يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بـ 974 سدًا، تحتل تركيا المرتبة الـ11 عالميًا من حيث امتلاك سدود المياه، ما يجعلها تقوم بتخزين مئات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه، على حساب دول الجوار التي تشترك معها في الأنهار الممتدة على طول حدودها.

 أنقرة لا تعبأ بسياسة المصالح المشتركة، ولا مبادئ حسن الجوار، لا سيما منذ وصول "العدالة والتنمية" إلى السلطة سنة 2002 إذ قامت ببناء 33 سدًا.

مازال إردوغان ماضيًا في تنفيذ مخططاته لإنشاء السدود ضمن مشروع "جنوب شرق الأناضول" على منابع دجلة والفرات، اللذين يعتبرهما نهرين تركيين وليسا دوليين وفق المواثيق الدولية.

مشروعات تخدم الدعاية السياسية له، على حساب الشعبين السوري والعراقي، حيث من المقرر ارتفاع العدد إلى 1454 سداً بحلول 2023، فيما تخطط أنقرة لإنشاء 727 سداً في الفترة 2018-2023، ما يعمل على ري 8.5 مليون هكتار من الأراضي الزراعية في تركيا، ويتسبب في تصحر أضعاف هذه المساحة في العراق.

مستقبل كارثي
العراق من أكثر البلدان اعتمادًا على الدول المجاورة لها مثل تركيا في الحصول على مصادر المياه العذبة التي تتدفق إليه من نهري دجلة والفرات.

 مع مضي تركيا في سياستها الانتهازية التي لا تراعي مصالح دول الجوار، في بناء السدود العملاقة التي تحتجز قسما كبيرا من مياه النهرين، وتهدد العراق - الذي يعتمد عليهما بصورة رئيسة في الزراعة وتوفير مياه الشرب - بأزمة خطيرة تؤدي إلى شح الموارد المائية، ما يمثل تهديدا خطيرا يحيق بمستقبل الدولة العراقية.

إحصاءات الاتفاقية الإطارية للتغيرات المناخية في نوفمبر 2013 والتي انضم لها العراق، تظهر صورة مظلمة لمستقبل المياه في العراق.

معادلات رياضية في مجال الدراسات المستقبلية لوضع مياه العراق أشارت إلى أن معدل نقص المياه في الفرات على سبيل المثال سيصل في المستقبل إلى 29 - 73 بالمئة. ما يمثل تحديا للعراق في مجال الموارد المائية في العقود المقبلة، نتيجة سياسة أنقرة الانتهازية في بناء السدود، والسطو على مقدرات دول الجوار من المياه الدولية.

خطر التصحر
العلاقات التركية العراقية تشهد توترًا ملحوظًا بسبب اتباع أنقرة سياسة فرض الأمر الواقع ببناء السدود على منابع دجلة والفرات في المنطقة الجنوبية من أراضيها، ما تسبب في انخفاض شديد من منسوب المياه التي تصل إلى العراق من النهرين والذي بفضلها سمي العراق ببلاد الرافدين، غير أن تركيا التي لا تخفي أحقادها على العرب، تسعى من خلال سدودها الكثيرة لتحويله إلى بلاد القاحلين، بعد جفاف مجرى النهرين فيه. 

السدود أدت إلى ارتفاع خطير في نسبة التصحر، وزيادة الملوحة في الأراضي العراقية، ما أسفر عن جفاف مساحات كبيرة من الرقع الزراعية، وانعكس في نقص حجم المحاصيل الزراعية والإنتاج ، فاضطرت الحكومة العراقية إلى رفع نسبة الاستيراد الزراعي من الخارج، لسد العجز في السوق المحلي.

شح المياه
نقص المياه لم يلق بظلال الخسارة على الزراعة فقط، امتد ليشمل مياه الشرب، حيث بات العراق قاب قوسين أو أدنى من أزمة عطش، بعد آلاف السنين التي كان فيها مضرب المثل في وفرة المياه، والتربة الزراعية الخصبة حتى سميت المنطقة التي يقع فيها بالهلال الخصيب.

2010 اتهمت الحكومة العراقية كلا من تركيا وإيران بحجب المياه عن العراق رغم غزارتها في نهري دجلة والفرات في كلا البلدين.

