يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


منذ قديم الأزل، دأبت الأنظمة القمعية على محاربة الكلمة، خوفاً من تأثيرها على عامة الشعب، لكن آل عثمان كان لهم السبق في اضطهاد الرسوم الكاريكاتيرية أيضا، هذا الاضطهاد الذي استمر حتى تورثه العثمانيون الجدد، بزعامة، الرئيس التركي، رجب إردوغان، متفوقا على أجداده، بمحاربة أفلام "الرسوم المتحركة"، بزعم أنها تحرض الأطفال على العنف. 
 
في يوليو 1908، كان سقف الحرية يرتفع كثيراً في أوساط المثقفين الأتراك، بعد أن نجح انقلاب الاتحاد والترقي ضد السلطان عبد الحميد الثاني، في إعادة العمل بدستور 1878، وافتتاح البرلمان العثماني من جديد. وتعهد الحكم الجديد، بتأسيس عصر مختلف في تركيا، تنتصر فيه الحريات الشخصية والعامة على الاستبداد، وتتغلب فيه سيادة الدستور على السلطة المطلقة للحاكم الفرد.
 
في وسط مثل هذه الأجواء التفائلية، كان من الطبيعي أن يعود كافة الأتراك المنفيين في أوروبا إلى إسطنبول، وعلى رأسهم الصحافيون، ورسامو الكاريكاتير، الذين كانوا في الأصل جزءاً من ثورة الاتحاد والترقي في المنفى ضد عبد الحميد. وبدأوا في التجهيز لاستعادة الصحافة الحرة، والرسم الكاريكاتوري الحر، بنقدهما اللاذع والصريح لأعلى سلطة في الدولة، ودون التقيد بأية شروط أو محاذير. 
 
في أول أعوام الاتحاد والترقي في الحكم، أوفت الجمعية الثورية بوعودها للصحافة. فرفعت الرقابة الرسمية من على المطبوعات، الأمر الذي نتج عنه صدور 92 مطبوعة دفعة واحدة في تركيا، ما بين صحيفة نقدية، ومجلة كاريكاتورية ساخرة. وبلغ بتلك الزيادة الهائلة، أن وقع عجز في توافر العدد الكافي من المطابع التركية لاستيعابها، ما دفع أصحاب تلك الإصدارات إلى استيراد ماكينات الطباعة الحديثة من غرب أوروبا.
 
كان منطقياً أن يزدهر الكاريكاتير السياسي في ظل تلك الأجواء المنفتحة، وكانت "قلم" (1908 - 1911)، وهي مجلة فرنسية تركية مزدوجة، استهدفت الطبقة المتعلمة التركية، من أوائل المطبوعات التي أعادت الكاريكاتير إلى الحياة في تركيا، عبر أعمال رسامها جميل تشيم، الذي نقل إلى الصحافة التركية أحدث التقنيات الغربية في رسم الكاريكاتير.
 
"قره كوز"
كما مثلت عودة علي فؤاد بك، وهو رسام كاريكاتير شهير، شارك في انتقاد السلطنة العثمانية منذ سبعينيات القرن التاسع عشر، واضطر للهرب من إسطنبول تحت وطأة قمع عبد الحميد، نقطة تحول مهمة في فن الكاريكاتير التركي، إذ أصدر بمجرد استقراره في العاصمة العثمانية مجلة "قره كوز"، والتي اعتبرت المطبوعة الساخرة الأهم في سنوات ما بعد انقلاب 1908. 
 
في 10 أغسطس 1908، نشر علي فؤاد بك أول أعداد "قره كوز" مع ورقة تعريفية لها جاء فيها، ""قره كوز".. صحيفة مرحة مصورة تصدر كل اثنين وخميس". وكانت مهمة علي فؤاد هي رسم الكاريكاتير فوق صفحات المجلة، بينما تولى صديقه محمود نديم، تأليف الحوارات بين الشخصيات المرسومة. وكانت الصحيفة في أول صدورها، تتكون من أربع صفحات فقط. 
 
"قره كوز"، الشخصية الرئيسة في مسرحيات خيال الظل التركية القديمة، احتل مكانة مركزية فوق صفحات المجلة، حيث استعاد دوره التراثي، كشخص حاد اللسان، متحرر في انتقاد السلبيات، لتوجيه النقد هذه المرة إلى الأوضاع السياسية والاجتماعية المعاصرة. وكتب محمود نديم الحوارات الخاصة للكاريكاتير المرسوم في المجلة بلغة سهلة واضحة، يسهل فهمها على كل القراء مهما كانت مستوياتهم التعليمية والثقافية. 
 
