 ثائرا إلى الشوارع، وطلبوا من الناس أن ينضموا إليهم، لتطبيق شريعة النبى محمد، ضد فجور الطبقة الحاكمة، في الوقت الذي كان السلطان برفقة الجيش في اسكودار، متوجها لمحاربة المسلمين في بلاد فارس.
استولى الثوار على أسلحة من جنود الإنكشارية، احتلت الجموع شوارع القسطنطينية، وأصبحت بحق، أول ثورة اجتماعية ودينية وسياسية واسعة النطاق، في تاريخ المدينة.
باترونا خليل كان متحدثا مفوها، استمال الناس إلى صفه بخطبه الحماسية، وانضم إليه اليونانيين والأرمن والغجر، ومال إليه عمال ترسانة السفن، وموظفي دواوين السلطنة.
السلطان لم يستطع مواجهة الثوار، الذين طالبوا برأس المفتي والصدر الأعظم، ورضخ خوفا على عرشه، وقتل الرجلين.
 بعث باترونا خليل برسول إلي السلطان، يبلغه بقرار الثوار، قال فيها "عهدك انتهى وإن رعاياك لم يعودوا يقبلونك سيدا عليهم". تنازل السلطان عن العرش لابن أخيه محمود الأول، خوفا على حياته.
نهب الثوار قصور وبيوت السلطان وحاشيته، وخربوا حدائق الزنبق، التي أعمت السلطان وحاشيته عن الاهتمام بشؤون الحكم.
 أحمد الثالث، لم يتعلم الدرس من سلفه السلطان أحمد، الذي خلعته الانكشارية، ولم يعالج المشاكل الكامنة وراء الاضطرابات الشعبية، وظلت السلطنة على هذه الحالة حتى زوالها.

Qatalah