يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


8 أغسطس 2019 حرائق أرض الآشوريين تثير العنصرية في تركيا

في أواخر يوليو الماضي، اندلعت نيران كثيرة خلال فترة زمنية قصيرة في عقارات مملوكة لأبناء الأقلية الآشورية العريقة في منطقة إيديل بمحافظة شرناق في جنوب شرق تركيا لتثير مخاوف من أعمال حرق متعمدة.

أولى هذه الحرائق وقعت في حقول عنب مملوكة لآشوريين، ثم اندلع آخر في حقول زيتون في دير للسيريانيين.
ولم يمر وقت طويل قبل أن تشتعل نيران وتطوق قرى آشورية عدة في سفوح جبل باجوك غير بعيد في إقليم ماردين.
ولقد واجه مجتمع الآشوريين على مدار عشرات السنوات محاولات عديدة من قبل الدولة التركية للاستيلاء على ممتلكاته العقارية، وتأتي الحرائق الآن لتثير مخاوف من محاولة جديدة تستهدف أراضيهم.
والأقلية الآشورية من بين أقدم الكيانات في المنطقة، لكن عدد أعضائها أخذ يتضاءل حتى باتت اليوم أصغر الأقليات في تركيا.
قوام الأقلية الآشورية في تركيا اليوم ما بين خمسة آلاف وخمسة وعشرين ألف شخص يعيشون في أقاليم باتمان وشرناق وماردين وكلها في الجنوب الشرقي.
ويعيش أغلبية الآشوريين الآن في إسطنبول، بينما رحل كثيرون غيرهم من البلاد قبل ذلك ليستقر بهم المقام في دول أوروبية.

ولقد واجهت الأقلية المسيحية ضغوطا وتمييزا مارسته بحقها الحكومة، التي لطالما استولت على كنائس الآشوريين وأديرتهم ومقابرهم وغيرها من الممتلكات المهمة على مدى العقدين الماضيين.
وفي الجنوب الشرقي التركي حيث مهد هذا الكيان العريق، تأثر الآشوريون كذلك بفعل عقود من الصراع بين الدولة والمسلحين الأكراد الذين يقاتلون من أجل الحصول على حكم ذاتي للمنطقة.
وكانت الموجة الأولى من عمليات الاستيلاء على الأراضي قد وقعت حين بدأت الدولة في إقرار الحدود بين الأراضي عام 2007.
وأدى هذا إلى استيلاء الدولة على آلاف الهكتارات من ممتلكات دير مار غابرييل العريق قرب ميديات في إقليم ماردين.
بعض هذه الأراضي نقلت ملكيتها إلى قرويين محليين، بينما نقلت ملكية بعضها الآخر إلى وزارة الخزانة.
كما تم تسجيل مساحات أخرى من الأراضي باعتبارها من أراضي الغابات.
وتكافح المؤسسة التي تتولى إدارة الدير في صراع قانوني منذ ذلك الحين لاستعادة ما فقدته من أراضٍ، لكنها لم تنجح في استعادة سوى 12 قطعة أرض من أصل 30 قطعة.
وبعد خسارة الأراضي المملوكة لدير مار غابرييل، وهو أقدم دير للسيريانيين الأرثوذوكس في العالم، تسببت عملية إعادة تنظيم إقليم ماردين ليصبح محافظة حديثة في ضياع المزيد من الأراضي حين بدأ تطبيق العملية عام 2014.
وتسبب هذا في خسارة الآشوريين لكنائس وأديرة ومقابر وممتلكات أخرى حين صادرت الدولة 110 عقارات.

