يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"مهما يكن ما ترون، ستتصرفن كأنكن لم ترين شيئًا، مهما يكن ما تسمعن، لن تخبرن أحدا أبدا، ممنوع عليكن محاولة معرفة ما لا يتم إخباركن به، وإن لم تلتزمن هذه المحاذير، البوسفور  في انتظاركن".
كانت كلمات التهديد والوعيد تخترق أذان صف من الجواري الجدد، ممن تم جلبهن إلى القصر السلطاني، كن واقفات في حضرة السلطانة الوالدة، والقائمات على جناح الحريم من الجواري الأكبر سنا. 
كانت أمواج البوسفور شاهدة على مصير جواري القصر الأليم، قرابة 450 عاما، وفي قعره استقرت جثث عدة آلاف منهن، تفنن السلاطين في اختراع وسائل التعذيب وطرق الموت، فكان لكل طبقة من الرعايا طريقة يعدمون بها، وكان نصيب الجواري المحكوم عليهن بالموت الإغراق في البوسفور.
لم تكن مخالفة التعليمات فقط هي الذنب الذي يقود الجواري إلى قاع البوسفور، بل إن وحشية السلاطين ومؤامرات المحظيات هي السبب الرئيس في إغراق العدد الأكبر منهن، فقد أغرق السلطان إبراهيم الأول 280 جارية، لإشباع رغبته المجنونة في الفتك بالنساء، واستبدال الموتى بآخريات.
 
صوت من الحريم
الأسوار العالية، والخصيان، والحرس الذي أحاط بجناح الحريم، لم يمنع تسرب أسرار العبودية الجنسية التي عاشتها الجواري قسرا، بفضل هروب بعضهن من القصر على متن سفن أوروبية، حيث روى بعضهن ما يحدث داخل القصور، وأصدرت ثلاث جواري مذكراتهن التي فضحت الجرائم التي تجرى خلف ستائر قصور السلاطين.
المحظية "فيلتين" والتي قضت 28 عاما في جناح الحريم بقصر دولمة باهجة، كانت واحدة منهن، هي شركسية الأصل، وهو العرق الغالب في جناح الحريم في القرن الآخير للسلطنة.
ولدت عام 1861، وفي عمر الرابعة عشر تم بيعها إلى القصر، وتقديمها إلى الأمير مراد، والذي أصبح سلطانا لمدة 3 شهور فقط، باسم مراد الخامس، وظلت محظية له قرابة 3 عقود من الزمن، حتى وفاته عام 1904.
منذ اليوم الأول لالتحاق الجواري بحريم القصر السلطاني، يتدربن على اكتساب المهارات والفنون والإتيكيت، وقبل بدء هذه التدريبات، كان هناك مكان لابد أن تذهب الجواري إليه، تحدثت عنه فيلتين.
في 30 مايو عام 1876، تم اصطحاب فيلتين وعدد من الجواري الجدد إلى غرفة رطبة في قبو القصر، تتوسطها منضدة مستديرة، وتم إيقاف الفتيات حولها، ودارت عليهن إحدى المعلمات تهمس في آذانهن، قائلة: " الفتاة التي تخالف قواعد القصر، وتتدخل فيما لا يعنيها، سيتم تعليقها في حبل أعلى هذه الطاولة، ثم تنفتح من المنتصف، ويتم إنزال الجارية المعلقة بواسطة ماكينة إلى أسفل الحجرة، حيث مياه البوسفور، وتظل الفتاة هناك حتى تغرق".
 
