يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


حول رجب إردوغان الأزمات من حوله إلى مليارات، استغل الوضع في بغداد لنهب نفط العراق، فعل الأمر نفسه في سورية بالدخول في صفقات مشبوهة مع تنظيم داعش لسرقة الغاز السوري، وفي فنزويلا وضع يده في يد الديكتاتور مادورو لنهب قوت الشعب المنكوب.

إردوغان يتربح من الأزمات والكوارث والحروب، يراها موردا للخروج من الأزمة الاقتصادية الطاحنة، ولتحقيق أطماعه يرتدي ألف وجه وقناع، يتبنى الموقف ونقيضه، ويبرر لنفسه المتاجرة بمعاناة اللاجئين، واستخدامهم كورقة ضغط لتفريغ جيوب الأوروبيين.

ورقة اللاجئين
يستخدم إردوغان ورقة اللاجئين للضغط على دول الاتحاد الأوروبي والحصول على المال، ويدعي أنه يقوم بدور حارس البوابة القوي الذي يمنع ملايين اللاجئين والمهاجرين عن القارة العجوز.
وصل أكثر من مليون لاجئ ومهاجر إلى الاتحاد الأوروبي من تركيا واليونان عام 2015، استغل أردوغان الأزمة، ولم تقف مساومته عند طلب المال بل تخطتها إلى طلب عضوية الاتحاد والصمت عن انتهاكات حقوق الإنسان.

الاتحاد الأوروبي لم يكن أمامه إلا التعاون مع أنقرة لوقف تدفق المهاجرين، ووافق على تقديم أكثر من 6 مليارات يورو لمساعدة تركيا على إيوائهم ومنعهم من الوصول إلى حدوده عبر بحر إيجه واليونان.

الاتفاق الأوروبي التركي قلص أعداد المهاجرين بدرجة كبيرة، وحال دون اتخاذ العديد من الإجراء العقابية ضد أنقرة من قبل الاتحاد بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وتكميم الأفواه عقب مسرحية انقلاب صيف 2016.

ابتزاز إردوغان لم يتوقف عند هذا الحد، بل تخطاه إلى تهديد الاتحاد الأوروبي أكتوبر الماضي بفتح الطريق أمام المزيد من اللاجئين السوريين حال عدم مساعدته في تنفيذ مخططاته الاستعمارية في سورية.

صديق وعدو
سياسات إردوغان الانتهازية تكشفها علاقته المتأرجحه بالرئيس السوري بشار الأسد، فقبل أن يكون معارضا شرسا له، ويطالب بتنحيه ويصفه بـ"القاتل الجماعي والإرهابي" كانت تجمعهما صداقة وصفت ذات يوم بـ"النادرة".

إردوغان اعتاد زيارة دمشق منذ بداية الألفية الجديدة، واستغل صداقته بنظيره السوري لتعزيز التعاون الاقتصادي وتوقيع اتفاقية للتجارة الحرة، توسعت بمقتضاها نشاطات رجال الأعمال الأتراك في سورية.
الصداقة سرعان ما تحولت إلى عداء مستحكم، إردوغان غدر بصديقه السابق فور اندلاع الأزمة السورية، خاصة بعد أن رفض الأسد ضغوطه لتمرير مشروعه التوسعي عبر عملائه في جماعة الإخوان.

جذور الأزمة أطلت عام 2011، عندما طالب إردوغان صديقه السوري بضم جماعة الإخوان إلى الحكومة، لكن الأسد المدرك لأطماع أنقرة في بلاده، رفض الطلب، ما أشعل غضب رجب ودفعه لشن حرب مفتوحة ضد دمشق.

انتهازي
قواعد اللعبة مع دمشق تغيرت بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب قواته من الأراضي السورية، ما دفع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو للقول "المرء يمكن أن يتخيل العمل مع الأسد".

إردوغان سار على نهج أوغلو مطلع فبراير الجاري، واستبق زيارته إلى روسيا لحضور مؤتمر سوتشي بحديث إيجابي عن علاقاته مع سورية، ملمحا إلى "وجود علاقة مع حكومة دمشق في أدنى مستوياتها".

تبدلت الأمور في الأشهر الأخيرة على الساحة السورية، وتغيرت معها أولويات إردوغان، حيث أصبح أقل اهتماما بالتخلص من الأسد، مقابل رغبة عارمة في  القضاء على الأكراد، وتبديد حلمهم في إقامة منطقة حكم ذاتي.

