يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


16 يونيو 2019 جيل تركي سيعيش حدثًا فريدًا بعد 17 عامًا

لا أزمة منظومة الصواريخ إس-400 ولا الطائرات إف-35 مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولا خطاب نائب وزير الدفاع الأمريكي باتريك شاناهان المليء بالتهديدات من أوله إلى آخره، ولا التوتر المتصاعد في شرق البحر المتوسط بسبب أعمال التنقيب عن النفط هناك.

بقيت 10 أيام على انتخابات بلدية إسطنبول العامة، فأصبحت الساحة في تركيا تترقب نقاشًا مباشرًا على الشاشات سيجري الساعة التاسعة مساءً يوم الأحد 16 يونيو بين "بن علي يلدريم" و"أكرم إمام أوغلو".

مَنْ وُلِدوا حين تولى حزب العدالة والتنمية وإردوغان السلطة في انتخابات 3 نوفمبر 2002 يبلغ عمرهم 17 عامًا حاليًا. أما من كانوا في سنِّ الـ 5 في ذلك الوقت ودخلوا مدارس رياض الأطفال فهم في الـ 22 الآن، بينما من التحقوا بالمدرسة الابتدائية في سنِّ الـ 7 في الـ 24 الآن.

هذا الجيل عاصر وشهد طيلة حياته وحتى اليوم حزبًا واحدًا ورجلًا واحدًا يحكم البلد والمدن التي يعيش فيها، ورأى فوزه بكل الانتخابات، واستمع لخطابات شخص واحد تبث مباشرة يوميًا ولساعات طويلة على شاشات التلفاز.

حتى بعد الانقلاب العسكري في 12 سبتمبر 1980، عندما قرر الجنود العودة إلى النظام الديمقراطي، دار نقاش حاد بين قادة الأحزاب السياسية الثلاثة المشكلة حديثًا في بث مباشر على شاشات قناة ( تي آر تي ) بالأبيض والأسود في تلك الفترة.

جرى آخر حوار على شاشات التلفاز بين القادة السياسيين في تركيا بين كل من رجب طيب إردوغان رئيس حزب العدالة والتنمية الذي تأسس قبل انتخابات 3 نوفمبر 2002 وكان ممنوعًا سياسيًا وقتها و"دنيز بيكال" رئيس حزب الشعب الجمهوري آنذاك، والذي أغلقه الانقلابيون في 12 سبتمبر وأعيد افتتاحه لاحقًا.

لذلك لا توجد في ذاكرة جيل 2002 الذي يعيش تحت قيادة حزب العدالة والتنمية وإردوغان منذ 17 عامًا ذكرى واحدة تتعلق بضرورة أن يتحاور السياسيون أمام الشعب، ويصرحوا بما وعدوا بالقيام به لصالح المدن التي يترشحون عنها وأن ينتقد بعضهم بعضًا، وحدوث شيء كهذا يكون في الديمقراطيات، ولا بد أن يحدث.

رفض إردوغان رئيس حزب العدالة والتنمية ورئيس الجمهورية دعوات الحوار والنقاش التي وجهها إليه قادة المعارضة بالظهور مباشرة أمام شاشات التلفاز قبل كل انتخاب حتى الآن، قائلًا " لستم محاوري، ولن أسمح لكم بتحقيق مكاسب سياسية من خلالي".

حيث رفض في الانتخابات الرئاسية يوم 24 يونيو 2018 دعوات المرشحين الآخرين وعلى رأسهم مرشح حزب الشعب الجمهوري "محرم إينجه"، و"ميرال أكشينر"، و"تيميل كرم أوغلو" بالظهور على الشاشات، ولقب إينجه بــــ "الصبيّ" وخاطبه "أنت لست ندًا ليَ".

وقد حدث المشهد نفسه في الانتخابات المحلية بتاريخ 31 مارس؛ فلم يسمح إردوغان بأن يظهر على الساحة مرشحو حزبه نفسه المرشحين لرئاسة البلدية في تحالف الشعب الذي أسسه مع حزب الحركة القومية.

وفي بعض الأيام نظم ثلاث-أربعة لقاءات ميدانية في وقت واحد، ووجه اتهامات شديدة للمعارضة، واتهمها بالإرهاب. وذكر على شاشات التلفاز وفي الميادين أن انتخابات الــــ 31 مارس "مشكلة بقاء بالنسبة للدولة"، وأنه في حال فوز المعارضة بها ستحدث حالة من الفوضى، وعدم الاستقرار، ويقع دمار وإرهاب.

وصف مرشحي حزب الشعب الجمهوري وتحالف الأمة بأنهم مرشحون “غير أكفاء، ولا مؤهلين جاؤوا من مناطق غير حضرية، وليسوا قادرين على إدارة المدن الكبرى".

ورفض دعوات أكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري وتحالف الأمة "لنتحاور على الهواء مباشرة في القناة التي تريدها، وليُدِر الحوار من يُدره."

