يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عاش غالبية سلاطين الدولة العثمانية، في غفلة وسذاجة، ربما لم يشهدها التاريخ يومًا، ومن هؤلاء السلطان عبد الحميد الأول، الذي ترك نفسه ألعوبة في يد أوروبا وروسيا، وصلت حد استغلال "دروشته" من جانب البعض في نهب ثروات الدولة المترامية، بلغت حد السطو على الآثار الإغريقية القديمة.
 
ومن ذلك، قصة الرسام الفرنسي "جان باتيست هيلير"، الذي دخل على "عبد الحميد الأول"، ذات يوم، في قاعة مجلسه الكبير بقصر طوب قابي في إسطنبول. وبعد أن أدى التحيات المعتادة، والاحترام المبالغ فيه، نظر الفرنسي إلى وجه السلطان متأملا فيه، ثم قال: يا سلطان العالم. إنني أقسم على أنك تملك وجها يستحق أن ترسم له لوحة، تتفوق على ما يرسم لملوك وملكات أوروبا من ذوي الوجوه الشاحبة، والقسمات الباردة. 
 
تهلل وجه السلطان كثيرا بعد أن استمع لكلمات "هيلير". وسأله: هل ترغب في أن ترسم لي لوحة شخصية أيها المحترم؟!. رد الفرنسي: إنه سيكون الشرف الأعظم لي ما حييت. هنا أمره السلطان بالبدء على الفور. ولم تكن سوى أيام قلائل، حتى فرغ الفرنسي من لوحته التي رسم فيها السلطان واقفا بردائه الفخم أمام عرشه المعروف باسم عرش الذهب. 
 
لما اطلع عبد الحميد الأول على اللوحة، اغتبط بها أيما غِبطة. وراح يقول لـ"هيلير": سل ما شئت، إني مجيبك. فرد الأخير: لا أرغب سوى في فرمان من جلالة السلطان يتيح لي التجول في اليونان، والتنقيب عن كنوز الأقدمين فيها. فقال السلطان متعجبا: هذا فقط !!. حسبتك ستطلب ما هو أكثر من ذلك. لك مني فرمان بكل ذلك. وكل ما ستعثر عليه، هو لك، ولا منافس أو منازع. 
 
هذه القصة القصيرة مستوحاة من أحداث حقيقية وقعت بين السلطان عبد الحميد الأول، والرسام وصياد الكنوز الفرنسي "جان باتيست هيلير" في العام 1788. وهي تعتبر نموذجا فجا على واحدة من الطرق الملتوية التي قام بها الأوروبيون لسرقة الآثار الإغريقية، مستغلين طمع بعض السلاطين من آل عثمان، وسذاجة البعض الآخر، لاستصدار فرمانات التنقيب، والتي سمحت لأوروبا بالاستيلاء المنظم منذ القرن الـ 17 على آثار الحضارات الشرقية القديمة، وترحيلها إلى بلادهم، حيث يعرض أغلبها إلى اليوم في المتاحف الأوروبية الكبرى. 
 
صياد الكنوز
ولد جان باتيست هيلير في أودون لا تيش شمال شرق فرنسا العام 1721. وكان إلى جانب مواهبه الفائقة في الرسم والتصوير، يمتلك حبا جارفا تجاه الآثار الإغريقية. دفعته للرغبة في السفر إلى اليونان في مغامرة، ينقب فيها عن مخلفات تلك الحضارة التي كانت تلهب حماسة الأوروبيين وخيالهم في ذلك الوقت، ومازالت حتى اليوم.
 
"هيلير" بتلك الاهتمامات الأخيرة، يعتبر منسجما إلى حد كبير مع طبيعة علماء الاستشراق في عصره، أي القرن الثامن عشر الميلادي. والذي كانت المعارف الخاصة بالحضارة اليونانية قد اختمرت في أوروبا خلاله بفضل المجموعات الأثرية اليونانية التي أرسلها قناصل إنجلترا وفرنسا في العالم العثماني إلى متاحف الغرب ومعاهده. وباتت المحاولات الحثيثة لكتابة تاريخ علمي مكتمل لليونان القديمة، رهنا بكشوفات حديثة تضيف للنقوش والمخطوطات المملوكة للمؤرخ الأوروبي.
 