بعض هذه الأراضي نُقلت ملكيته بشكل حصري لمديرية الشؤون الدينية وهي جهة رسمية في تركيا يسيطر عليها المسلمون السنة.
وتسبب هذا في موجة غضب انتهت بنقل ملكية هذه العقارات مرة أخرى، وهذه المرة إلى وزارة الخزانة.
وقبل الانتخابات العامة عام 2018، صدرت وعود بالإصلاح وإعادة ملكية 55 من قطع الأراضي إلى الآشوريين، لكن هذه العملية لم تسفر عن أي نتائج حتى الآن، ولا يزال الآشوريون يواجهون محاولات على المستوى المحلي للاستيلاء على أراضيهم.
هذا أيضا ما حدث بالنسبة لمساحات كبيرة من الأراضي في منطقة إيديل مملوكة لفيريت كولن، وهو رجل آشوري يعيش خارج تركيا.
وبالمخالفة للقانون، أقام سكان محليون مباني على أراض مملوكة لكولن، بل أنشأت مديرية الشؤون الدينية مسجدا هناك قبل أن تهدمه لاحقا وتبدأ في بناء آخر أكبر منه.
ولا يزال العمل جاريا في هذا المسجد رغم أنه بدأ دون إذن من السلطات المحلية.
وقال توما جيليك، نائب رئيس حزب الشعوب الجمهوري "ما يجري هو تجريد الآشوريين من ممتلكاتهم، وعشرات الآلاف من منازلهم وحقولهم وبساتينهم وممتلكاتهم الأخرى التي تم الاستيلاء عليها أو سرقتها منهم".
وأضاف: "الأراضي التي انتزعت من كولن ليست سوى مثال على ما يجري".
وبينما لا يزال يواجه الآشوريون خطر الاستيلاء على أراضيهم، فإنهم يتعرضون أيضا لسلسلة من الحرائق التي تستهدف ممتلكاتهم.

لقد أضرمت النيران في حقول العنب المملوكة للآشوريين في إيديل وفي حقول الزيتون المملوكة لدير حنانايو. كما تسببت النيران التي اشتلعت في آلاف الهكتارات المملوكة لهم في مختلف أنحاء إقليم ماردين وإقليم شرناق في تحويل مئات أشجار الزيتون والليمون إلى رماد.
وفقد الآشوريون نحو 700 شجرة زيتون في حقول مملوكة للدير الذي يعود تاريخه للقرن الخامس الميلادي.
ولقد أدت الحرائق التي لم يعرف لها سبب حتى الآن في حرمان الدير من مورد مهم للدخل والقضاء على أنظمة الري التي كانت تخدم أشجار الزيتون.
ولقد استعرت النيران في قرى الآشوريين قرب نصيبين رغم مساعٍ لإخمادها، وتفيد تقارير متداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي بأن قرويين لا يزالون يكافحون حرائق قرب ست قرى سيريانية على سفح جبل باجوك قرب نصيبين.
وقال جيليك: "الأمر المثير هو اشتعال النيران في أراضٍ مهجورة في الطريق المؤدي إلى القرية. لا أظن أن هذه النيران قد اندلعت بفعل عوامل طبيعية".
وأضاف: "اشتعال جميع هذه الحرائق واحدا تلو الآخر يبين أنها بفعل فاعل".
وقال كيرياكوس إرغون، رئيس مؤسسة دير مور غابرييل، إن ما جرى أيا كان سببه قد تسبب في زلزلة مجتمع الآشوريين.

وقال: "لا نعرف إن كان ما جرى أمر متعمد أم لا، لكن هذه الحرائق قد زلزلتنا حتى النخاع.. وقوع هذه الحرائق في وقت اكتمال نضوج الثمار قبل قطفها لهو أمر عاصف".
وأضاف إرغون أن الوعود التي صدرت قبل الانتخابات العام الماضي قد أثارت الأمل بين أعضاء الأقلية الآشورية بقرب العودة لمنازلهم والمساهمة في تنمية مجتمعاتهم.
لكن الأراضي لم تعد لأصحابها حتى الآن، وقرر الآشوريون الذين لا يزالون يعيشون في الخارج عدم العودة.
وتابع إرغون قائلا إن الحرائق فاقمت ما يشعر به الآشوريون من ضيق.

نقلا عن "أحوال تركية"

Qatalah