يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يتعظ إردوغان من مصير طغاة سبقوه، ولم يتخذ من نهاياتهم المأساوية عبرة، يجاهر بقهر شعبه، يقينا بأن الاستبداد ممكن، وأن الحديد والنار يستطيعان إسكات أصوات الحرية، أملا في حياة أبدية على عرش تركيا أسوة بكل الطغاة، وطمعا في تأسيس جمهورية قمع ثانية يكون الأب الروحي لها، بعد إطاحة اسم مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية الأولى من المشهد العام.

وفي سبيل ذلك لم يتورع عن استنساخ أداء زعيم الألمان النازي هتلر، بل وعبر عن إعجابه صراحة بسياسة  أشهر نازي دموي في العصر الحديث بالقول"إنه نموذج ملهم للحكم الرئاسي في العالم، يمكننا النظر إليه والاقتباس منه" .

الانفراد بكل الصلاحيات، واحتكار السلطات وإقصاء المعارضين، بل قمعهم بدموية، ثلاثة ملامح أساسية لوجه هتلر طبعها إردوغان على وجهه بدقة بالغة، ونجح - فيما نجح فيه هتلر في المرحلة الأولى من صعوده - بالاستحواذ والثقة في أن أحدا لم يعد باستطاعته إقصاءه اليوم أو غدا عن كرسي الحكم، بل إنه تجاوز ملهمه النازي باختطاف صلاحيات لم تمنح لرئيس من قبله بالتعديلات  الأخيرة التي أجراها على الدستور التركي، والتي جعلت بيده سلطات مطلقة وحده يتحكم بها في مقدرات الشعب كيف يشاء.

تم ذلك لإردوغان بعد عدة خطوات مكّنته من الهيمنة الكاملة على مقاليد الحكم في تركيا ولم تترك فتاتًا من الحرية لصوت المعارضة، التي جيّش لها قوانين تكبل خطوتها وتُقيد حراكها السياسي لأمد بعيد.

خطوات ثابتة نحو اختطاف تركيا
من أهم  ملامح الهيمنة التي أقرتها التعديلات الأخيرة، سماح الدستور له بمد ولايته خمس سنوات، مع إمكانية الترشح لولايتين، والإقرار بأن الرئيس يمثل الدولة على الصعيدين الداخلي والخارجي، كما أجازت له الاحتفاظ بعلاقته مع حزبه السياسي حتى يكون رئيسًا للجميع، ما أطلق يده في مكافأة أنصاره باعتبارهم  "عشيرة الرئيس".

في المقابل، راح إردوغان يكبل المعارضة، ويدمر طموحاتها بعد منح الصلاحية لرئيس الجمهورية في مد حالة الطوارئ قبل عرضها على البرلمان بشرط ألا تتعارض مع الدستور، مانحا لنفسه الحق في تعيين الوزراء والسفراء ورؤساء الهيئات الحكومية، بل وتجاوز البرلمان نفسه، حيث يحق له الموافقة على القوانين التي أقرها مجلس النواب أو رفضها ليتم تعديلها وفقا لما يخدمه وجماعته، في خطوة  تؤكد التطابق مع خطوة هتلر التي مرر فيها النازيون قانون تمكين تسبب في إقصاء البرلمان، واحتكار الوظائف المهمة للنازيين المقربين من الزعيم، وتجميد الحراك السياسي في ألمانيا.

المحسوبية لأنصاره فقط
وبينما يدعو إردوغان في خطاباته إلى القضاء على المحسوبية، ناقض نفسه بالفعل بعد تعيينه لأقاربه كوزراء ومنهم صهره بيرات البيرق الذي عينه وزيرا للمالية وكذلك أتباعه المقربون الذين وضعهم على رأس المؤسسات المهمة ليتحكم في مفاصل الدول التركية دون  صوت لرأي آخر، وليرسخ مفاهيم الديكتاتورية السياسية بوجهٍ ربما أقبح مما فعله هتلر الذي دمّر بلاده بغطرسة حاكم لم يترك لشعبه سوى ذكرى الموت والدم.

Qatalah