على غرار ذلك الاستدعاء لشخصية "قره كوز"من قبل علي فؤاد، تمت الاستعانة بشخصيات أخرى من التراث الشعبي التركي في العديد من الإصدارات الساخرة الموازية لـ "قره كوز"، مثل "نصر الدين خوجه"، أو "جحا التركي"، و"حاج بكتاش"، و"كيلوجلان"، و"كاوقلو"، و"بيشيكار"، و"ميداه"، التي أصبحت جميعاً متكلمة بلسان الشعب في مواجهة السلطة الحاكمة. 
 
قانون الصحافة
البداية الواعدة للصحافة الحرة، والكاريكاتير الساخر لم تستمر رغم كل الوعود التي أطلقها الاتحاديون، سوى عام واحد فقط. ومنذ خلع السلطان عبد الحميد الثاني في أبريل 1909، أبدى حكام إسطنبول الجدد من الشبان الأتراك، تخوفاتهم من أن تؤدي مساحة الحرية الواسعة إلى التأثير على سلطاتهم. وبالتالي، فإنهم أصدروا في العام 1909 "قانون الصحافة" المقتبس من القانون الفرنسي. 
 
الاتحاديون، بذلك القانون، استرجعوا الرقابة العثمانية الصارمة على المطبوعات، والتي كانت فاعلة خلال عصر عبد الحميد، والتي لطالما انتقدوها أثناء وجودهم خارج السلطة، واعتبروا إنهاءها من أهدافهم الكبرى. وفي العام ذاته الذي صدر فيه قانون الصحافة، تعرضت كثير من الجرائد النقدية التي صدرت في العام الأول للانقلاب، وكان عددها قد بلغ 200 مطبوعة، إلى المصادرة والإغلاق. 
 
الكاريكاتير، كان مرة أخرى، هو المستهدف الأكبر من القانون، حيث خشي أعضاء الاتحاد والترقي من حجم تأثيره الكبير على الطبقات غير المتعلمة وإمكانية إثارتهم ضد الحكومة. وكان الكاريكاتير الذي أصبح يعلق فوق الحوائط بشوارع إسطنبول، ويقرأ بصوت عال في المقاهي الشعبية، قد أضحى بالفعل في ذلك الزمن، ومن خلال استخدام شخصيات محبوبة مثل "قره كوز"، وسيلة مهمة لتوعية عامة الأتراك بالمستجدات السياسية والاقتصادية في السلطنة.
 
هكذا، أغلقت من جديد الكثير من المجلات الكاريكاتورية التركية، وكانت "قره كوز" واحدة من الناجين القلائل، ربما لاستخدام صاحبها علي فؤاد بك نغمة نقدية أقل حدة تجاه رفاقه القدامى من الاتحاديين. وبالتالي فإن مطبوعته نجحت في البقاء على قيد الحياة حتى العام 1918، عام انتهاء حكم الاتحاد والترقي بصورة نهائية. 
 
الكاريكاتير المُوجه
في مقابل ذلك القمع المستحدث للكاريكاتير، فإن الاتحاديين، وعلى العكس من عبد الحميد، رغبوا في استخدام الكاريكاتير ولكن للترويج لسياساتهم الخاصة. وكانت صراعات المقبلين عليها، خاصة في منطقة البلقان، ميدانا لذلك الترويج، حيث تطلعوا للاعتماد على الكاريكاتير لحشد الأتراك إلى جانب الحكومة في الحرب التي أصبحت تلوح في الأفق ضد الشعوب البلقانية. 
 
في كاريكاتير يعود إلى 1910، رسمت تركيا بهيئة رجل يرتدي زياً عثمانياً تقليدياً، رافعاً علماً أحمر فوقه الهلال، ومكتوبا عليه الإسلام، ومرسوما فوقه الهلال التركي. وقد أشهر سيفه، في مواجهة مجموعة من المحاربين الذين يمثلون الأمم الأوروبية، إنجلترا، واليونان، وروسيا، وألمانيا، والنمسا، وبلغاريا، وإيطاليا، وفرنسا. ورسم خلفهم جميعاً بابا الكاثوليكية في روما كقائد أعلى، وقد حمل راية الصليب، وكتب فوقها المسيحية. 
 
