يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بالخيانة والغدر، استطاع سليم الأول غزو الشام ومصر، واشترى بالمال سيوف بعض ضعفاء النفوس من أمراء المماليك، وعلى رأسهم خاير بك وجان بردي الغزالي، الذي لعب دور الخائن والجاسوس لصالح العثمانيين، وبسببه انتصر سليم العابس في مرج دابق والريدانية، على رقاب آلاف المماليك المخلصين، ودنست جيوش العثمانلي الأراضي العربية، التي عانت 4 قرون من الجهل والفقر والتخلف بسبب الأمير الخائن.
 
جان بردي الغزالي، أمير مملوكي اشتراه السلطان الأشرف قايتباي، ثم أعتقه، وترقى في المناصب العسكرية والإدارية، حتى عُين كاشفاً لمنطقة "منية غزال" بالشرقية، فنُسب إليها، ثم أصبح كاشفاً لإقليم الشرقية.
وفي أواخر أيام حكم قايتباي، رُقي جان بردي الغزالي إلى رتبة أمير عشرة، وفي بداية حكم السلطان قانصوه الغوري عُين محتسباً على القاهرة، عوضاً عن الأمير قرقماس المقري، ثم تولى منصب حاجب حلب في الشام، ثم نائباً لمدينة حماة في 1512، واستمر بهذا المنصب حتى هزيمة المماليك في موقعة مرج دابق عام 1516.
 
المؤرخ المصري ابن إياس، ذكر في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، عدة أوصاف للأمير جان بردي الغزالي، بقوله :"كان الغزالي عنده رهج وخفة زائدة، أهوج الطبع ليس له رأي سديد، رهاج في الأمور، ليس له تأمل في العواقب".
 
المملوك الخائن
في أوائل عام 1516، وصلت الأخبار إلى القاهرة باستعداد العثمانيين في إسطنبول للحرب، وأدرك الغوري أن دولته هي المقصودة بهذه الاستعدادات، فأعد جيشه وخرج به إلى حلب بالشام في يوليو 1516، وأرسل خطاباً إلى سليم الأول يؤكد رغبته بالصلح وعدم الحرب، لكن سليم أعلن الحرب وقال لرسل الغوري :"قل لأستاذك يلاقيني على مرج دابق".
 
جان بردي الغزالي، دعا الجنود للثورة على قانصوه الغوري، لاسيما أن مصر كانت تعاني ضائقة مالية، بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، وأصبح طريق التجارة العالمية بعيداً عن مصر، وتأخرت رواتب الجنود بعض الشيء، وبإيعاز من جان بردي الغزالي، تمرد الجنود بالشام، وعاثوا فساداً في شوارع دمشق وحلب، وأرسلوا عدة رسائل إلى الغوري جاء بأحدها :"ليش ما تمشي على طريقة الملوك السالفة وتقلل من هذا الظلم؟".
 
أمراء المماليك بالشام، أرسلوا عدة خطابات إلى قانصوه الغوري أبلغوه فيها بخطورة الموقف في الشام بسبب أفعال الأمير جان بردي، قائلين :"أيها السلطان إن أرض حلب أفلتت من أيدينا وانتقلت إلى أيدي ابن عثمان (سليم الأول)، فاسمه يذكر هناك في خطبة الجمعة ويُنقش على النقود".
وقبيل معركة مرج دابق التي أنهى فيها العثمانيون نفوذ دولة المماليك تماماً من الشام، اختلفت آراء الأمراء المماليك حول كيفية مواجهة العثمانيين، فرأى الغزالي نائب حماة ضرورة التقهقر إلى دمشق وحرق المحاصيل الزراعية التي في الطريق حتى لا تستفيد منها القوات العثمانية، فيطول عليهم الطريق ولا يجدون طعاماً لهم أو للدواب، بالتالي يتمكن الصفويون المتربصون بالعثمانيين من مهاجمتهم والإطباق عليهم، وإفنائهم عن آخرهم، لكن أمراء المماليك لم يقتنعوا على ما يبدو بهذا الرأي لشكهم في ولاء الغزالي، فتم رفضه.
 
غزو الشام
المؤرخ ابن إياس، رصد العوامل والأسباب التي أدت إلى هزيمة قانصوه الغوري في مرج دابق عام 1516، وأكد أن سبب الهزيمة المباشر هو خيانة خاير بك وجان بردي الغزالي، وتواطؤهما مع السلطان سليم الأول، وانسحابهما من ساحة المعركة، وأمرا الفرق العسكرية التابعة لهما بالتقهقر.
 
