يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"حتى تفرج تركيا عن الكتاب المعتقلين وتعيد الاحتكام إلى القانون، لا يمكن ادعاء أن هذا البلد جزء من العالم الحر"، هكذا عبر أدباء عن حالة تركيا الراهنة التي صارت معتقلا كبيرا للمبدعين تحت حكم رجب إردوغان.
في رسالة إلى إردوغان قال 38 أديبا فائزا بجائزة نوبل، في فبراير عام 2018: "نأمل أن تنتبه إلى الأضرار الواقعة على الجمهورية التركية، والقرارات التي تؤثر على سمعة وكرامة أنقرة، وتمس حقوق التعبير والفكر والحريات، وذلك عبر إطلاق سراح الكتاب والمفكرين المحتجزين في وضع غير قانوني". بحسب صحيفة "الجارديان".


الخيال يتحدى السجن مدى الحياة
لا يوجد مثال معبر عن الواقع السيء لحرية الأدباء والكتاب والمفكرين والحركة الأدبية عموما، في تركيا تحت قيادة إردوغان، مثل الصحافي والروائي الكبير، أحمد ألتان وأخيه مهمت ألتان، القابعين في سجون إردوغان، فضلا عن أدباء ومفكرين آخرين.
وأحمد ألتان يواجه تهمة هزلية ملفقة تتمثل في "دعم محاولة الانقلاب في تركيا عام 2016"، بالإضافة إلى تهم أخرى مثل الإساءة إلى إردوغان، وفي عام 2018 حصل على حكم من محكمة تركية بالسجن مدى الحياة، حسب موقع بابليشرز ويكلي.
يقول ألتان، الذي سينشر له كتاب بعنوان "لن أرى العالم مرة أخرى": "ربما يطلق سراحي وأخرج من السجن، وربما أموت وأنا فيه أيضا، لكن كل ما يشغلني في السجن هو الكتابة، فأنا أقضي وقتي في الأحلام، وفي التفكير والكتابة، أنا أعمل لكي أستطيع أن أجعل العالم كله يستمع إلى صوتي، قد يكون لهم القدرة على سجني لكن لا أحد يملك القدرة على إبقائي في السجن، لأنه في أي مكان تضعونني فيه سأسافر حول العالم بأجنحة عقل بلا نهاية".


قصص من داخل السجن
"ألتان" ليس أول من ينشر مؤلفاته من داخل سجون إردوغان، بعد تهريبها إلى دور النشر، هناك الكثير من الوقائع التي تحدث بشكل متواصل في أنقرة تعبر عن مقاومة الأدباء للطاغية التركي، منها مجموعة قصصية نشرت بالفعل من داخل السجن للسياسي التركي المعارض صلاح الدين دميرطاش، الرئيس السابق لحزب الشعوب الديموقراطية الكردي، وحملت عنوان "فجر"، وبيع منها فور صدورها 200 ألف نسخة، وفق صحيفة "الجارديان".
بينما لا يزال  كتاب "دميرطاش" حرا في الأسواق، بعد نشر طبعته الخامسة في يناير 2018، يقبع صاحبه في السجن، ليواجه تهما بالترتيب لقلب نظام الحكم ووجود علاقة بينه وبين حزب العمال الكردستاني وروابط مع المعارض التركي عبدالله غول، وآخر حكم صدر بحقه السجن 4 سنوات.

لا حرية نشر مع هذا الرجل
عادة ما يتذمر الناشرون، الذين يمارسون أعمالهم بوتيرة بطيئة للغاية عن ذي قبل، من الأزمة الاقتصادية التي تسببت في رفع أسعار كل شيء، وبالطبع نالت من سعر الورق والأدوات المستخدمة في النشر، وبالتالي ارتفعت التكلفة، في حين يتهربون من الحديث عن القمع الممارس عليهم ومنع النشر في تركيا، بسبب خوفهم نتيجة الرقابة الواسعة من قبل نظام إردوغان على دور النشر.
وأغلقت الحكومة التركية حتى الآن 29 دار نشر، بحسب موقع الاتحاد الدولي للناشرين، وصادرت كل ما بداخل دور النشر من أدوات وأوراق ومستندات.
وقال اتحاد الناشرين التركي إن تلك المذبحة جرت وفقا لقانون الطوارئ، بعدما اعتبر دور النشر تهديدا للأمن التركي، ما يضع باقي الناشرين في ضغط كبير، فهم يخشون دائما الإغلاق أو الاعتقال، حسب موقع "ذا بوك سيللر".