الكاريكاتير السابق، يصف الصراع العسكري بين العثمانيين وأوروبا كلها، وليس البلقان وحدها، بأنها "حرب صليبية" بين المسيحية والإسلام. وفي الوقت الذي تقف فيه تركيا وحدها، لحماية المسلمين، فإن المسيحية تتكئ على القوة المتنوعة لمختلف الدول والممالك الأوروبية الخاضعة لإرشادها الروحي. 
 
الاتحاديون، استهدفوا بذلك الرسم، تهييج المشاعر الدينية بين أتراك الأناضول، لتعبئتهم عسكرياً وقت اندلاع الحرب. وهي دعاية من الطرافة بمكان، حيث تؤثر عن الاتحاديين إلحادهم المعلن ورفضهم الإسلام من أساسه. وعلى أي حال، فقد اشتعلت حرب البلقان فعلاً بين عامي 1912 و 1913. ونال الأتراك خلالها خسارة عسكرية فادحة، فقدوا كل أملاكهم في البلقان على أثرها. 
 
ومع دخول تركيا الاتحادية الحرب العالمية الأولى في صف ألمانيا القيصرية، خفت دور الكاريكاتير التركي، نتيجة الرقابة الصارمة من الاتحاديين على الصحافة، اللهم إلا من الرسوم الكاريكاتيرية الداعمة في مجلة "قره كوز". وفي مقابل ذلك، كان الكاريكاتير الأجنبي، هو الذي عالج في كثير من رسوماته تلك الفترة الحرجة، خاصة من ناحية تحالف الاتحاديين مع القيصر غليوم الثاني. 
 
في 1914، نشرت المجلة الإنجليزية الساخرة "بانش"، كاريكاتيراً يظهر فيه غليوم الثاني وهو يضع تركيا، والتي مثلت بقذيفة، داخل مدفع ألماني كبير. وجاء على لسان القيصر مخاطبا القذيفة :"دع كل شيء لي، كل ما عليك هو أن تنفجر"، فترد تركيا :"نعم، أنا أرى ذلك فعلاً، ولكن أين من المفترض أن أكون عندما ينتهي كل ذلك؟!!". 
 
وفي 1915، نشرت "بانش" كاريكاتيرا يصور ألمانيا في شكل نسر يحمل السلطان العثماني محمد رشاد الخامس، ويقول الأخير :"بالطبع، أنا أعلم أنه لشرف عظيم لي أن يتم حملي بهذه الصورة، ورغم ذلك، فإنني بدأت أتمنى لو خلى الطائر عني". 
 
ومع الهزائم التي نالها الحلف العثماني الألماني في الحرب، خاصة مع اشتعال الثورة العربية الكبرى 1916، انقلب الكاريكاتير الأجنبي إلى السخرية من خسارة الأتراك، وتخلي الألمان عنهم في ساحة الحرب. 
ففي 1917، نشرت "بانش" كاريكاتيراً لمحمد رشاد وهو واقف في حزن، ويعاني البرد أمام نافذة بيت القيصر الألماني، ويصل إليه صوت غليوم من خلف النوافذ قائلاً :"ليس لدي ما أفعله لك، ارحل من هنا". 
 
وفي ذات العام، نشرت المجلة البريطانية، كاريكاتيراً، للسلطان ممتطياً جملاً ويتوجه به من غزة إلى القدس، ويقرأ رسالة من غليوم الثاني يأمره فيها قائلاً :"دافع عن القدس بكل ما تملك من أجلي، لقد كنت هناك مرة بنفسي". وذلك الكاريكاتير، يشير إلى معارك القدس بين الحلف العثماني الألماني وبين الإنجليز، والذي انتهى بانسحاب الحامية التركية ليلاً من مدينة القدس، وتركها فريسة في أيدي الجنرال اللنبي الذي دخلها ماشياً، كما يفعل الحجاج الصليبيون. 
 
وفي 1918، تعرضت "بانش" للخسائر التي تكبدها الطراد البحري العثماني "ياووز" في المعارك البحرية بين الأتراك والحلفاء. و"ياووز" طراد ألماني اسمه "جوبيان"، ألحق بالبحرية العثمانية في 1914، واشترك في عدة معارك بحرية ضد الإنجليز والروس في شرق المتوسط وبحر إيجه، وتعرض لأضرار جسيمة في إحدى المعارك البحرية بآخر أعوام الحرب. 
المجلة الإنجليزية، نشرت كاريكاتيراً حول تلك المعركة، بأن صورت غليوم الثاني وهو يحتضن السلطان محمد رشاد لمواساته، قائلاً له :"صديقي المسكين، حادثة فظيعة تلك التي سقطت فيها حبيبتنا جويبان"، ليرد السلطان :"هذه إرادة الله". 
 