الحنين للماضي
الجيش التركي احتل مدينة عفرين السورية يناير 2018 لطرد وحدات حماية الشعب الكردية، في إطار مخطط إردوغان لفرض ما يسمى بالمنطقة العازلة قرب حدوده مع سورية.

واشنطن تصدت لخطط رجب الاستعمارية في سورية، ورغبته في إبادة الوحدات الكردية، لكن قرار الانسحاب الأمريكي جعل مستقبل أكراد سورية مرهونا بتفاهمات دمشق وموسكو.

إردوغان أبدى استعداده للاعتراف بشرعية بشار الأسد مقابل السماح له بعملية عسكرية ضد القوات الكردية، هكذا لخصت مجلة "دير شبيجل" الألمانية فبراير الجاري سياسة إردوغان في سورية.

المجلة أوضحت في تقريرها أن إردوغان حاول في لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يناير الماضي إحياء اتفاقية أضنة التي تمنح أنقرة حرية التوغل داخل الأراضي السورية بعمق 5 كيلومترات.

ذهب فنزويلا
إردوغان يرتدي قناع الممانعة في فنزويلا، برفض تدخل القوى العظمى في شئون الدول الصغيرة، لكن أطماعه تتكشف يوما تلو الآخر، ويتضح دوره الداعم للديكتاتور نيكولاس مادورو الرئيس"منتهي الصلاحية".

الصفقات المشبوهة تجمع إردوغان ومادورو، الأخير يسهل تهريب ذهب بلاده إلى تركيا بزعم إعادة تصنيعه، عبر شركة "سارديس"، لكنه يصل مرافئ أنقرة ولا يعود إلى الشعب الفنزويلي أبدا.

شركة سارديس وسيط العمليات المشبوهة بين أنقرة وكاراكاس أسسها "العدالة والتنمية" لإدارة صفقات الذهب، ووقعت أولى صفقاتها يناير 2018 باستيراد شحنة ذهب بـ41 مليون دولار من فنزويلا، حسب وكالة "بلومبيرج".

قيمة الصفقات المهربة من فنزويلا إلى تركيا بلغت 900 مليون دولار نوفمبر 2018، عندما فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارا عقوبات على ذهب كاراكاس، وأرسل مبعوثا إلى تركيا يحذرها من التجارة غير الشرعية.

نائب الجمعية الوطنية في فنزويلا كارلوس باباروني كشف أن مادورو نقل 23.9 طن من خام الذهب إلى الشركة التركية، مشيرا إلى تورطه في إخفاء 127 مليون يورو في البنوك الروسية، حسب "بي بي سي" التركية.
تهريب 
وفقا لبيانات البنك المركزي الفنزويلي، يبلغ مخزون البلاد من الذهب نحو 132 طنا، موجودة داخل خزائن البنك المركزي المحلي وبنك إنجلترا، وينخفض هذا المخزون باستمرار بسبب أعمال التهريب.

وقع اختيار حكومة مادورو على تركيا لنقل الذهب إليها بدلا من سويسرا لتجنب مصادرته بسبب العقوبات الأمريكية، ولخبرة إردوغان وحكومته في هذا المجال، إذ تورط في التحايل على العقوبات المفروضة على النفط الإيراني.

أنقرة سجلت شحنات الذهب المهربة تحت بند "ذهب غير منقى إلى المستوى المعياري"، وزعم وزير التعدين الفنزويلي أن بلاده تشتري المعدن النفيس من المناجم المحلية غير منقى بشكل كامل، وترسله إلى أنقرة لإعادة تنقيته.

فساد عائلي
في أكتوبر 2014، أسقط الادعاء التركي قضية فساد ضد 53 شخصا، بينهم أبناء وزراء سابقين، ليضع نهاية لفضيحة لاحقت حاشية إردوغان لشهور، وكان من بينهم تاجر الذهب رضا ضراب الذي يحمل الجنسية الإيرانية.

ضراب المقرب من إردوغان كان على رأس المتهمين في القضية، ووصفه تقرير للشرطة التركية - جرى تسريبه - قائدا لمجموعة يزعم أنها ساعدت إيران لاستغلال ثغرة في نظام العقوبات سمحت لها بشراء الذهب بعوائد النفط والغاز.

إردوغان وصف تحقيق الفساد بأنه محاولة "انقلاب قضائي"، و"مؤامرة للإطاحة به تفتقر إلى السند القانوني"، ونسبها زورا إلى الداعية المعارض فتح الله غولن المقيم في ولاية بنسلفانيا الأمريكية.

موقع "نورديك مونيتور" السويدي حصل على وثيقة سرية، كشفت طرد 558 من ضباط جهاز الاستخبارات التركي، أي ما يعادل حوالي 7٪ من إجمالي عدد العاملين به في أعقاب فضيحة الفساد.

محللون أوضحوا للموقع السويدي أن الانتقام من ضباط الاستخبارات كان جزءا من حملة للتخلص من التيار المعارض لإردوغان في الجهاز، خاصة بعد اعتراضهم على "عمليات غير مشروعة تنتهك القوانين المحلية والدولية".

السلطات الأمريكية اعتقلت ضراب في نيويورك مارس 2016، واتهمته بالمشاركة في تعاملات بمئات الملايين من الدولارات نيابة عن الحكومة طهران وكيانات أخرى بين عامي 2010 و2015 للالتفاف على العقوبات.

احتلال العراق
بذريعة ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني المصنف "إرهابيا" من قبل أنقرة، يشن إردوغان حربا لا هوادة فيها على العراق بغرض احتلالها أو السيطرة على صناعة القرار فيها.

حقيقة أطماعه في بغداد كشفتها وكالة "الأناضول" التركية أكتوبر 2016، حينما نشرت تقريرا بعنوان "حجيات الأرض تظهر الصلات التركية بالعراق"، زعمت فيه أن أنقرة بحوزتها وثائق تثبت امتلاكها مساحات شاسعة من الأراضي العراقية أثناء خضوعها للحكم العثماني.

التقرير نشر بالتزامن مع استعداد القوات العراقية ونظيرتها الأمريكية والبيشمركة الكردية لتحرير مدينة الموصل من قبضة تنظيم داعش، إضافة إلى رفض بغداد طلب أنقرة المشاركة في العمليات.

رئيس الحكومة العراقية السابق حيدر العبادي طالب بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لمناقشة التدخل التركي في بلاده، ما دفع إردوغان لتأكيد أحقية مشاركته في أي عمل عسكري أو دبلوماسي مستقبلي ضد داعش.

إردوغان زعم وجود "حق تاريخي" للأتراك في أرض العراق، مستدعيا الميثاق الملى عام 1920، وأطلق على شمال العراق "إيالة الموصل"، معتبرا أنها "جزء لا يتجزأ من بلاده، فيما أوعز لرجاله بنفض الغبار عن وثائق مزعومة تعود للعصر العثماني".

الحكومة العراقية نددت بالوجود العسكري التركي، ورغم ذلك يواصل إردوغان تعزيز قواته في الشمال العراقي، وكشفت صحف موالية له إنشاء 15 قاعدة عسكرية ونقاط تمركز لقواته في بلاد الرافدين.

سرقة النفط
النائب العراقي عن كتلة التغيير الكردستانية غالب محمد فجر فضيحة سرقة النفط العراقي على يد إردوغان وقواته يناير الماضي، وذلك عن طريق خطي أنابيب يبدآن من شمال العراق إلى الداخل التركي.

النائب العراقي اتهم أنقرة بسرقة نفط بلاده، وقال في بلاغ إلى البرلمان والحكومة نشرته وسائل إعلام عراقية "أنقرة تسرق النفط العراقي وتنقله إلى أراضيها عبر أنبوب فرعي مرتبط بآخر رئيسي".

النائب أكد امتلاكه تسجيلا مصورا يثبت صحة كلامه، عرضه على أحد المترجمين لمعرفة مضمونه، وتبين أن جزءا من الحديث يدور حول أن "هذا النفط كثير ورخيص"، إضافة إلى معلومات أخرى تثبت تورط أنقرة.

اعتذر النائب عن حجب التسجيل المصور عن وسائل الإعلام، حفاظا على سرية المعلومات، لكنه قال "التسجيل يظهر مجموعة سيارات ومعدات ولصوص يتحدثون بالتركية حول الشركة الناقلة وحجم النفط المسروق".

Qatalah