بن علي يلدريم مرشح حزب العدالة والتنمية دافع عن أنه شغل لعدة سنوات منصب وزير، ورئيس وزراء، ورئيس برلمان، وبالتالي فإن إمام أوغلو "ليس ندًا له ولا جديرًا بمخاطبته"، ورفض طلبات إجراء حوار على شاشات التلفاز قائلًا "نحن نتحدث أمام الأمة بالفعل، فعن أي شيء سنتحدث حين نظهر على شاشات التلفاز".

أما بعد قرار اللجنة العليا للانتخابات بإلغاء انتخابات بلدية إسطنبول وإعادتها في 23 يونيو، والذي لا يزال محل نقاش وليس له أية مبرر ملموس، فقد تغيير المشهد بالكامل؛ إذ غيّر إردوغان وحزب العدالة والتنمية الذي خسر الانتخابات في 31 مارس أسلوبه في الخطاب أولًا، ثم غاب عن الساحة إردوغان الذي كان خطط لعمل لقاءات جماهيرية في 39 مركزًا. ومنذ التصريحات الأخيرة التي أدلى بها أمام الجامع عقب الخروج من صلاة العيد في 5 يونيو وحتى اليوم لم يظهر على الشاشات ولا على الساحة.

وكان يلدريم قد ردَّ في البداية على دعوة أكرم إمام أوغلو بالمواجهة مباشرة على شاشة التلفاز بأنْ "لا أستطيع اتخاذ قرار بشأن هذا بمفردي"، ثم وافق لاحقًا على التحاور في بث مباشر بإذن صادر من إردوغان، وقال يمكن أن يدير الجلسة "أوغور دوندار".

وبعد مفاوضات بين أركان حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري تم الاتفاق على عقد الجلسة المفتوحة بين يلدريم-وإمام أوغلو مساء 16 يونيو بإدارة "إسماعيل كوجوك كايا" مقدم برنامج جيل الصباح في قناة فوكس أكثر القنوات التي عانت منها السلطة قبل أسبوع واحد من الانتخابات.

هذا الحوار المباشر الذي سيجرى لأول مرة بعد 17 سنة سيكون سابقة من نوعها بالنسبة "لجيل حزب العدالة والتنمية" الذي فتح عينيه على إردوغان وحزب العدالة والتنمية كي يتصور ويدرك معنى مفاهيم "الديمقراطية والحوار الديمقراطي".

وبالطبع "الديمقراطية بالنسبة لنا تمثل قطارًا كهربيًا ننزل منه عندما نصل إلى محطتنا..." الأمر كذلك أيضًا بالنسبة لتركيا التي تعيش منذ 17 سنة تحت إدارة إردوغان القائل "بوسعي التخفي في صورة قسيس كي أصل إلى هدفيّ".

الواقع أنه وإن وُصف قبول مرشحي إردوغان وحزب العدالة والتنمية الحوار مع المعارضة وخصومهم السياسيين وجهًا لوجه على الشاشات، وهو ما لم يدرجوه في جدول أعمالهم منذ 17 عامًا، بأنه ضوء بسيط في نهاية النفق المظلم لصالح السياسة الديمقراطية، إلا أن العامل الرئيس مختلف.

بعد الهزيمة التي مُني بها إردوغان الذي أخذ زمام المبادرة كلها في الميادين في 31 مارس، والهزيمة الثانية والأشد التي سينالها في إسطنبول تجعل زعامته السياسية موضع نقاش وتساؤل في البلاد وفي العالم وداخل حزب العدالة والتنمية على حد سواء، وهي في طليعة هذا القرار.

من الواضح أن مثل هذه النتيجة التي تبرر وتسرع عمليات تشكيل الأحزاب الجديدة لأجنحة أحمد داود أوغلو-علي باباجان داخل حزب العدالة والتنمية ستلحق أضرارا جسيمة بالزعامة السياسية لإردوغان، وتحدث انشقاقات عن حزب العدالة والتنمية وتحللًا في قاعدته الحزبية.

لهذا السبب، فإن إردوغان الذي فضل التراجع عبر تحميل جميع الفواتير السياسية لــــ"بن علي يلدريم" بطريقة أو بأخرى، اضطر إلى التخلي عن "يلدريم" وأن يقول له ابحث لنفسك عن حلٍّ.

إن طرح أسماء ليست من "الصحافة الموالية أو المبايعة" من أجل إدارة هذا الحوار مثل "أوغور دوندار" و"ديدم أرسلان ييلماز" و"فاتح برتقال" والاتفاق أخيرًا على "إسماعيل كوجوك كايا" صورة مخزية لوسائل إعلام السلطة التي سيطر عليها إردوغان وسلطة حزب العدالة والتنمية عبر نسجها وخياطتها عقدة تلو عقدة.

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah