يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"عاصم:  أشعر بأن الصقيع يسري في عظامي،  فروح: وأنا كذلك، ولكن لا شيء يُدفئ هنا، انظر.. جسدي يرتعش، لا أستطيع ملامسة زناد البندقية". اقترب الجنديان، حتى تكاتفا، ونفخا أكفهما من شدة البرد، حاولا الاختباء في معطفيهما العسكريين، لكن البرودة سرت في جسديهما بالفعل، استنجدا بالقيادة التي يتبعانها، ولكن لا مجيب!
ظلا ينتفضان من البرد، حتى لقيا حتفهما، ما قرأته ليس سيناريو لمشهدٍ تمثيلي، بل هو واقعة، حدثت اليوم السبت لجنديين تركيين - "عاصم  توركال"، و"فروح ديكمان"-  ماتا بسبب البرد، أثناء أدائهما لما يسميه النظام مهمة قمع الأكراد، في مدينة توجالي التركية. بينما يجلس الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في بهو قصره يتصفح الجرائد، بجوار مدفأته، ويحتسي فناجين من الزهو بنفسه، كحاكم عادل في تاريخ البلاد.  

القهر والتهميش لجنود الجيش 

الواقعة تؤكد أن أكوام الثلج في تركيا لا تكفي لتلطيف نار عداوة إردوغان لجنود الجيش، وتهميشه لهم، والتعامل معهم بطريقة غير آدمية، حيث يعملون في ظروف بالغة الصعوبة - في الشتاء والصيف - ويُطَالبون بمهامٍ يسميها إردوغان أمنية، وفي باطنها القمع فقط، لكل من يحاول معارضته، بالقول والفعل، وخاصة الأكراد، الذين عانوا أشد المعاناة في عهده. 

رغم القمع العلني والسري الذي يمارسه إردوغان ضد الأتراك، تظل ردود فعل الرأي العام، وبصيص من صوت المعارضة، ناقوسا يدق أجراس الخطر، على وقائع انتهاك الآدمية، التي يمارسها إردوغان ونظامه ضد الشعب والجيش، وكان منها ردة الفعل العنيفة، حول مقتل الجنديين متجمدين، صباح اليوم،  حيث انتقد نائب حزب الصالح التركي، أيتون تشيراي، الحكومة التركية والمسؤولين عن هذه الفاجعة، وقال:  إن هذه الواقعة بائسة جدا، لأننا في القرن الـ21 ومع كل التقدم التكنولوجي، فإن جنودنا يموتون متجمدين، كما ذكر موقع "أفرنسال" التركي أن المجندين كانا متواجدين في تونجالي، من أجل المشاركة في العمليات القمعية، التي تشنها أنقرة، بشكل دائم ضد كُرد هذه المدينة.

الجنود الأتراك 

كان للمعارضة أسلوب جريء،  في توجيه سهام الانتقاد للنظام التركي،  على خلفية هذه الواقعة، حيث نشر "والي أغابابا" نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، تغريدة على "تويتر" قال فيها : "المسألة ليست تشييد أكبر مطار في العالم، ولا أطول نفق، ولا أكبر قصر، بأكبر عدد غرف، المسألة أن هناك جنديين تجمدا  من البرد في أكتوبر 2018.   وتساءل في حسرة: هل هناك المزيد؟ وتابع: نتمنى من الله الرحمة لشهدائنا، والصبر والسلوان لذويهم.

لم يكن موت الجنديين بسبب البرد واقعة عادية، بل فضحت قصور التجهيزات المصاحبة للعسكريين الأتراك، الذين يكلفهم إردوغان بأعمال القمع، لكل من يعارضه، ووضح الأمر في تدوينة لــ "جيهانجير إسلام " نائب حزب السعادة التركي، والتي قال فيها إن الجنديين ماتا متجمدين، بسبب عدم توفير التجهيزات اللازمة لحمايتهما، مطالبا  بمحاسبة المسؤولين عن الواقعة وفورا . 

تكرار الواقعة  
كشفت الواقعة تاريخا من استهانة الحكام العثمانيين بالجنود، يمتد ربما لقرون وهو ما عبّر عنه المدون التركي، ذاتي أوزتشاليك، حيث نشر صورة تجمع الجنديين المتجمدين اللذين لقيا حتفهما اليوم في تونجالي، وجنودا آخرين لقوا حتفهم متجمدين أيضا في ولاية "ساريقاميش" عام 1915. وكتب على الصور "كان لابد حتى أن يتغير القدر بعد 103 عام، فرغم كل التطور التكنولوجي في صناعة الدفاع لدينا، إلا أن جنودنا لا يزالون يموتون لنفس السبب، يا خسارة، لابد من محاسبة المسؤولين.

وفي تلميح وتمني زوال حكم إردوغان عن تركيا إثر هذه الواقعة، كتب المغرد التركي، إمر الله أوزمان،، "يا إلهي متى يأتي ربيع هذا البلد؟". أما المدونة التركية، مالدا، نشرت فيديو على تويتر وكتبت عليه "نحن لا نريد قصرا ذا طوابق كثيرة، ولا نريد مطارا، نريد أن يرتدي جنودنا ملابس تمنحهم التدفئة وحذاء لا يسرب المياه إليهم".

تتعرض مدينة توجالي التركية لحملات قمعية متكررة، من النظام التركي، حيث غالبية سكانها من  الأكراد،  وهم دائما مستهدفون، ويتم الزج بالآلاف منهم في السجون، بتهمٍ جاهزة، وتحتفظ المدينة بتاريخ مأساوي، أبرز صفحاته مذبحة  "تمرد درسيم"، وكانت على خلفية خطوات أتاتورك لاستكمال سياسة "التتريك" وراح ضحيتها  آلاف من الأكراد، بخلاف ما تم تهجيره منهم.  

 

Qatalah