يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


رسمت منطقة عسير باليمن أبهى صورة للنضال العربي ضد المحتل العثماني، أشعلت ضده ثورة كبيرة بقيادة الشريف محمد بن علي الإدريسي الذي وحد صفوف القبائل العربية ليحطم أنف الأتراك، استولى على أسلحتهم وقتل جنودهم في العديد من المعارك التي خاضها ضدهم وفي مقدمتها "الحفائر" التي كبدهم فيها خسائر فادحة، لينهي إلى الأبد بطش الدولة التركية وظلمها الذي قضى على الأخضر واليابس في بلاده ويلحق بهم المذلة والعار. 
 
شهادات حية على ظلم العثمانيين
كانت عسير محطة مهمة في تاريخ التحرر العربي من المحتل العثماني، بدأت ثورتها في 1908 وانتهت بطرد العثمانيين من جنوب الجزيرة العربية 1919 وهم يجرون أذيال الهزيمة.
خلال فترة احتلالهم الثاني لليمن، سيطر العثمانيون على عسير عام 1872، والتي تعاملوا مع أهلها بالقمع ومصادرة ممتلكاتهم، وجباية الضرائب، دون تقديم أية خدمات مدنية من صحة وتعليم، فحل الخراب بالمنطقة وساءت أحوال الفلاحين، ما أدى إلى ضعف الإنتاج الزراعي في ظل غياب تام للأمن.
رفع سليمان كمالي باشا الذي تولى منصب متصرف عسير عام 1908، عدة تقارير وصفت بدقة  الأوضاع السيئة للمنطقة قال فيها: كان الناس يرون ألا حكومة لهم، وأنهم مسلوبو الراحة، والأمن العام، وهم ينتظرون الفرج بظهور رجل مصلح يتولى فيهم أمر الحكم.
وأضاف: أن الدولة العثمانية لم تصنع في بلاد عسير شيئا غير تحصيل الضرائب من الأهالي، ولم تفكر قط في إصلاح ما قامت بتخريبه، ولم تقدم شيئا من ورائه نفع للأهالي، ولم يكن لها برنامج معين يسير عليه رجالها، وموظفوها الذين يأتون إلى هذه البلاد، ووقفت ضد كل ما يحتاج إليه الشعب، ولم تدرس أسباب ثورة الأهالي وتمردهم على الدولة، بعد أن فشلوا في تحقيق الأمن، وتركوا الناس وشأنهم يحارب بعضهم بعضا والحكومة واقفة تتفرج عليهم.
تعمدت الإدارة العثمانية استعمال القوة لوأد الاحتجاجات المتكررة، وإذا وقعت حادثة في إحدى الولايات، ووردت البلاغات بها إلى العاصمة، كانت العاصمة تماطل في الأمر باستعلامات لا لزوم لها، وتعرض عن آراء الموظفين المحليين، وترسم من عندها الخطط المحكوم عليها بالعقم، والمؤدية إلى الخسران في أكثر الأحوال، كما ذكر عبد الواحد راغب في كتابه "البيان في تاريخ جازان وعسير ونجران". 
 
اقتصر دور العثمانيين الفسدة على جباية الأموال، ونشر الفرقة بين القبائل بتقريب بعضها دون بعض، من أجل ضمان خضوعهم وحين كان الظلم يبلغ مداه، في حين استغنوا حصار قوات محمد بن علي الإدريسي حاكم تهامة، لمدينة أبها، ونهبوا ممتلكات الأهالي، وصادروا محاصيلهم الزراعية، والاستيلاء على المزروعات، ووصل الظلم إلى هدم البيوت لاستخدام أخشابها في إشعال النيران، وكانت الإدارة التركية وعدت السكان بتعويضات مالية عن هذه المصادرات، إلا أنها لم تف بالوعد، وتركتهم يعانون الجوع، وفق دراسة بعنوان "أوضاع متصرفية عسير" لمحمد القريني.
تقرير عثماني آخر يذكر البؤس الذي سببه الموظفون الأتراك للشعوب العربية، كتبه المتصرف سليمان شفيق باشا جاء فيه: "إنني أعرف مسبقاً من خلال خبرتي أن أهالي اليمن وعسير المساكين لا يوجد في أيديهم معول، أو مجرفة جديدة، ويقومون بأعمالهم بالمعاول والمجارف البدائية التي صنعوها بأيديهم، حتى أنه لا يوجد في هذا البلد الكبير منشار، ولا يستطيعون قطع الخشب إلا قطعا لا تزيد على متر ونصف المتر".
 