وقد دعم الأمل في تلك الكشوفات التقارير الوافدة من إسطنبول حول المقدار الهائل من الكنوز الذي لا يزال في حاجة إلى عمل كشفي جاد لإخراجه من اليونان والأناضول. والأهم من ذلك أن السلاطين العثمانيين لا يمانعون أبدا في إصدار فرمانات تنقيب جديدة لصالح أوروبا، طالما أن ذلك سيعود بالنفع المادي على إسطنبول التي تحولت في ذلك العصر إلى تاجر الآثار الأكبر في العالم.  
 
تطورت البعثات الكشفية الأوروبية خلال القرن الـ 18 كثيرا عن القرن سابقه، حيث أصبح أكثر علمية بفضل تطور تقنيات التنقيب التي اتجهت إلى تفكيك قطع أثرية بالكامل من المعابد اليونانية، ونقلها على متن السفن إلى أوروبا. كما أن البعثات الأوروبية أصبحت في ذلك الوقت أكثر تكاملا من البعثات القديمة، إذ ضمت على الدوام إلى جانب العالم الأثري نفسه، مجموعة من المساعدين بينهم رسام مهمته توثيق الكشوفات _ قبل اختراع الكاميرا الفوتوغرافية _ في لوحات كان يذيع صيتها على الفور في أوروبا بعد عودة البعث إليها . 
 
الحرب على الماضي الهيليني
إضافة إلى تلك التحولات المهمة، يمكننا تعيين القرن الـ 18، وعلى الأخص خواتيمه، كبداية للصراع الحامي بين إنجلترا وفرنسا على نهب أكبر قدر من الآثار الإغريقية ونقلها إلى أي من البلدين. وقد تحولت المنافسة بينهما على امتلاك الماضي الهيليني  إلى نموذج مصغر من التنافس العسكري الأكبر على امتلاك العالم بين القوتين العظميين حينذاك. 
 
في إسطنبول، تسابق قناصل الإنجليز والفرنسيين على دفع الرشاوى للدولة العثمانية واستصدار فرمانات التنقيب منها. وكان القنصل الفرنسي في إسطنبول "أوجوست شوسيل جوفيير" هو من بدأ تلك "الحرب الكشفية". وهو عضو الأكاديمية الفرنسية في باريس، وجامع محترف للآثار الإغريقية. 
 
في العام 1776، وقبل تعيينه قنصلا، خرج شوسيل في رحلة بحرية إلى اليونان رفقة مجموعة من العلماء والمستشرقين الفرنسيين. كان هدفها المعلن هو زيارة الجزر اليونانية وجنوب البلوبونيز لجمع بيانات علمية لصالح متحف التاريخ الطبيعي في باريس. بينما كان غرضها الحقيقي هو دراسة الموقف المأزوم بين العثمانيين وروسيا القيصرية في بحر إيجة.
 
في العام 1784، اختير شوسيل قنصلا لفرنسا في إسطنبول. وكعادة من سبقه، انتهز موقعه الجديد للتنقيب المنظم في اليونان. وتحول مقر القنصلية الفرنسية في أيامه إلى ملتقى للخبراء في الآثار اليونانية والمحبين لجمعها. ومن هؤلاء كان الفرنسي جان باتيست هيلير. 
 
سافر هيلير إلى إسطنبول في العام 1788، ونزل في ضيافة صديقه المقرب القنصل شوسيل. وقد دبر له الأخير موعدا للقاء شخصي يجمعه مع السلطان العثماني عبد الحميد الأول. وفي اللقاء، عرض هيلير أن يرسم بورتريه شخصي للسلطان في قصره بجوار عرش الذهب. وافق عبد الحميد الأول وسعد كثيرا بالفكرة، ولما سأل الرسام الفرنسي عن رغباته، طلب الأخير فرمانا يجيز له التنقيب عن الآثار الإغريقية، فوافق السلطان بغير تردد. وارتحل هيلير على أثر ذلك إلى افسوس ثم أثينا. وصعد إلى مجمع الأكروبوليس وسطا على الكثير مما وجده هناك. ثم عاد إلى إسطنبول أخيرا حيث خرج من مينائها في اتجاه فرنسا على متن سفينة مشحونة بما نهب. وقد أرخ لحظة خروجه تلك في واحدة من أشهر لوحاته على الإطلاق، يظهر فيها العمال الأتراك وهم يشحنون الآثار فوق مراكب صغيرة في ميناء إسطنبول، تمهيدا لوضعها فوق السفينة المتجهة بـ"هيلير" إلى فرنسا. ويظهر وراء رصيف الميناء، الجامع الجديد، أو (يني جامع). 
 
