يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يحمل العام 2016 ذكريات أليمة للأكراد، فمشاهد حرق الأحياء وقتل النساء بعد اغتصابهن، والتعذيب بتقطيع الأطراف وفقأ الأعين لا تمضي من ذاكرتهم، كلها أحداث تتصور للوهلة الأولى أنها من وحي خيال مخرج لأفلام الرعب في هوليود، لكنها وقعت فعليا في تركيا التي تقدم نفسها بوصفها أحد حماة الإنسانية والحضارة. 

اضطهاد الأكراد والتنكيل بهم سنة عادة وحشية أدمنتها جميع الأنظمة التركية، دموية العثمانيين الجدد لم تقف عند حدود القتل بل وصلت إلى التمثيل بالجثث، ومنع دفنها، فالجيش التركي رفع شعار "لا لتوقير حرمة الموتى"، خاصة في أعقاب الفترة التي انهارت فيها مفاوضات السلام التي استمرت 3 سنوات بين حكومة أنقرة وحزب العمال الكردستاني العام 2015.

ورغم أن إهانة الموتى تعد جريمة في القانون التركي، إلا أن المادة 5237 التي تنص على: "لا يجوز تدمير أو تدنيس المقابر. ويعاقب من يفعل ذلك بالسجن من عام حتى أربعة أعوام"، لم تُفعل يومًا على الأكراد. 

كارثة نصيبين
مدينة "نصيبين" الكردية التابعة لمحافظة ماردين التركية، من أكثر المدن التي تعرضت لعمليات قمع وتنكيل خلال الأحداث الدموية التي شهدتها في 19 يوليو 2016، حاصرتها قوات الجيش لنحو 134 يومًا، وفرضت عليها حظر التجوال، وقطعت عن المدينة جميع الخدمات فلم يجد أهلها طعامًا يسدون به جوع أطفالهم، أو ماءً يرون به ظمأهم. 

 

من الصعب التعرف على معالم المدينة بعد انتهاء العمليات العسكرية، فالقصف المدفعي المتواصل، حول الأحياء الـ6 الرئيسية فيها إلى أنقاض، بعد أن تعرضت لدمار شبه كامل. 

بعد رفع حظر التجول، كان أهالي نصيبين يشاهدون الدمار من خلف الأسلاك الشائكة، النسوة كن ينتحبن أثناء رؤيتهن لمشاهد الدمار، يقُلن في حسرة: "نعم، لقد دُمرت منازلنا. لكننا لا نبكي بيوتنا وإنما ننتظر أطفالنا. هم جثث تحت الركام".

ذكرت صحيفة جمهورييت التركية أن نحو 45 ألفًا من أهالي نصيبين تحولوا إلى مشردين، ووصفت أحوالهم المعيشية بـ المتردية. 

 

أب كردي
الأوضاع المأساوية للأكراد، ترصدها الكاتبة التركية، نورجان بايسال، قالت: "يتعرضون للقمع وهم أحياء، والتمثيل بجثثهم بعد الموت".

سردت قصة الأب الكردي الذي قُتل نجله عن عمر يناهز الـ 20 عامًا في مايو 2017، خلال اشتباكات مع مرتزقة يتبعون نظام إردوغان.

ذهب الأب الكردي إلى ولاية هكاري لمقابلة القائد العسكري، ذاق مرار الانتظار 20 يومًا حتى سُمح له بالمقابلة، طالبه باستلام جثمان نجله، بعدما شاهد صورًا على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر وقوف جندي من قوات العمليات الخاصة بقدمه على جثة ابنه.

القائد العسكري لم يرحم دموع الأب الكردي، ورد على مطالباته قائلا: "إنهم ألقوا بالجثمان في النهر"، فقال الأب: "أريد جثة ابنى. وإذا لم تكن قادرًا.. فبوسعي أن أذهب لاستعادتها". 

ظل القائد يمارس حماقاته التي تعد جزءًا مصغرًا من النظام الحاكم، وقال: "الكلاب والقطط تأكل جثث من قتلوا الأسبوع الماضي".

رد الأب الكردي على القائد الظالم، قائلاً: "حدثت حروب على مر التاريخ، وبعد المعارك حتى مع ألد الأعداء يسمحون للآخرين باستلام جثث قتلاهم.. ما تفعله أيها القائد يتنافى مع كل القوانين الدولية ومع الإنسانية.. أتوسل إليك لا تعذبنا وأعطنا جثمانه، أو دلنا على قبره حتى يمكننا زيارته والبكاء عنده".

القصة المأساوية لا يمكن اعتبارها فردية، تقدمت أكثر من 50 أسرة بطلبات إلى رابطة حقوق الإنسان يقولون إنهم لم يدفنوا قتلاهم حتى الآن.

يقول مدير رابطة حقوق الإنسان في ديار بكر، راجي بيليجي: "الأرقام تصل إلى المئات، لكن للأسف كثير من الأسر تخشى التقدم بطلبات إلينا وإبلاغنا، ومن المستحيل بالنسبة لنا أن نذهب إلى تلك المناطق الريفية للبحث عن الجثث".

ونقل موقع T24 التركي أن النائبة عن حزب الشعوب الديموقراطي، أيجان إرميز، تقدمت باستجواب للبرلمان التركي، في أغسطس 2017، تساءلت عن جثة امرأة، كانت تقاتل إلى جانب حزب العمال الكردستاني، تُركت على الأرض بالقرب من قرية جونيجام في إقليم شرناق، لم يسمح الجنود وميليشيا الحرس الأهلي للقرويين بدفنها، حتى أكلتها الحيوانات. 

 

التمثيل بالجثث
يسجل أحد الأئمة شهادته بالقول: "كنت أستشعر الإعياء كلما نظرت إلى جثث الأكراد. كانت أحيانًا بلا رأس، وأعينهم منزوعة، وأذنهم وأعضاؤهم التناسلية مقطوعة. التعذيب كان يملأ أجسامهم. منذ هذه اللحظة أدركت ما يمكن أن يفعله البشر ببعضهم البعض".

وأوضح تقرير نشره موقع دوفار التركي، أنه خلال العامين الماضيين تعرضت مقابر حزب العمال الكردستاني للقصف والتدمير، في بعض الأحيان تفتح السلطات التركية قبور أعضاء حزب العمال الكردستاني وتزيل الجثث، في أواخر 2017، تم استخراج 267 جثة، ونقلها من مقبرة غاريزان في بيتليس إلى جهة غير معلومة.

 

 

هيلين وجكوار وجميلة
الأطفال الأكراد لم يكونوا أحسن حظًا من أبائهم، دهستهم آلات القتل التركية:

الطفلة الكردية هيلين هاسرت شين  البالغة من العمر 12 عاما، لم يرحم الجيش التركي صغر سنها أو يتعاطف مع صرخاتها وتوسلاتها،  قُتلت في 12 أكتوبر من عام 2015، على يد أحد عناصر الأمن التركي في مقاطعة سور بديار بكر، أكبر مدينة في جنوب شرق تركيا، معقل الأغلبية الكردية، أثناء فرض حظر التجوال.

تقول والدة هيلين: "الشرطة لم تكتف بقتلها بل أزالت اسمها من على قبرها، باستخدام آلة كشط. الجريمة ارتكبت لأن القوات كانت تعتقد أن هيلين اسم كردي مستخدم في أوساط حزب العمال".

هيلين ليست القضية الوحيدة فهناك أيضا صبي يدعى جكوار أليش شوبوك، كان يبلغ من العمر 15 عاما عندما قرر السفاحون الإجهاز عليه، قام الأغبياء بتغيير شاهد قبره الذي كان مكتوبا عليه اسمه، بشاهد آخر كتب عليه "أليش شوبوك".

كما قتلت مدرعة تركية الطفلة جميلة جاغيرغا البالغة 10 سنوات في عام 2015، واضطرت أسرتها إلى الاحتفاظ بها في الثلاجة لمدة 3 أيام، بعد أن رفض المسؤولون دفن جثمانها بسبب الحظر.

ذريعة الخنادق
دوما ما تعلن السلطات التركية أن السبب الرئيسي وراء عملياتها في مدن جنوب وجنوب شرق البلاد هو ردم الخنادق التي يحفرها "حزب العمال الكردستاني"، فبهذه الذريعة تم هدم مدينة "سور" التاريخية.

مدينة سور تتبع محافظة ديار بكر، وتعد بالنسبة للأكراد القلب، ومدينة الذكريات الأولى، وتعرضت المدينة، التي تضرب بجذورها التاريخية حتى 7000 عام، للهدم الممنهج منذ ما يقرب من عامين ونصف العام.

يقول المتحدثان باسم منصة مدينة سور (منصة إلكترونية دشنها عدد من ممثلي مؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية للتصدي لمحاولات هدم سور)، بشرى جيزرالي أوغلو، وطلعت جتين كايا: "البلدة تتعرض لحظر تجوال منذ ما يقرب من عامين ونصف العام، شهدت كثيرا من أعمال الهدم، وبدأ الناس يفقدون أبسط حقوقهم، بعدما أصبح انقطاع التيار الكهربائي والماء بشكل شبه دائم. وضعنا مأساوي بكل ما تحمله الكلمة".

يتابعان: "تعرضت 6 أحياء للدمار بنسبة 72 %، في الوقت الذي خرب فيه حي علي باشا عن آخره، ولحق الدمار بنسبة 5 % بحي لالة بي. إن المساحة، التي تم تدميرها، تعادل مقدار نصف مدينة سور".

كما دمرت مدن: "جزرة وشرناق ويوكسك أووا ونصيبين وسلوان"، الحجة كانت كالعادة وجود خنادق أسفل المنازل، ولم تكن الحكومة التركية تكتفي بهدم الأبنية بل كانت ترتكب جرائم قتل ضد أهلها.

شنت القوات في ذات ليلة هجومًا على إحدى هذه القرى، قتلت من قتلت، ومثلت بالجثث في الشوارع. تركت الجثامين عارية في الساحات والشوارع.

 

 

قتلى الأقبية
أما جزيرة ابن عمر في محافظة شيرناق دوما، فشهدت مذابح وكوارث لا تقل فظاعة عن المجازر السابقة، فخلال حظر التجوال الذي فرضه الجيش عليها، علق مئات الأشخاص في الأقبية - أبنية توجد تحت الأرض -. 

بلغ إجمالي الضحايا الذين سقطوا في أقبية جزيرة ابن عمر في هجوم فبراير 2016، 288 قتيلا، بينهم أشخاص حرقوا أحياءً، نتيجة القصف المدفعي المتواصل عليهم. 

سعى الإعلام الرسمي إلى طمس الجريمة،ادعت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية (تي.آر.تي) أن قوات الأمن في جزيرة ابن عمر تمكنت من دخول الأقبية التي يتحصن فيها الإرهابيون، على الرغم أنهم كانوا مدنيين يتحصنون من القصف المتواصل.

عكف نشطاء على رصد جرائم قوات الأمن في جزيرة ابن عمر، نشروا صورا على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر الانتهاكات ضد الأهالي والتمثيل بالجثث، اكتشفوا وجود جثث لنساء عاريات تعرضن للاغتصاب.

Qatalah