جان بري الغزالي، انسحب بجنوده إلى أعلى جبل بمنطقة مرج دابق، ووقف موقف المتفرج انتظاراً لما ستسفر عنه المعركة من نتائج لينضم للفريق المنتصر، وبعد أن سأله المماليك عن سبب ترك سلطانهم الغوري وحيداً، قال لهم الغزالي "دعونا لننظر لمن تكون النصرة فنقاتل معه".
المؤرخ المصري ابن زنبل الرمال، هو أول من اتهم جان بردي الغزالي بالخيانة والتواطؤ لصالح العثمانيين، وذكر في كتابه "آخرة المماليك"، عندما اكتشف الأمير سيباي نائب دمشق تخابر الأمير خاير بك نائب حلب مع السلطان سليم الأول قبل معركة مرج دابق، فألقى القبض عليه وسلمه للسلطان الغوري الذي صمم على قتله، لكن الغزالي تدخل لمصلحة زميله خاير بك ودافع عنه، وأظهر أن قتله في هذا الوقت وفي ظل الموقف العصيب الذي يمر به المماليك سوف يشعل فتنة بين الجند".
 
ابن زنبل الرمال، سجل نص الحوار الذي دار بين الغزالي والسلطان الغوري بقوله :"فقام الأمير جان بردي الغزالي وقال: يامولانا السلطان لا تقتنوا العسكر وتبدأوا في قتال بعضكم بعضاً وتذهب أخباركم إلى عدوكم، فيزداد طمعاً فيكم وتضعف شوكتكم والرأي لكم، وتأخر من مكانه، وكانت هذه مكيدة من الغزالي، وإلا كان خاير بك قد هلك"، وهذا يعني أن الغوري تراجع عن قراره وأبقى على خاير بك بفضل وساطة جان بردي الغزالي.
 
الغزالي، لعب دوراً مهماً في هزيمة قانصوه الغوري ثم قتله في مرج دابق، فوفقاً لابن زنبل الرمال، كان النصر لصالح المماليك حتى تقهقر خاير بك الذي يقود الميسرة وتبعه الغزالي، ونادى خاير بك بأعلى صوته بضرورة الفرار لأن السلطان قد قُتل، وأن العثمانيين قد هجموا من جميع الجهات، فصدقته الجنود وفروا إلى حلب، وسار الغزالي على درب خاير بك وانسحب بجزء آخر من الجيش، فاختل نظام جيش المماليك وحلت الهزيمة.
 
مهمة استخباراتية
الأمير خاير بك، انضم للعثمانيين بعد معركة مرج دابق وتوجه إلى حماة وسار في ركابهم، لكن الأمير جان بردي الغزالي كانت مهمته استخباراتية في ذلك الوقت، فأعلن استمرار ولائه للمماليك، وأعلن توليه حكم دمشق، وأراد تنصيب نفسه سلطاناً على دولة المماليك، لكن باقي أمراء المماليك اعترضوا على ذلك، وقالوا :"الأولى أن تكون السلطنة لمحمد ابن السلطان الغوري"، ثم أجمعوا رأيهم على العودة إلى مصر مقر السلطنة وهناك يتم اختيار السلطان من أحد الأمراء الأكفاء المتسمين بالشجاعة، وأوكلوا حكم دمشق لأحد الأعيان من شيوخ العربان وهو الأمير ناصر الدين بن الحنش.
 
جنود المماليك، الذين نجوا من واقعة مرج دابق، عادوا إلى مصر وهم في أسوأ حال، واتفق أمراء المماليك على تعيين طومان باي سلطاناً عليهم رغم اعتراضه الشديد على هذا التعيين، ويبدو أن اعتراض طومان باي يعود للهزيمة القاسية التي تجرعتها السلطنة في الشام على يد خاير بك وجان بردي الغزالي.
جان بردي الغزالي، فشل في تنصيب نفسه سلطان بدمشق جعله يشتاط غضباً، ويضمر لبني جنسه الغدر والمكيدة، وأرسل إلى سليم الأول بتقارير عن الخطط الحربية التي يعدها طومان باي، وحفز السلطان العثماني على مواصلة الحرب حتى غزو مصر، بعد أن انتشرت أنباء عن نية سليم بالعودة إلى إسطنبول بعد علمه بتنصيب طومان باي، الذي أعلن نيته الثأر لمقتل الغوري وهزيمة مرج دابق.
 