احتقار العرب سياسة الأتراك في الحكم 
بالإهانة والتعالي تعامل الموظفون الأتراك مع العرب وانعكس ذلك على لغة خطابهم للأهالي، حيث يقول محمد القريني في دراسته: كانت البيروقراطية العثمانية بمثابة ازدراء للسكان العرب في عسير وأغلب المناطق العربية التي احتلوها، وكان العثمانيون يصفون الأهالي في عسير ونجد بالشعب الجاهل.
منع الأتراك دخول العرب إلى مستشفياتهم، وحرموهم من التعليم ، لتقتصر الخدمات الصحية والتعليمية على الجنود والموظفين الأتراك.
ويوضح ذلك سعيد مفرح في دراسة بعنوان "الإدارة المالية في متصرفية عسير 1873 - 1918" يقول فيها: اقتصرت مصروفات الإدارة العثمانية في عسير على نفقات الجيش على الرغم من تنوع مواردها المالية، في حين لم يستفد أبناء الإقليم من عائدات هذه الموارد، حتى أن الخدمات التي توافرت في مركز المتصرفية من المدرسة الرشدية والمستشفى العسكري وفرت أساسا لخدمة موظفي الحكومة العثمانية ومعظمهم من غير أبناء عسير.
 
فجر الحرية بقيادة الإدريسي
سئمت القبائل العربية من فساد وظلم الحكم التركي، وتطلعوا إلى الثورة، ولكنهم كانوا يبحثون عن رجل يلتفون حوله، إلى أن ظهر القائد في شخص محمد بن علي الإدريسي حفيد المعلم الصوفي أحمد بن إدريس الذي يرجع نسبه للحسن بن علي بن أبي طالب، واستقر في صبيا بتهامة القريبة من عسير، ونشر دعوته للطريقة الأحمدية.
 
 
عمل الأدارسة على نشر دعوتهم في عسير، وبدأ محمد يدعو عام 1907 لإصلاح ما أفسدته الدولة العثمانية، أزال الخلاف بين القبائل، ووطد الأمن، وأيقن أن منبع الداء هو الأتراك، فوضع هدف طردهم من بلاد العرب نصب عينيه، ووحد كلمة القبائل على أمل أن يخلصهم من بطش  الأتراك، وسوء معاملتهم، وظلم ولاتهم.
 تقول مضاوي الرشيد في كتابها "تاريخ العربية السعودية بين القديم والحديث": خافت الدولة العثمانية من نفوذ الإدريسي، فقد سيطر على المنطقة المعروفة باسم المخلاف السليماني، والتي تضم مساحات واسعة من عسير وجازان وأبها وصبيا وسواحل البحر الأحمر، وبسبب عجزها عن استخدام العنف بشكل واسع ضده، لجأت إلى إرسال وفود دينية للتوسط لديه، وعقدت اتفقا معه عام 1910، نص على أن يعترف الإدريسي بالتبعية الاسمية للعثمانيين، ويعين برتبة قائم مقام صبيا، مقابل السماح بمد خطوط التلغراف والبرق، وإقامة جمارك عثمانية. بينما تعهد العثمانيون بعدم فرض الضرائب، وتحصيل الزكاة فقط ودفع ثلثها للإدريسي، والإنفاق منها على إقامة جيش وطني تحت قيادته لحفظ الأمن.
ويؤكد عبد الواحد راغب أن الإدريسي حقق نجاحاً كبيراً بهذا الاتفاق، بينما فقد العثمانيون الكثير من نفوذهم في المنطقة، ومع ذلك لم يأمن الإدريسي من غدر العثمانيين، فقد تحينوا الفرصة للانقضاض عليه، وطلبوا منه الحضور للأستانة للتحقيق معه بصفته موظفا عثمانيا، لكنه امتنع من السفر لمعرفته بغدرهم، فاعتبره العثمانيون متمرداً، وظلوا يتحينون الفرصة للإيقاع به، فعمل على الاستعداد لهم، وتجييش القبائل ضدهم للقيام بالثورة عام 1910.
 
