يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


فترة تولي الولاة العثمانيين على حلب تحت حكم السلطان سليمان القانوني، أقل ما توصف بأنها فترة "القتل والدماء"، حيث اشتهر منهم حسين بك الذي عُرف عنه أنه كان "كثير القتل بغير سجل شرعي، سفاكا للدماء على صورة قبيحة من تكسير الأطراف والإحراق بالنار.. متناولا للرّشا"، كما وصفه كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب.

في سنة 1529 استقر عيسى باشا واليا في حلب، وكان شديد الغضب، حتى إنه أثناء غضبه كان يجرح يديه وتنزف منها الدماء، وهو لا يشعر بذلك، فإذا سفك دم المغضوب عليه سكن ما به. وكان يعتاد لبس الثوب الأحمر يوم الغضب كما كان ذلك عادة لبعض المتقدمين من الجراكسة"، هكذا كان التاريخ العثماني أسود مليء بالإجرام على مر عصوره.

ففي الميدان الأخضر في مدينة حلب الشهباء تراصت 24 رأسا وبجانبها مثل العدد من الأجساد لأناس هزيلي الأجساد كانت جريمتهم التي اقترفوها ليلاقوا هذا المصير الوحشي هو أنهم جاعوا بعد غلاء الأسعار وانتشار القحط وطالبوا المسؤولين ببيع القمح من مخازن السلطان.
12 عاما مرت على أهل حلب منذ أن دخل السلطان سليم الأول المدينة وقضى على حكم المماليك ذاق خلالها السكان العذاب على يد العثمانلي الذي لم يرحم صغيرا ولا كبيرا.

العثمانلي وضع رجاله الأتراك في المناصب الحكومية فعاثوا في البلاد فسادا ونهبا فعم الخراب والجوع البلاد. أحد المسؤولين في حلب يدعى "قرا قاضي" بالغ في فرض الضرائب ونهب أملاك الناس وتركات الموتى. قرا قاضي استغل القحط الذي أصاب حلب عام 1528 ومنع بيع القمح من مخازن السلطان حتى ترتفع الأسعار فانتشر الجوع وكادت الناس تهلك فثاروا وقتلوه.
حكومة سليمان القانوني لم تبعث لجنة تحقيق للوقوف على أسباب الثورة وحل مشاكل الناس وإنما أرسلت لجنة تأديب مدعومة بفرقة عسكرية على رأسها عيسى باشا الذي نال ولاية حلب مكافأة على جهوده في سفك دمائها.

جوع وثورة
تولى قرا قاضي علي بن أحمد علاء الدين الرومي منصب مفتش أوقاف حلب وأملاكها والمسؤول عن جمع الأموال السلطانية فبالغ في جمعها في سبيل نيل رضا السلطان.

علاء الدين الرومي كان تركيًا يتعصب للمذهب الحنفي فاتخذ من منصبه أداة في قهر المخالفين له ونجح في استصدار مرسوم سلطاني بمنع توريث ذوي الأرحام من الشافعية بخصوصهم وضبط التركة لبيت المال وأراد أن يجعل ملح المملحة المخصص لبيت المال أغلى من الفلفل الأسود زاعما أن الناس أحوج إلى الملح منه.

لم يترك سبيلا من أجل الإثراء ولو حساب حياة الناس واستغل عام أصابت في حلب وجوارها شدة ونقص في المحاصيل في تخزين الغلال ومنع بيع الغلال من مخزن السلطان فارتفعت الأسعار ولم يجد الناس الخبز.
جرائم الرومي فاقت احتمال الناس فشبت نار الثورة ضده التي أذكاها سنوات من النهب والسرقة والفساد وأثناء حضوره إلى صلاة الجمعة في الجامع الكبير ثار عليه الجوعى من عامة الناس وضربوه بالنعال ورجموه بالحجارة وقتلوا معه أعوانه الفاسدين وكان ذلك عام 1528 في عهد السلطان سليمان القانوني.

لجنة التأديب
خبر الثورة بلغ إلى الباب العالي في إسطنبول فتصرف على الفور بإرسال لجنة مدعومة بفرقة عسكرية لتأديب أهل حلب في حين أن إسطنبول لم تلتفت إلى معاناة الناس من الجوع والفساد منذ سنوات.

إسطنبول لم تقرر التحقيق في الحادثة وحل أسباب الأزمة وإنما بعثت رجالها في مهمة القبض على كل من تورط في قتل المسؤولين الأتراك وعقابهم فقد كانت هيبة السلطة أهم من حياة البشر في دولة آل عثمان.

ربما يكون قرب عهد العثمانيين باحتلال الشام الذي بلغ 12 عاما فقط هو أحد الأسباب في اختيار الرد الوحشي على الثورة وقد يكون رسالة مبطنة من المحتل الجديد للعرب بأن أي خروج على العثمانلي سيواجه بكل وحشية.
اللجنة التأديبية وصلت إلى مشارف حلب وعلى رأسها عيسى باشا وعم القلق والفزع أهل حلب لما عرفوه عن وحشية هذا الباشا.

وصل الجزار عيسى باشا إلى المدينة وعسكر في الميدان الأخضر وافتتح جدول أعماله بدعوة الأعيان وكبار المدينة والتجار ومشايخ الحارات للتحقيق معهم وحبس مشايخ المحلات والموظفين في الجامع الكبير حيث قٌتل علاء الدين الرومي واستخدم الشدة والتعذيب في التحقيق معهم حتى يدلوه على من شارك في قتل الثورة.

شهداء الجوع
قائمة اتهام ضمت العشرات من أهل حلب حددها الجزار عيسى باشا ثم قبض عليهم وأمر بضرب أعناق 24 شخصا في يوم واحد وسجن العشرات وحبس أكابر حلب وعلمائها عدة أيام عاشوها في رعب من أن تطير رؤوسهم عن أجسادهم.

جهز عيسى باشا موكب إذلال لأفاضل وعلماء حلب حتى يكسر النخوة العربية ويحطم روح السكان المعنوية فجعل جنود يسيرون في صفين وبينهم طائفة من العلماء مربوطي اليد وبعضهم مسلسل العنق وجعل جنده يسقونهم بالحراب والعصي حتى القلعة التي سجنهم فيها.
النفي إلى رودس كان عقوبة عدد كبير من العلماء والوجهاء والعوام وظلوا بها عدة أعوام يعانون من الغربة والعمل القسري ولم يطلق سراحهم إلا بعدما دفعت عائلاتهم كفالات كبيرة وطلبت شفاعات رجال إسطنبول بالرشاوى والهدايا.

مكافأة السفاح
منصب ولاية حلب كانت مكافأة السلطان سليمان إلى الجزار عيسى باشا الذي أتم مهمته التأديبية على خير ما يرام. وكان أهل حلب قد ذاقو بعض ما ينتظرهم من هذا الوالي.
عاشت حلب سنوات طويلة من الخوف وسفك الدماء تحت قيادة سفاح العثمانلي الذي قتل الآلاف وأرهب الأمنيين ولم يكن للوالي إنجاز واحد يستحق الذكر لدى المؤرخين.

وفي السنة الأخيرة لحكمه ضرب الطاعون حلب وقتل من أهلها عدد كبير دون أن يقدم الوالي أي مساعدة لإنقاذ المدينة وحتى لو أراد فلم يكن لدى العثمانيين بشكل عام خطط للوقاية الصحية في أوقات انتشار الأوبئة.

المصادر :


Qatalah