أما شوسيل، فإنه نجح بسهولة في الحصول على فرمان عثماني يتيح له التنقيب في اليونان.  ثم شرع بعد ذلك في تنفيذ خطة طويلة الأمد لسرقة الآثار الإغريقية. وكان معبد الباراثيون تحديدا هو الهدف الكبير له، حيث عين أثري فرنسي آخر يدعى "لويس فوفيل" كنائب له في أثينا. وأمره  بتفكيك أجزاء كاملة منه ونقلها إلى باريس.
 
كان فوفيل ضالعا في آثار اليونان إلى درجة تلقيبه بأبي الآثار الإغريقية.وقد نفذ تعليمات سيده بدقة وإخلاص، إذ فكك إفريزا طوله متران من معبد الباراثيون وأرسله إلى فرنسا حيث ظل ضمن أملاك شوسيل حتى وفاته لينتقل بعد ذلك إلى متحف اللوفر. كما عثر فوفيل على تمثال للإمبراطور ماركوس أوريليوس في أتيكا، تم بيعه في مزاد للتحف في باريس، ثم آل مصيره أيضا إلى اللوفر. إضافة إلى تمثال آخر للإله أبولو يعرض إلى اليوم في المتحف البريطاني .
 
كانت الثورة الفرنسية خاتمة لمشروع شوسيل في أثينا، إذ كان ملكيا متعصبا، رفض الجمهورية الجديدة المعلنة في باريس وأعلن إخلاصه إلى الملك حتى النهاية. وقد كلفه ذلك منصبه الدبلوماسي في إسطنبول. واضطر للهرب إلى روسيا من خصومه الجمهوريين، حيث كرمته القيصرة كاترينا العظيمة بتوليته مشرفا على أكاديمية الآداب في روسيا. ولم يعد إلى بلاده إلا بعد استعادة أسرة البوربون للعرش في باريس، وانقطعت علاقاته المباشرة مع الشرق والآثار اليونانية. 
 
أما عن لويس فوفيل، فقد أكمل منفردا التنقيب في اليونان، رغم انقطاع صلته بسيده المطرود من إسطنبول. وأرسل سرقاته الجديدة إلى معهد فرنسا الذي عينه "زميل غير مقيم" لمجهوداته في النهب. 
 
كانت الحملة الفرنسية على مصر في 1798 هي وحدها التي أنهت مؤقتا وجود فوفيل في اليونان. ففي إطار الحرب التي أعلنها السلطان على فرنسا ردا على احتلال نابليون لمصر، أصبح من الطبيعي إنهاء الوجود الدبلوماسي الفرنسي في الأراضي العثمانية. وأرغم فوفيل على السفر إلى باريس في العام 1801، ولم يعد إلى الشرق مرة أخرى إلا في 1803 بناء على طلبه، بعد الهدوء الذي ساد العلاقات العثمانية الفرنسية من جديد. فاستقر مرة أخرى في أثينا، ولكنه وجد هذه المرة منافسة إنجليزية شرسة من بعثة أثرية أرسلها توماس بروس لورد الجين إلى اليونان .
 
كان لورد الجين قد أرسل خطابا إلى السلطان العثماني سليم الثالث يطلب منه الإذن لبعثته الإنجليزية بالتنقيب في أثينا. رد السلطان بإصدار فرمان يجيز له ذلك، وانتشر عملاء توماس بروس  في المدينة بحثا عن الآثار. وعندما عاد فوفيل إلى موقعه كنائب للقنصل، دخل في سباق محموم مع بعثة لورد الجين. ويبدو أن البعثة الإنجليزية قد تفوقت هذه المرة على فوفيل. فلم ينته عملها في عام 1812، إلا بعد أن نهبت نصف تماثيل معبد الباراثيون، وكذلك معبدا البروبيلي وأركتيوم وشحنتها جميعا إلى لندن حيث باعها اللورد توماس إلى المتحف البريطاني. 
 
وبالنسبة لفوفيل، فقد استمر في موقعه بأثينا حتى اندلاع حرب الاستقلال اليونانية في 1820. وهرب على إثرها بحياته إلى إزمير حيث عاش محاطا بالتحف الإغريقية التي سرقها، وظل حتى وفاته في 1828 يلعن الثوار اليونان الذين حرموه من إكمال عمله ، ويتحسر على العثمانيين الذين أباحوا له النهب، و أتاحوا له السرقة .

Qatalah