الثورة تطهر الأرض بدماء العثمانيين
تحركت قوات الإدريسي لحصار أبها قاعدة متصرفية عسير، وحاصروها لمدة 7 أشهر،  كما حاصروا الحامية التركية التي تقيم في عقبة شعار، وأجبروا جنودها على التسليم وكبدوا الأتراك خسائر فادحة قبل أن يستولوا على الأسلحة والمؤن.
جهز الأتراك حملة عسكرية بقيادة محمد راغب بك، لاحتلال صبيا والقبض على الإدريسي، لكن قوات الثورة العربية اشتبكت معها، وأنزلت بها هزيمة ساحقة، فحشد العثمانيون عشرة آلاف جندي، بأحدث الأسلحة لسحق الثورة العربية في صبيا، ووقعت مواجهة تاريخية بين الطرفين عرفت باسم "الحفائر" بالقرب من جازان.
 
حاصر العرب الجيش التركي في جازان، وقطعوا الماء عن المدينة، وأجبره على مغادرة مواقعه الحصينة، ليلتقي الفريقان بالقرب من آبار المياه حول جازان، وكان النصر حليف الثوار العرب، الذين كبدوا الأتراك هزيمة ساحقة وقتلوا منهم 6000 جندي،  فانسحب العثمانيون من جازان نحو القنفذة ودخل الثوار المدينة.
اضطر العثمانيون إلى سحب جزء من قواتهم من ليبيا لمواجهة الثورة في اليمن وعسير، مما أضعف الحامية الموجودة فيها، وجعلها فريسة للاحتلال الإيطالي عام 1911  وهكذا فرط العثمانيون في ليبيا من أجل قمع ثورات الشعوب العربية.
قطع الإدريسي أسلاك البرق، وشدد الحصار على أبها، وفق ما جاء في كتاب "البيان في تاريخ جازان وعسير ونجران"، فأرسل إليه العثمانيون حملة جديدة بقيادة محمد علي باشا، نزلت ميناء جازان، في الوقت الذي اشتعلت فيه الحرب الإيطالية العثمانية، فخاف العثمانيون وانسحبوا من جازان إلى القنفذة، وفشلت الحملة.
استمرت المناوشات بين الثوار العرب والعثمانيين، وكانت كفة الثوار هي الراجحة دائما، استولوا على جبال رازح حتى قرب مدينة صعدة، واستمرت انتصاراتهم بمحاصرة الحامية العثمانية في ميدي والاستيلاء عليها إضافة إلى تحرير مدينة  اللحية وجزيرة فرسان بعد طرد الحامية التركية منها بحلول عام 1913 كما ذكر عبد الواحد راغب في كتابه. 
كانت الحرب العالمية الأولى قد اندلعت، فواصلت قوات الثورة بزعامة الإدريسي القتال بعد أن حصلت على دعم من بريطانيا وإيطاليا أعداء العثمانيين، هاجم الإدريسي الحاميات التركية  وحاصر الموانيء.
 
طرد الأتراك من الجزيرة العربية
استسلم الأتراك لدول الحلفاء ووقعوا صاغرين على اتفاق الانسحاب من البلاد العربية، وتسليمها للسكان العرب، ونصت المادة رقم 16 من الاتفاق بأن يقوم قادة وجنود القوات العثمانية في بلاد العرب اليمن والمدينة المنورة وعسير، بتسليم أنفسهم، مع معداتهم وأسلحتهم للقادة البريطانيين، أو من ينوبون عنهم، وأن يتم تسليم البلاد إلى أهلها الأصليين، كما ذكر المرجع السابق.
 
 
عهدت بريطانيا إلى الإدريسي بمهمة إبلاغ أمر التسليم إلى القائد العثماني في متصرفية عسير محيي الدين باشا آخر الولاة العثمانيين، وفي عام 1919 انسحب الأتراك من المدينة، وسلموا أنفسهم لبريطانيا، وهكذا أنهى الثوار العرب الاحتلال التركي لبلادهم، حتى إذا اشتعلت الحرب العالمية الأولى 1914م، حصلوا على استقلالهم التام، بينما جاءت الهزيمة المذلة للعثمانيين في الحرب لتكشف عن فسادهم الذي طال لقرون.

Qatalah