جان بردي الغزالي دبر مكيدة للإيقاع بطومان باي، فتقرب من السلطان المملوكي الجديد، وأعلن ندمه عن انسحابه من ساحة المعركة في مرج دابق، حتى إن طومان باي عينه على رأس الحملة المملوكية المتجهة إلى غزة للدفاع عن حدود مصر الشرقية، وكان معه 10 آلاف جندي، ومن غزة شن جان بردي حملة دعائية بين أبناء القبائل الفلسطينية، يدعوهم فيها للانضمام لصفوف الجيش العثماني، وأطنب في وصف محاسن وعدل سليم الأول.
السلطان سليم الأول، أرسل إلى جان بردي الغزالي، رسالة يشكره فيها على مواقفه المؤيدة لآل عثمان، ويبشره بالخير بعد نجاحهم في غزو مصر، ويدعوه للمثول بين يديه، لمنحه مكافأة كبيرة، تقديراً لخيانته لبني جلدته.
ومما جاء بالرسالة :"عندما يصل في هذه المرة حكمي الشريف واجب الطاعة عجلوا بالمجيء إلينا نظرا لما سمعناه عنكم من كمال إخلاصكم وتمام اختصاصكم، ومرغوا الوجه عند موطئ سرير مصير العالم عندي، ولتسعوا سعيا جميلا وتجدوا جدا جزيلا لكي تتشرفوا بتقبيل أناملي الكريمة، إّن جئتم إن شاء الله الكريم فعند لقائكم تشملكم رعايتنا ويتم قبولكم بأنواع العناية السلطانية الجميلة وأصناف الرعاية العلية الشاهانية أكثر مما في تصوركم".
 
معركة غزة
طومان باي اعتمد على جان بردي الغزالي في تأمين الحدود الشرقية المصرية، بعد أن وردته أنباء إرسال سليم الأول حملة عسكرية بقيادة سنان باشا إلى غزة، وفي صبيحة يوم 26 ديسمبر 1516 التقى الجيش المملوكي بنظيره العثماني في نواحي بيسان، واستبسل المماليك للثأر لهزيمة مرج دابق، لكن الهزيمة تكررت.
 
فبعد أن أحرز المماليك تقدماً كبيراً في الساعات الأولى من المعركة، فر جان بردي الغزالي من ساحة المعركة، ونادى في جنوده بالانسحاب وترك أسلحتهم، فتقهقر الجيش المملوكي، واستولى سنان باشا على غزة، وعين محمد بك بن عيسى حاكماً عليها، وبات الطريق ممهدا أمام الجيوش العثمانية لغزو مصر.
سليم الأول أرسل إلى ولده الأمير سليمان (سليمان القانوني فيما بعد)، خطاباً والمعروف بـ "رسالة الفتوح" يخبره فيها بدور جان بردي الغزالي في التمهيد لغزو مصر، بقوله :"لما علمنا أن طومان باي أرسل جان بردي الغزالي لغزة بعثت إليه بوزيري سنان باشا على رأس الجيوش لكي يلاقيه، أبدى الأمير جان بردي الغزالي مظاهر الإخلاص لنا في معركة غزة، فانسحب بجنوده ودخلنا غزة منتصرين، ثم هرب إلى مصر، والتقى بطومان باي، وهو يرسل إلينا أخبار التحصينات والعسكر في القاهرة".
 
احتلال مصر
جان بردي الغزالي، عاد مسرعاً إلى مصر ليلعب دوراً مزدوجاً، فهو إلى جانب طومان باي ظاهرياً، وعلى اتصال خفي بسليم الأول، كما أنه زود العثمانيين بمعلومات مفصلة عن استعدادات الجيش المملوكي عشية معركة الريدانية، منها أن خاير بك أوعز إلى سليم الأول بضرورة شراء ولاء أمراء المماليك في مصر بالمال، وتولى جان بردي توزيع الذهب على بعض الأمراء الخونة.
طومان باي تحمل المسؤولية الجسيمة، وجمع 90 ألف جندي نصفهم من أهالي مصر والنصف الآخر من العسكر المماليك، وحارب طومان باي حرباً كلها إصرار على النصر أو الموت، وقتل طومان باي بنفسه عدداً من قواد السلطان سليم، وأمسك بالصدر الأعظم سنان باشا وجذبه من فوق فرسه وأوقعه أرضاً وقتله، واقتحم مخيم سليم الأول وكاد أن يقتله.
 