نساء البوسفور
منذ أن استقرت قصور الحكم العثماني على ضفاف البوسفور، بعد سقوط القسطنطينية بيد محمد الثاني، عام 1453، وحتى عام 1900، كان المضيق البحري شاهدا على وحشية السلاطين العثمانيين تجاه الجواري.
العثمانيون اخترعوا عدة طرق للإعدام، فكان الخنق بالحرير من نصيب السلاطين والأمراء، وقطع الرؤوس وتعليقها على أسوار القصر، مصير الصدور العظام، والقتل بالخازوق للفئات الأقل شأنا، أما النساء فكان نصيبهن الموت غرقا، في مياه البوسفور.
كانت النساء تعدمن بطريقة أكثر كتمانا من الرجال، إذ يحملن في أجولة مملؤة بالحجارة، ويلقى بهن في البوسفور، حيث كان من المزايا الجغرافية الأخرى للقسطنطينية، ذلك التيار المتدفق عبر المضيق البحري، والذي يجرف الجثث سريعا.
الجواري كن الأكثر عددا من بين النساء اللاتي تم قتلهن على مدار قرون، خصوصا جواري القصور السلطانية.
لم تكن هناك محاكمات تُعقد قبل إصدار حكم الإعدام، كان السلطان هو من يصدر قرار إزهاق الأرواح، ولم يكن شرطا أن ترتكب الجارية مخالفة حتى تبتلعها الأمواج، فقد يُلقى بها السلطان إلى أسماك المضيق لمجرد التسلية، أو إرضاء جارية أخرى نالت الحظوة لديه، وقد امتلأ التاريخ العثماني بحالات كثيرة، قتلن بوحشية لأسباب تافهة.
رغم السرية التي أحاطت بالحرملك في بلاد الشرق، خصوصا الحرملك السلطاني، لكن الكثير من أنباء هذه الحوادث انتشرت على نطاق واسع بين الرعية، أما البائسات اللاتي حُكم عليهن بالمصير المفزع عانين كثيرا قبيل وفاتهن، كانت الأوامر تصدر من السلطان، فيقوم أغا البنات، وهو خصي من أصول إفريقية غالبا، بالإشراف شخصيا على عملية القتل.
كان رجال البستانجي باشا (حرس القصر) ينقلون الفتاة المسكينة على متن قارب، يرافقها آغا البنات، ويبحر القارب حتى مسافة محددة، مقابلة للقصر، ويتم وضعها في جوال به حجارة، ثم يغلق بإحكام ويلقى في المياه، ليغوص حتى القاع ، ثم يجرفه التيار لاحقا.
 
السجل الأسود
سجل المؤرخون حالات عديدة لإغراق الجوار، إحداها كانت في القرن السادس عشر، والضحية امرأة يهودية تدعى "سبرانزا مالخي"، كانت مسؤولة عن توريد البضائع النسائية إلى الحرملك السلطاني.
سبرانزا تمتعت بنفوذ كبير داخل البلاط السلطاني، عبر علاقتها بـ آغا الحريم والسلطانة الوالدة، ولكنها تقاسمت معهم نقمة جنود الإنكشارية، الذين عارضوا تنامي نفوذ الحرملك على السلطان.
الإنكشارية كانت ترد على أي تهديد لسلطتها ومصالحها بالثورة، وإجبار السلطان على تسليم رؤوس من يعارضهم، وفي إحدى ثوراتهم قبضوا على سبرنزا، وطعنوها بالسكاكين، ثم أغرقوها في البوسفور.
أنطوان ميلينغ، رسام ألماني، أقام في القسطنطينية، بين عامي (1785-1802) وكان مقربا من القصر العثماني، وتمتع بحماية السفارات الأجنبية في العاصمة العثمانية، وقام برسم عدد من اللوحات لصالح القصر.
خلال عودته من حفل عشاء، بإحدى جزر الأمراء، كان القمر مكتملا ليلتها، واستطاع أن يرى بجانب الجدران البحرية للقصر السلطاني بعض البستانجية وهم يضعون أحجارا في كيس يحوي امرأتين، ثم وضعوا الكيس في مركب، وجدفوا إلى داخل البحر، يصحبهم أحد الخصيان، وبينما كان مركب ميلينغ يواصل رحلته، ظلت صرخات المرأتين تطارده لمسافة طويلة، ثم ساد الصمت، بعدما ألقي الكيس من فوق المركب.
جرائم السلاطين بحق الجواري كانت تصل ذروتها حين يتعلق الأمر بمسألة القضاء على نسب سلطان سابق، كانت الواحدة منهن تقتل سواء كن حبلي أم لا، فعندما يموت السلطان، ويتولى آخر الحكم، يتم نقل محظيات السلطان السابق إلى القصر القديم في القسطنطينية، إذا كان السلطان الجديد رحيما بهن، وغالبا لا يكون كذلك، ويكون مصيرهن قعر البوسفور.
محمود الثاني الذي اشتهر بسفك الدماء، أغرق ما يربو على 200 من حريم السلطان السابق مصطفى الرابع، للحيلولة دون أن ينجبن ابنا له، قد يكون منافسا له، بدعم من الإنكشارية الذين يبغضونه.
 
