يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تمتعت لعبة كرة القدم بقبول كبير في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، ولم تقتصر شعبيتها على طبقة بعينها، بل كانت الرياضة المفضلة لدى الصفوة والعامة، وحظيت الفرق الرياضية برعاية الحكومات، خصوصا في الدول الأوروبية، التي أصدرت عدة تشريعات لتنظيم قواعد اللعبة الأكثر جماهيرية.
العثمانيون حرموا أهالي السلطنة من متعة لعبة كرة القدم، وقدموا عدة ادعاءات واهية لتبرير موقفهم الرجعي، إذ انبرى شيوخ الإسلام لإصدار فتاوى تحرم لعب كرة القدم، واعتبروها تقليدا غربيا يجب مقاطعته، وتعرضت اللعبة للحظر تارة، والتضييق تارة أخرى، وظلت لفترة طويلة محصورة بين الجاليات الأجنبية فقط.
 
صافرة العثمانلي
الدولة العثمانية أصدرت عدة دساتير وتشريعات في القرن التاسع عشر، وكان أولها التنظيمات العثمانية التي أصدرها السلطان عبد المجيد الأول، في العام 1839، وادعى أنها تمنح حريات واسعة للرعية، وتقلص القيود البيروقراطية.
انهارت ادعاءات العثمانيين عند التطبيق العملي، فلم ينعم أهالي الولايات بأية حرية سياسية، بل كان تكميم الأفواه ومطاردة المثقفين والموهوبين هو شعار المرحلة، وكان موقف السلطانين عبد المجيد الأول، وعبد العزيز الرفض التام لأي نشاط رياضي، لاسيما كرة القدم، ولم تعرف الدولة العثمانية إنشاء أي فريق لكرة القدم طوال عهدها، إذ منعت الأنشطة الرياضية، واعتبرت تلك التجمعات الشبابية تهديدا للأمن العام.
 
تمتعت الجاليات الأوروبية بامتيازات سياسية واجتماعية واسعة في السلطنة، حتى إنهم تمكنوا من تشكيل ما يشبه فرق كرة قدم، لكنها لم تكن منظمة كفريق مكتمل الأركان من حيث عدد اللاعبين، ولم يكن هذا مقصورا على إسطنبول، بل قامت القنصليات البريطانية والفرنسية في عواصم الولايات العربية بتنظيم فعاليات لأبناء الجاليات، لكن السلاطين والولاة رفضوا إقامة تلك المباريات، الأمر الذي دفع سفراء لندن وباريس للتدخل، وفرضوا إرادتهم على إسطنبول، ولكن ظلت لعبة كرة القدم محرمة على رعايا الدولة العثمانية.
 
إرهاب الساحرة المستديرة
تولى السلطان عبد الحميد الثاني الحكم في أغسطس 1876، وكان من أكثر السلاطين رجعية، إلا أن إسطنبول شهدت في أيامه الأولى عدة احتجاجات سياسية، تطالب بإصدار دستور جديد للسلطنة، فاضطر إلى إصدار "القانون الأساسي" المعروف باسم "المشروطية الأولى" في 23 ديسمبر 1876، وتم فتح البرلمان العثماني، والمعروف باسم "مجلس المبعوثان العثماني".
 
الولايات العثمانية اعتبرت الدستور والبرلمان بداية لعهد جديد من حرية الرأي والتعبير، وتطلع الشباب إلى إنشاء أندية رياضية واجتماعية، لعلها تكون متنفسا لطاقاتهم المكبوتة لقرون، وشهدت دمشق وبيروت وبغداد وحلب والموصل تكوين نواة لفرق كرة قدم، كان أغلب لاعبيها من خريجي المدارس الأوروبية، ولكن مضايقات الولاة الأتراك قلصت من أعداد اللاعبين والمشجعين.
عبد الحميد الثاني لم يقتنع بجدوى الحياة الدستورية، واعتبرها تنتقص من سلطاته وصلاحياته، بعدما شهدت جلسات البرلمان عدة مطالبات برعاية الموهوبين رياضيا وثقافيا، وهو ما رفضه السلطان، وأعلن إلغاء العمل بالدستور وحل البرلمان، وأصدر بدلا منها عدة قوانين هدفها تقييد الحريات، وتم وقف نشاط فرق كرة القدم الأهلية في العواصم العربية، وتم تأجيل حلم تكوين أندية كرة قدم عربية إلى أجل غير مسمى، وهو ما اعتبره الكثيرون انتكاسة ورجعة سياسية.
السفراء والقناصل الأجانب هددوا عبد الحميد بأن أي تدخل في شؤون رعاياهم قد يدفعهم لوقف المفاوضات بشأن القروض الأجنبية، فطلب السلطان منهم اقتصار الأنشطة الترفيهية على مقرات السفارات والقنصليات، وباتت مباريات كرة القدم تقام في الحديقة الخاصة بدار السفراء، ولم يحضرها إلا أفراد الجاليات الأجنبية وبعض المثقفين والأعيان.
استغلت الجاليات الأجنبية والأقليات العرقية الفرصة، وأسسوا فرق كرة قدم في المدن التجارية الساحلية كإزمير وسالونيك وإسطنبول، فتم تأسيس فريق "الجوارب السوداء" على يد الجالية الإنجليزية، وفريق "أبولون" على يد مجموعة من اليونانيين، وحصلت تلك الأندية على دعم السفراء الأجانب الذين تكفلوا بحمايتها من بطش رجال الدرك العثماني والمخابرات الحميدية.
 