سليم استخدم سلاح الخيانة للمرة الثانية، واستطاع خاير بك التواصل مع قادة المماليك، واتفق مع جان بردي الغزالي على الانسحاب من المعركة وترك طومان باي وحيدا، وبالفعل انسحب المماليك، والتف سليم وبسرعة حول جبل المقطم ورمى بكل ثقله على بقايا المماليك بالريدانية من الخلف، فوقعت الهزيمة بتاريخ 22 يناير 1517.
 
سليم الأول، استقبل جان بردي الغزالي في خيمته بحفاوة بالغة، وشكره على حسن تعاونه من الأتراك، وتسهيله مهمة الجيش العثماني في الشام ومصر، ووعده بتولي حكم الشام، بشرط استمرار التعاون حتى الخلاص من طومان باي، والذي حشد بقايا جيش المماليك وقاد حربا شرسة من أجل تحرير مصر.
الغزالي، قاد جيوش العثمانيين في حربهم على طومان باي، وبفضل معرفته بدروب مصر، فقد هزم المماليك في منطقة أطفيح وباقي أقاليم الدلتا، وألحق هزائم متتالية بقبائل العربان، وعاقب قبائلهم بنهب ممتلكاتهم، وأسر نساءهم وأولادهم، وأرسلهم إلى سليم الأول بالقاهرة، والذي أمر ببيعهم في سوق العبيد بأبخس الأثمان.
 
طومان باي، تمكن من هزيمة الجيوش العثمانية في عدة معارك، حتى إنه أسر جان بردي الغزالي، لكنه سرعان ما عفا عنه، بعد أن أخذ عليه عهداً بعدم محاربة جيوش المماليك مرة أخرى، "فقام الغزالي وهو ينفض التراب من على رأسه وجاء إلى رجل السلطان طومان باي وقبلها في الركاب وهو يبكي ونادم على ما فعل، وسار إلى فرسه وركبه وأشار إلى جماعته ارجعوا عن القتال فقد حلفت له أني لا أقاتله".
الغزالي، حنث بيمينه فور عودته إلى القاهرة، وأشار على سليم الأول بخطة حربية ماكرة، واستطاعوا تطويق جيش طومان باي في منطقة الوردان شمال القاهرة في 2 أبريل 1517، واستمرت المعارك حتى سقط طومان باي في الأسر مساء يوم 13 أبريل، وقام خاير بك وجان بردي بإقناع سليم الأول بضرورة إعدام طومان باي، حتى يطمئن إلى نهاية المقاومة المصرية، وتم شنق طومان باي على باب زويلة في 15 أبريل 1517.
 
مكافأة الخائن
مصر أصبحت ولاية عثمانية بفضل خيانة خاير بك وجان بردي الغزالي، وبات على سليم الأول رد الجميل لهذين الخائنين، فتم تعيين خاير بك والياً على مصر، مكافأة على وقوفه بجانب العثمانيين منذ أن كان غزو مصر مجرد فكرة، وأبقى سليم 5 آلاف من جنود الإنكشارية و3 آلاف من فرسان السباهية بالمحروسة.
سليم الأول رحل من مصر في 10 سبتمبر 1517، ورافقه جان بردي الغزالي في طريق عودته عبر الشام، وعندما وصل الركب السلطاني إلى غزة، أبدى جان بردي الغزالي رغبته في تولي حكم الشام، فعينه السلطان والياً على صفد والقدس وغزة والكرك ونابلس في 25 سبتمبر 1517.
سليم الأول، وصل دمشق في 22 أكتوبر 1517، لكن الأهالي واجهوه بثورة شعبية، اعتراضاً على السياسات القمعية التي اتبعها الأمير ناصر الدين بن الحنش، وقام جان بردي الغزالي بمساعدة العثمانيين في قمع الثورة، وقتل أكثر من 2000 دمشقي، حتى استتب الأمر لسليم الأول، والذي كافأه بمنحه حكم ولاية دمشق في 8 فبراير 1518.

Qatalah