شحذ الهمم
وبعد خسارة الأتراك في الحرب العظمى، انتقلت الرقابة على الصحافة التركية من الاتحاديين إلى قوات الحلفاء التي احتلت إسطنبول حتى 1922، لكن الكاريكاتير التركي خلال هذه المدة، كُتب له الإحياء من جديد على يد القوميين الأتراك برئاسة مصطفى كمال أتاتورك، والذي اعتمد على الرسوم الكاريكاتيرية لشحذ الهمم، وتعبئة الشعب التركي أثناء حرب الاستقلال التركية اليونانية، التي استهدفت طرد الأجانب من الأناضول. 
 
مجلة "قره كوز" لعلي فؤاد بك، لعبت دوراً كبيراً في ذلك الوقت. ورغم وفاة مؤسسها 27 أغسطس 1919، فإن المجلة واصلت طوال سنوات حرب الاستقلال دورها التعبوي لدعم الحكومة القومية الجديدة بأنقرة، وليس أدل على دورها، من أنها تحولت بعد انتصار مصطفى كمال في حرب الاستقلال إلى الصوت الرئيس للجمعية الوطنية الكبرى، والممثل السياسي للقوميين الأتراك.
 
في أعقاب حرب الاستقلال، صدرت عدة مجلات كاريكاتورية أخرى، إلى جانب "قره كوز" ولذات أغراض الأخيرة، مثل مجلة "عقبة" أو العقاب، التي أصدرها يوسف ضياء أورتاش وأورخان صيفي أورخون عام 1922، وظلت تصدر حتى أغلقت 1977، ما يجعلها المجلة التركية الساخرة الأطول عمرا في تاريخ تركيا.
 
انحسار
رغم ذلك الازدهار الكاريكاتيري، فإن التحولات الإيديولوجية التي شهدتها تركيا بعد إلغاء السلطنة، وتأسيس الجمهورية التركية في أعقاب توقيع معاهدة لوزان 1923، كان من شأنها التأثير على درجة ذيوع المجلات الساخرة التركية. 
عندما رغب مصطفى كمال، في تحقيق التحول العلماني الكامل للأمة التركية الوليدة، قام بالعكوف على خلعها عن تراثها الشرقي، بالتحول من الألفبائية العربية إلى الألفبائية اللاتينية في اللغة التركية المكتوبة، وكان من شأن مثل ذلك الإجراء، التأثير على وضعية الكاريكاتير. 
 
فنتيجة لذلك التغيير الكبير، تحولت النخب المتعلمة في تركيا فجأة إلى مجموعة من الأميين التي تتشارك مع عامة الأتراك في الجهل باللغة التركية الحديثة، والتي أصبحت الصحف مجبرة بقوة القانون على دبج المقالات، وصياغة الحوارات المصحوبة برسوم الكاريكاتير بها، ما أدى إلى تأثر "قره كوز"، التي صدر عددها الأول بالتركية الحديثة في 26 سبتمبر 1931، وغيرها من المطبوعات على مستوى التوزيع اليومي أو الأسبوعي. 
 
وأمام الانهيار الذي لحق "قره كوز"، فإن حزب الشعب الجمهوري الحاكم قام بشراء المجلة من أصحابها، وحولوها إلى مطبوعة حكومية، أصبحت تحت رئاسة الصحافي الشهير سادات سيماوي، مؤسس صحيفة "حرييت". وبدأ الكاريكاتير، في ذلك الوقت في التحول إلى الرموز لإيصال المعاني بدلاً من العبارات الحوارية. وكان أشهر رسامي الكاريكاتير الأتراك في تلك الفترة : جميل نادر (1902 - 1947)، ورامز جوكشي (1900 - 1953). 
 
"قره كوز"، ظلت فاعلة في مجال الكاريكاتير السياسي، حتى انخلعت تركيا عن نظام الحزب الواحد عام 1945، وتحولت إلى التعددية الحزبية. وبعد فوز الحزب الديمقراطي في انتخابات 1950، وانتهاء هيمنة حزب الشعب الجمهوري، فقدت "قره كوز" كل تأثير لها في المجتمع التركي. وصدر العدد الأخير منها في 1955، بعد أن عملت لـ 47 عاما كاملة، نشرت خلالها أكثر من 4000 كاريكاتير، تراوحت بين انتقاد النظام الحاكم في تركيا، وبين التحدث باسمه والدفاع عنه.

المصادر :


Qatalah