لكن الأمر لم يدم طويلا، ورغم أن المباريات كانت تقام في أماكن مغلقة تابعة للسفرات، واقتصرت على أفراد الجاليات الأجنبية وبعض الأقليات الحاصلة على حماية الدول الأجنبية، إلا أن تنظيم الاستخبارات الحميدية قدم تقارير تفيد بخطورة تلك المباريات على حياة السلطان وأمن إسطنبول، بزعم حرص شخصيات بارزة من مثقفي العرب والأرمن واليونانيين والأكراد على مشاهدتها، وشهدت تلك الفعاليات مناقشات بشأن اضطهاد الأقليات الدينية والعرقية، خاصة أن العاصمة شهدت مجازر بشعة بحق آلاف الأرمن، بين عامي 1894 و1896.
السلطان المرتعد أصدر أوامر صارمة بمنع الأنشطة الرياضية والترفيهية لأعضاء السلك الدبلوماسي الأوروبي في عام 1897، بدعوى أن الأرمن وجماعات من العصاة -حسب نص قرار عبد الحميد- يتخذونها غطاء لمؤامرات ضد السلطان، وبالفعل تم وقف كل مباريات كرة القدم وسائر الأنشطة الرياضة، وعاشت السلطنة أعواما طويلة بدون أي فعاليات رياضية.
 
القاهرة لعب وفن وهندسة
عرفت البلاد العربية كرة القدم رغم أنها محرمة بنص القانون العثماني، لكن مصر كانت استثناء، فقد لعب المصريون كرة القدم منذ عام 1882، بعد أن شاهدوا الجنود الإنجليز يلعبون مباريات كرة القدم في شوارع الإسكندرية، ودخلت كرة القدم المدارس المصرية على يد محمد زكي باشا وزير المعارف والتعليم، في عام 1882، وسريعا انتشرت الساحرة المستديرة في مدن وقرى المحروسة، وتحولت الشوارع والحارات المصرية إلى ملاعب صغيرة.
المدارس المصرية صنعت لاعبين كرة قدم محترفين، وشكلت فرق كرة القدم المدرسية نواة للأندية والفرق التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر، وخرجت جيلا من الشباب يؤمن بأهمية الرياضة، خاصة كرة القدم، في نشر ثقافة الاتحاد وروح العمل الجماعي.
شهدت مصر حدثا كرويا مهما في عام 1895، عندما شهدت ميادين القاهرة أول فريق مصري يخرج بنشاط الكرة من عصبية الأحياء إلى الوطنية، بقيادة محمد أفندي ناشد، والذي لعب باسم مصر في مواجهة فريق الجيش البريطاني، وكان الفريق المصري يضم لاعبين بارعين مثل أحمد رفعت ومحمد خيري وإخوان جبريل.
أصبح محمد أفندي كابتن أول فريق كرة مصري، والذي عرف باسم "التيم المصري"، واستطاع رفع اسم مصر عاليا في عالم كرة القدم، حين أرسل دعوة لفريق الأورانس الإنجليزي للعب مباراة في القاهرة، والتي فاز فيها الفريق المصري بهدفين مقابل لا شيء، ونشرت الصحف العالمية خبر فوز فريق الفراعنة على نظيره الإنجليزي، وشهدت السنوات التالية تأسيس فرق كرة قدم كثيرة.
 
