يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"فترة الانحطاط العثمانية، كانت عهد تخلّفٌ.. إلا أن مصر بدأت الاستيقاظ من سباتها بعد حملة نابليون عام 1798، ودورنا هو أن ندفع عجلة التقدم عن طريق نشر العقلانية والحسّ النقدي والديمقراطية".. بهذه الكلمات أبدع الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي، في وصف مرحلة "الرجعية" التي مرت بها مصر تحت حكم العثمانيين.
طه حسين، عميد الأدب العربي، وأحد رواد التجديد والنهضة، دان العثمانيين، وأعلن صراحة أن علاقتهم بالعرب هي احتلال صريح، محطما زيف دعاوى الخلافة، التي كانت رائجة زمانه. 
في ذكرى مئوية وفاة محمد علي باشا الأولى (توفى العام 1849)، تم افتتاح كرسي "محمد علي" للدراسات الشرقية، في المركز الجامعي للبحر المتوسط بنيس في فرنسا، وبعد هذا الحدث بعام، استضافت بلدية المدينة عميد الأدب العربي "طه حسين"، وألقى محاضرة عن العلاقة بين الشرق والغرب.
في محاضرته تعرض طه حسين بالتحليل إلى تاريخ العرب الحضاري، الذي كان سباقا للتاريخ الغربي في بعض مراحله، ومتخلفا عنه في مراحل أخرى، كان أشدها هي قرون الاحتلال العثماني.
حسين يرى أن مصر قبل العهد العثماني كانت منفتحة على أوروبا، مما ساهم في تبادل ثقافي، واقتصادي واسع، جعل الشرق والغرب على في حالة توازن، مع تفوق الأول ثقافيا وعلميا في أوقات عدة.
هذه الحال ظلت هي السائدة في الشرق حتى احتلال العثمانيين أراضي السلطنة المملوكية عام 1516، وما تبعه من فرض عزلة إجبارية على مصر والشام، قلب العالم العربي، الأقرب جغرافيا مع أوروبا، وهي أيضا المنطقة التي شهدت الاتصال التجاري، والاتصال العسكري زمن الحروب الصليبية.
العزلة الإجبارية كانت سبب تخلف الشرق، وتحديدا مصر، التي خصها طه حسين بالحديث. الاتصال الذي ظل بقايا انحصر في التبادل التجاري المحدود، دون الاتصال الثقافي.
فرنسا كانت السباقة في الاتصال الفعّال مع الشرق، كما يرى حسين، وذلك من خلال الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، إذ لم تقتصر على الغزو العسكري، فقد صاحبها العلماء، والتقنية الحديثة، والنظام الإداري المتطور حينها، وتركت أثرا كبيرا في العقل المصري، سواء النخب أو العامة.
عند تناوله لتاريخ حكم مصر يُفرق طه حسين بين نوعين من الحكم الأجنبي شهدتهما مصر: الأول حكم تمتعت مصر في ظله بالاستقلال والازدهار مثل حكم البطالمة والفاطميين وسلاطين المماليك ومحمد علي الألباني. والآخر حكم فقدت مصر في ظله استقلالها ولا تنتج شيئا ذا بال، لأنها تستنفد طاقتها في مقاومة الحكم الذي لا يمثلها ولا يروق لها مثل حكمها من قِبل العثمانيين. حسب ما جاء في كتاب "اشتهاء العرب"، لمؤلفه جوزيف مسعد أستاذ سياسة العرب الحديثة وتاريخ الأفكار في جامعة كولومبيا.
على هذا الأساس يرى حسين أن الوجود العثماني في مصر كان احتلالا، ولا علاقة له بالحكم الإسلامي السابق. منذ عام 1517 خضعت مصر لهذا المحتل حتى عام 1798.
هذه القرون الثلاثة كانت أحلك العهود التي عاشتها مصر، فلم تشهد الجمود فقط بل الردة الحضارية، بالتزامن مع نهضة عظيمة على الشاطئ الآخر من البحر الذي تطل عليه.

Qatalah