ونددت أكثر من مؤسسة حقوقية بالتضييق على الناشر التركي، رجب زاراكولو، بسبب اعترافه الدائم بجرائم الأتراك في حق الأرمن، وقد أصدر المدعي العام التركي مذكرة بحقه بتهمة الانتماء إلى "منظمة إرهابية"، وطالبت منظمة "إنجليش بين"، الأسبوع الماضي، النظام بإسقاط التهم الموجه للناشر، معتبرة أن ما يحدث في تركيا حملة تخويف ضد من يقول شيئا لا يرضى عنه النظام، مستنكرة كبت الحريات وقمع حرية الفكر والتعبير.

انقلب السحر على الساحر
ظن إردوغان أن قمع الناشرين والأدباء والمفكرين والكتاب سيحسن صورته ويقلل من انتقاده، لذلك كشف عن الوجه الحقيقي لخططه الشيطانية، بعدما أغلق 29 دار نشر واعتقل نحو 10 من كبار الكتاب والأدباء، لكن رياح الحرية هبت على ديكتاتورية إردوغان وانقلب السحر على الساحر، وأصبح ما لا يكتب في حرية كاملة يُؤلف خلف أسوار السجون، ويصل إلى أيدي الأتراك.
وأصبحت دور النشر تتهافت على المؤلفات التي تنتقد إردوغان وتكشف سوءاته وما يمارسه بحق الشعب التركي من جرائم، وكتاب "لن أرى العالم" لأحمد ألتان تنافست على حقوق نشره 7 دور نشر في المملكة المتحدة، ووفرت له ترجمات عديدة منها التركية، ومن المنتظر أن تطرحه إحدى دور النشر في مارس 2019، كما توفر دار نشر الكتاب باللغة الألمانية للبيع في الوقت الحالي على موقع فيتشر فيرليج بعنوان "لن أرى العالم مرة أخرى.. كتاب من داخل السجن".


"لا يختلف عن الفاشيين"
لا تختلف نظرة رجب إردوغان إلى الأدب كثيرا عن أي ديكتاتور، لاسيما في عهد النازية، وهو ما وصفت به الكاتبة المصنفة كواحدة من أفضل 15 كاتبا أسلي إردوغان الرئيس التركي، وفق موقع "عالم الأدب اليوم".
تقول إردوغان، التي تعيش في ألمانيا منذ أفرج عنها بعد اعتقالها في 2016: "تركيا بالنسبة إليَّ لا تختلف كثيرا عما كانت عليه ألمانيا في فترة النازية بعد عام 1930، أعتقد أننا أمام نظام فاشي. لا أقول إننا في ما يشبه ألمانيا في الأربعينيات، ولكن في الثلاثينيات قبل أن يشتد حكم النازيين". 
وترى الكاتبة الفائزة بعدة جوائز أن رجب إردوغان يشدد سيطرته وتحكمه وتقييده لحياة الأتراك يوما بعد يوم، لا سيما بعد فوزه برئاسة تركيا في الانتخابات الأخيرة، التي أضافت سلطات جديدة إليه، حسب "ذا لوكال".
قمع إردوغان لتخويف الأدباء والكتاب يعارضه كبار أدباء العالم، أورهان باموك الروائي التركي الفائز بجائزة نوبل عام 2006 يقول إن "الخوف الآن منتشر في كل أرجاء تركيا، لكن إردوغان لا يستطيع أن يخرجني من بلدي" في إشارة إلى التضييقات التي يمارسها النظام التركي عليه، وفق موقع "ذا تايمز".

Qatalah