ملاعب المعارضة
انتقلت لعبة كرة القدم من مصر إلى الولايات العربية العثمانية منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، خاصة أن القاهرة كانت قبلة الطلبة والمثقفين العرب، والذين شاهدوا مباريات كرة القدم في المدارس والشوارع والحارات، ورأوا بأعينهم التأييد الجماهيري الذي تحظى به الساحرة المستديرة بين أبناء المحروسة.
القبضة الحديدية للسلطان عبد الحميد الثاني فشلت في منع أهالي الولايات من لعب كرة القدم، والتي أصبحت الرياضة المفضلة لدى معارضي حكم آل عثمان في الولايات العربية الناقمة على سياسات القمع الحميدية، وشهدت العواصم العربية نشاطا كرويا حيويا، واتخذها المثقفون العرب سبيلا لحشد الجماهير ضد السلطنة.
المثقفون العرب في دمشق وبيروت كونوا جمعيات أدبية وثقافية سرية، وكان هدفهم السعي لنيل حريتهم واستقلالهم عن الدولة العثمانية، لكن جهاز الاستخبارات الحميدي لاحقهم وطاردهم، حتى إن العشرات منهم فروا إلى مصر، إذ فر شاهين مكاريوس ويعقوب صروف وفارس إلى القاهرة في عام 1885، وأسسوا جريدة المقطم، لنشر أفكارهم، ومهاجمة الاحتلال العثماني.
انتقلت التجربة المصرية إلى الولايات العربية من خلال هؤلاء المثقفين، والذين عادوا إلى بلادهم، وأصروا على لعب مباريات كرة قدم، رغم كل القيود المفروضة عليها من قبل السلطنة، وتعرضوا في سبيل ذلك للسجن والاعتقال، بل قام الولاة بفصل كل من يلعب كرة القدم من الوظائف الإدارية بالجهاز الحكومي، وباتت كرة القدم إحدى أدوات العرب لمقاومة العثمانلية.
استقبلت مصر العشرات من المثقفين والسياسيين العرب، والذين اندمجوا مع المجتمع المصري، ولعبوا كرة القدم على أرضها، بل وانضموا لفرق كرة القدم بالقاهرة والإسكندرية، وساهموا في إحراز بطولات وتحقيق انتصارات للأندية المصرية، وعبرت كرة القدم عن روح الوحدة العربية منذ تسعينيات القرن التاسع عشر.
 
اللعب في زمن الاتحاديين
تجربة كرة القدم المصرية، وأهدافها الثقافية والسياسية، أصبحت نموذجا يحتذى به لكل معارضي آل عثمان، استغلتها جمعية الاتحاد والترقي في صراعها مع عبد الحميد الثاني، وأولى الاتحاديون في سالونيك اهتماما خاصا بلعبة كرة القدم، واعتبروها أداة ناجحة في استقطاب الرعية وحشد الجماهير.
نجح الاتحاديون في كسر العزلة المفروضة عليهم عن طريق كرة القدم، وأسسوا عددا من الأندية في مدن وقرى سالونيك، بفضل جهود طلعت باشا، الذي سخر جهاز البريد للتواصل بين أفراد الأندية، وبات الاتحاديون أول "ألتراس" كرة قدم في الدولة العثمانية، وبعد انقلابهم على السلطان عبد الحميد تحولت تلك الأندية وجماهير كرة القدم إلى أداة خبيثة للتجسس على معارضي حكومة الاتحاد والترقي.
 
تظاهرت حكومة الاتحاد والترقي بالديمقراطية، وسمحت بتكوين فرق كرة قدم في الأناضول فقط، وكانت الهدف من وراء ذلك التجسس على المثقفين المنضمين لتلك الفرق، وتمكنت التشكيلات الأمنية من اختراق تلك الأندية، وبات السجن مصير أي لاعب أو مشجع يبدي اعتراضه على الأوضاع السياسية أو الاقتصادية المتدهورة.
طلعت باشا وزير الداخلية في حكومة الاتحاد والترقي، استغل فرصة نشوب الحرب العالمية الأولى، وأصدر قرارا بحظر عدد من الأندية المعروفة بمعارضتها لسياسات الطورانية، ومن أشهرها نادي "التاي" في مدينة إزمير، وفريق "دورك" الذي يضم أمهر وأشهر اللاعبين الأرمن، ونادي "بروخوس" صاحب الأغلبية اليونانية، ولم يقتصر تدخل جمعية الاتحاد والترقي في كرة القدم على ذلك، فخلال الحرب العالمية سيق لاعبو الفرق الرياضية المعارضة إلى جبهات القتال للتخلص منهم.

Qatalah