يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكن الاحتلال التركي للبلاد العربية نزهة للجيوش العثمانية بل ذاق الغزاة الأهوال عبر المقاومة بكل الوسائل المتاحة، وتشهد ثورة 1831 في دمشق على الرفض الكبير للاستسلام رغم تفوق المعتدي بالسلاح والجنود، وتجلى كبرياء أهل الشام في خروج الوالي العثماني السفاح قتيلا من حاضرة العرب في سورية.

انفجر الشعب السوري في وجه المحتل التركي بعد أن طفح الكيل من الظلم، واندلعت شرارة الثورة بعد فرض ضريبة جديدة على الأملاك التجارية عُرفت باسم "الصليان" هددت اقتصاد دمشق وكادت تقضي عليه، ونجح سكان المدينة في هزيمة قوات الوالي بعد أن جمعت الانتفاضة جميع الفئات من الحرفيين والأشراف والملاك، وكانت بشارة الخلاص من حكم الطغاة الأتراك بعد تحريرها على يد الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا.

إتاوات سلطانية
الضرائب العثمانية كانت إتاوة يجب على السكان دفعها تجنبا لشر الحملات العسكرية بلا خدمات مقابلها، إذ إن سياسة السلطنة تنبع من مفهوم الغزو لذلك مثلت الضرائب غرامات يدفعها المهزوم، وكان نصيب الشام منها ثقيلاً.

دفعت دمشق ضرائب على الأملاك والزراعة والتجارة وتسجيل عقود الزواج والملكية، وتحمل السكان نفقات الجيوش العثمانية في بلادهم، وجرت مصادرة ملكية الأرض الزراعية لصالح السلطان العثماني، ودفع الفلاحون ضريبة مقابل حق الانتفاع بها.
طفح كيل أهل الشام وبدأت نار الثورة تشتعل أسفل رماد الظلم التركي، وكانوا فقط في انتظار الشرارة التي جاءت عبر ضريبة جديدة فرضها السلطان محمود الثاني وعُرفت باسم "الصليان"، وهي كلمة عربية تعني المراعي الخصبة أو طعام الأبل.

ثورة الصليان.. هاجت المدينة
فُرضت ضريبة الصليان على الأملاك التجارية (المحلات - المغالق - المخازن) عام 1831، وفق كتاب "مذكرات تاريخية عن حملة إبراهيم باشا على سورية"، لمؤلف دمشقي مجهول عاصر الأحداث وكان من الرافضين للاحتلال العثماني، لذا لم يكن غريبا أن يحتفي بالحملة المصرية لتطهير الشام من رجس الأتراك.

كان تطبيق الضريبة العثمانية سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة النشاط الصناعي والتجاري، ما يصيب البلاد بالكساد الاقتصادي وفقدان آلاف الحرفيين مصدر دخلهم، خاصة أن إسطنبول منحت التزام جمعها إلى تاجر يُدعى قاسم أغا وحضر إلى دمشق من أجل تحصيلها مضاعفة، لذلك اندلعت الثورة فور الإعلان عنها من منادي الوالي عبد الرؤوف باشا، واندفع الأهالي بشكل عفوي إلى الميادين وضربوا المنادي وطاردوا جنود الأتراك.

وصف الكاتب الدمشقي الثورة بقوله: "لما سمع الأهالي التنبيه سكروا دكاكينهم، وتجمعوا وحضروا إلى باب الجابية وضربوا المنادي، فوصل الخبر إلى السرايا بأن المدينة هاجت".
في محاولة إطفاء الثورة، دفع الوالي جنوده المرتزقة الوافدين من الموصل وتكريت إلى الشوارع، وكانوا يعاملون السكان بقسوة بالغة لذلك فتحوا النار على المحتجين، ما دفع الأهالي إلى التسليح وسد الشوارع بالمتاريس ومطاردة الجنود.