إبراهيم والجواري
على رأس قائمة السلاطين الأكثر إغراقا للجواري، يتربع السلطان إبراهيم الأول على القمة، كان معتوها مثل العديد من السلاطين الذين نشأوا بين نساء الحرملك، فقد كان مولعا بالنساء، وكانت السلطانة الوالدة وكبار المحظيات يجلبن له الجواري والنساء إلى مخدعه.
شهوة قتل النساء كانت البلاء الذي صبه إبراهيم على رأس نساء الحرملك.
 
المحظية سيشر بارا، الملقبة بـ" قضمة السكر" احتلت مكانة كبيرة في قلب إبراهيم الأول، كانت قوادته المفضلة، تجلب له الجواري الجدد، وفي إحدى المرات غارت من محظية، وقررت التخلص منها، ووشت بالجارية عند السلطان، واتهمتها بممارسة الجنس مع رجل آخر، ولم تقدم أي دليل على ذلك، لكن إبراهيم لم يكن يحتاج إلى أدلة ليقتلها، وكانت نهايتها في كيس معبأ بالحجارة في البوسفور.
في إحدى المرات،  أمر إبراهيم بوضع 6 قطط مع جارية في الجوال، ليجعل الدقائق المتبقية في حياتها عذابا أليما، بسبب مصارعة القطط للخروج.
 
سلاطين وجرائم
لا توجد سجلات أو شواهد تاريخية توثق كل جرائم السلاطين بحق الجواري، لكن فظائع الأتراك بحق الشعوب التي احتلتها السلطنة، طيلة 5 قرون، كفيلة بأن تقدم لنا صورة مرعبة عن مصير نساء لا حول لهن ولا قوة في عوالم الحرملك، التي قضى فيها السلاطين أغلب حياتهم.
السلطان مراد الرابع أعدم 20 ألف شخص خلال مدة حكمه، من بينهم مجموعة من الجواري، كن يغنين داخل الحرملك، لأن أصواتهن بدت مرتفعة بالنسبة له.
كان يقتلهن بطريقة بشعة، إذ كان يأمر الجواري بالقفز عاريات في بركة سباحة، ويقوم بإطلاق كرات نارية على أجسادهن لتتناثر الأشلاء في الهواء وهي محترقة.
محمد الثالث الذي قتل أشقاءه الـ 19، عشية توليه العرش، بعد جثمان أبيه، قام بإغراق 7 من محظيات والده الحوامل في البوسفور، بعدما وضعهن في أجولة مليئة بالحجارة.
من الأمور العجيبة أيضا، أن إحدى الجواري كُتب لها النجاة بعد إنزالها في البحر، فقد طفى الجوال على سطح الماء، ولكن بعيدا عن أعين البستانجية، وتم التقاطها بواسطة مركب تجاري فرنسي، وتم نقلها إلى باريس، لتروي بعدها أسرارا مفجعة عما يحدث في قصر السلطان.
أبقى سلاطين الدولة العثمانية على الجواري في القصور، رغم إلغاء العبودية قانونيا، ولم يختف الحرملك إلا مع سقوط دولة آخر سلاطين آل عثمان، لتغلق صفحة التاريخ مليئة بالخزي والعار في حق الإنسانية.

Qatalah