رد السكان بعنف على جنود الوالي وتمكنوا من هزيمتهم وقتلوا التاجر قاسم أغا، ولما رأى الوالي أن الأمر خرج عن سيطرته أمر المنادي أن يعلن إلغاء الضريبة، هدأت الأمور قليلا وعاد الناس إلى حياتهم الطبيعية بعد أن فرضوا إرادتهم ضد البطش التركي، فيما كان سلطان إسطنبول يخطط للانتقام من المدينة.

انتقام عثماني بسفاح الإنكشارية
فور علم السلطان محمود الثاني بثورة أهل دمشق قرر عزل الوالي عبد الرؤوف باشا لفشله في قمع العرب وتراجعه أمامهم، وقرر تولية الوزير محمد سليم باشا مكانه، المعروف عنه البطش والشدة.

ذكر صاحب "مذكرات تاريخية عن حملة إبراهيم باشا على سورية" أن الوزير شارك في قمع الإنكشارية وأغرق خمسة آلاف امرأة من زوجاتهم في بحر مرمرة، ويعد ذراع السلطان في قمع معارضيه، ودخل الوالي الجديد دمشق في موكب من خمسة آلاف جندي وطاف بالمدينة بهدف زرع الخوف والرعب في قلوب السكان.

كانت أول أعمال الوالي تذخير مدافع قلعة دمشق وتوجيهها نحو الأحياء بهدف حرقها إذا ثار الأهالي، ويقول الكاتب السوري: "صار يدور في البلد، ولما تسمع الناس بمروره تهرب من وجهه، حتى الناس في القهاوي يهربون".
عقد الوالي اجتماعاً مع أعيان دمشق وأخبرهم أنه مكلف من السلطان بفرض الضريبة وعقاب من شارك في الثورة، وكانوا قد فطنوا إلى ما يريد قبل قدومه واجتمعوا مع الكثير من السكان وتعاهدوا على مقاومة الضريبة.
يكشف الكاتب الدمشقي عن موقف الأعيان من الضريبة والوالي بقوله :"تحالفوا على الطلاق، ووضعوا أيديهم على السيف والمصحف بأن يكونوا رأياً واحدا".

غدر عثماني وتجدد الثورة
شعر السكان بنية الانتقام والغدر من الوالي الجديد، لذلك جهزوا الأسلحة وحصنوا الشوارع وأغلقوا الحارات، وعندما أرسل الحاكم العثماني الكتبة والجنود إلى حي العمارة بهدف حصر المنشآت التجارية، طاردهم الأهالي وتبادلوا إطلاق نار معهم، ما دفع الأتراك إلى الفرار والتحصن بمسجد المعلق، ويقول الكاتب الدمشقي: "في خان الدالاتية اشتعلت نار الضرب بينهم، وأصبحت أهالي البلد كلها بالسلاح الكامل، وحالاً عزلت المدينة قاطبة".

في محاولة من الوالي تدارك الهزيمة لجأ إلى الحيلة بإعلان الأمان في حي القنوات وإلغاء الضريبة، حتى يطمئن الناس ويتفرقوا، وفي هذه الأثناء كان الجنود يقومون بحفر خندق إلى الأحياء المحصنة من قبل السكان.
نجح الوالي في خطته ودخل جنوده حي القنوات وفتحوا النار على السكان وقاموا بسبي النساء ونهب الأموال، وسجل الكاتب السوري الفظائع بقوله: "صباح الأحد أهل القنوات وجدوا العسكر تملك زقاق العداس، واشتعل نار الضرب والنهب على القنوات، وأخذ العسكر الحريم وصنعوا فيهن عملاً يُرثى له".

بلغت أنباء الجريمة التركية بقية الأحياء فثارت دمشق كلها، وتوجه الأهالي لإنقاذ الحي ونجحوا في هزيمة الأتراك الذين فروا إلى السرايا ومقرات الحكم والقلعة.
لم يكتف سكان دمشق بطرد المحتل التركي من حي القنوات بل حاصروا القلعة والسرايا والدوالك (مقرات الدولة ومعسكرات الجيش)، ونجحوا في اختراق الدوالك ثم السرايا وهرب الباشا بجنوده إلى القلعة بهدف قصف المدينة.

قصف دمشق
يقول الكاتب الدمشقي إن الوالي أمر بفتح نيران المدافع على الحارات والأسواق، وبدأ الجنود بإطلاق النار من القلعة على السكان، واحترقت أسواق الجديد والأروام والقميلة والتكية الدرويشية وجامع باب السرايا، وخربت القذائف البنايات والمقاهي، ويصف هول المجزرة بقوله: "الحادث لم يسبق مثله، وكل الذي صار من سوء تدبير الوزير".

تحصن 1500 جندي تركي في جامع المعلق، وصاروا يطلقون النار من المآذن والسطح، وبادلهم السكان القتال وحاصروهم حتى اضطروا لطلب الأمان بعد نفاد ذخيرتهم وطعامهم.
بقيت القلعة في دمشق بيد الوالي ومعه 1500 جندي، فيما ضرب السكان الحصار حولها، وطلب الحاكم التركي مساعدة عسكرية من والي عكا عبد الله باشا، لكن الأخير رفض خوفاً من فرض الضريبة على بلاده، وحاول أهل دمشق اختراق القلعة بلغم يثقب جدارها لكنهم فشلوا.

تنفيذ حكم الشعب في الوالي
استسلم الوالي بعد نفاد ذخيرة الجنود ومنحه الأعيان الأمان وأطعموه، يقول الكاتب الدمشقي :"وضعوه في بيت محمد باشا العظم، وقدموا له أكلاً وشرباً وفرشاً، لأنه خرج من القلعة هفيان من الجوع".

لم يقبل بعض أهالي دمشق مغادرة الوالي إلى إسطنبول، لأنهم تيقنوا أنه لا يحمل إلا الشر وخشوا أن يؤلب السلطان ضدهم فهجموا ليلاً على الدار التي يقيم فيها وقتلوه.
بمقتل الوالي خلت دمشق من السلطة التركية وتولى السكان حكم المدينة لأول مرة منذ قرون، وشرعوا في تعميرها وإصلاح ما دمرته مدافع الاحتلال، ومع ذلك لم يأمنوا من انتقام السلطان العثماني، وبدأوا يستعدون بتحصين الحارات وشراء الأسلحة، يقول الكاتب السوري :"استعدوا للمحاربة والقتال إن لم يتغاضى السلطان عما مضى".

الخلاص بالجيش المصري
كان خلاص أهل دمشق من انتقام العثمانيين على يد إبراهيم باشا قائد الحملة المصرية التي فتحت الشام عام 1831، ولما علم السلطان بها قام بإصدار عفو عام عن المدينة بهدف كسب ود السكان.
رفض أهل الشام المحاولات العثمانية الخبيثة وفتحوا المدن أمام الجيش المصري، بسبب كراهيتهم للأتراك وأملاً في الخلاص من الإقطاع وحكم الأغوات الذي فرضته السلطنة العثمانية.

استمرت بلاد الشام تحت الحكم المصري عشر سنوات، قام خلالها إبراهيم باشا بإصلاحات عديدة، أهمها تنشيط التجارة والزراعة وإصلاح التعليم وإدخال المطبعة واعتماد اللغة العربية في التعلم وتحديد الضرائب بدقة، وإنشاء قرى جديدة وتوطين البدو وتحديد الجمارك، وإلغاء التمييز بحق المسيحيين واليهود.
كانت إصلاحات إبراهيم باشا سببا في انتعاش حالة البلاد الاقتصادية بصورة غير مسبوقة، فتخلص أهل الشام من فقر دام طوال الاحتلال العثماني، وتخلوا عن نظام المقايضة وتبادل السلع بالتوسع في استخدام العملة النقدية، حتى أن الأموال تعرف في سورية ولبنان حتى اليوم بـ"المصاري" نسبة إلى النقود التي سكها والي مصر حينها.

Qatalah