يونيو 2018 اتهم وزير الموارد المائية العراقي، حسن الجنابي، كلا من تركيا وإيران بتجفيف منابع نهر دجلة في بلاده، بسبب سد إليسو التي شيدته أنقرة على نهر دجلة، وسد مماثل أنشأته طهران على نهر الزاب الصغير.

تعنت تركي
أزمة المياه التي تواجه العراق، فرضت على الحكومة العراقية ضرورة التوصل إلى اتفاق دائم مع تركيا لتأمين مصادر المياه والتخلص من الخطر الذي يتهدد البلد بالفناء، غير أن تركيا لا تقدم على توقيع مثل هذا الاتفاق، ما دفع الحكومة العراقية إلى أن ترفض التوقيع على اتفاقية اقتصادية مع تركيا في مايو 2011 تقوم من خلالها الأخيرة بضمان حصة محددة من المياه.

الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية آنذاك، علي الدباغ، قائل في مؤتمر صحافي إن أنقرة ترفض التوقيع على اتفاقية تزويد العراق بحصة محددة من المياه، لافتا أن الحكومة العراقية مستمرة في استخدام علاقاتها مع تركيا للضغط عليها  من أجل الحصول على ضمان حصة مائية منصفة للعراق.

نهر الفرات
نهر الفرات أحد أكبر الأنهار في المنطقة، ينبع من  جبال طوروس جنوبي تركيا يتكون من فرعين: مراد صو وقره صو، يكونان بعد التقائهما نهر الفرات الذي يمر بالأراضي السورية ثم العراق حتى يلتقي بنهر دجلة عند مصب شط العرب في الخليج العربي.

الفرات يقطع ثاني أطول مسافة له في الأراضي العراقية، بإجمالي طول 1160 كيلومترًا، ويقع عليه أكثر عدد من المدن في الدول الثلاث، بإجمالي 16 مدينة هي: القائم والحديثة وهيت والرمادي والفلوجة وبابل والهندية وكربلاء والديوانية والشامية والكفل والكوفة والسماوة والناصرية والبصرة وقضاء المدينة.

 بالأراضي العراقية يمر نهر الفرات بدءًا من مدينة القائم بمحافظة الأنبار، وبعدها ببابل، ثم يتفرع منه شط الحلة قبل أن يمر بمدينة كربلاء، والنجف والديوانية، ثم بالسماوة، والناصرية، إلى أن يتّحد بنهر دجلة حيث يصبان في النهاية في الخليج العربي عند شط العرب.

سد أتاتورك
تركيا سعت إلى تقليص حصة العراق وسورية من مياه الفرات، شرعت في بناء عدد من السدود أكبرها "أتاتورك" المصنف ثالث أعلى سد في العالم، والذي بدأ يحجز المياه عند منابعه التركية سنة 1990 لمدة شهر كامل، ما تسبب في انقطاع المياه في مجرى النهر في الأراضي العراقية والسورية التي يمر بها النهر أولًا.

"أتاتورك" أكبر سدود مشروع "جنوب شرق الأناضول" الذي يضم 22 سدًا و19 محطة كهرمائية، بهدف استصلاح مساحة كبيرة تعادل بلجيكا. ويحجز خلفه بحيرة صناعية كبيرة تصل مساحتها إلى 817 كم²، ويلي "أتاتورك" من حيث الحجم سد كيبان الذي يحجز خلفه بحيرة صناعية بمساحة 675 كم².

لا يوجد اتفاق نهائي لتقاسم مياه الفرات بين الدول المتشاطئة وهي تركيا وسورية والعراق، في حين اتفقت سورية مع العراق عام 1989 على إطلاق 58% من مياه نهر الفرات الواردة إليها من تركيا لتكون الحصة الباقية لسورية 42%، أما تقليل حصة سورية من المياه فقد كان نتيجة للسدود التركية باعتبارها  الدولة الثالثة التي يمر بها النهر.

نهر دجلة
"دجلة" أحد الرافدين في بلاد العراق، وهو النهر الذي تقع على ضفافه العاصمة بغداد، ينبع من جبال طوروس، جنوب شرق الأناضول في تركيا، ويجري مسافة 50 كيلومترا في سورية قبل أن يدخل إلى الأراضي العراقية.

يصب في النهر عدد من الروافد النهرية مثل أنهار الخابور والزاب الكبير والصغير والعظيم وديالي، وعند مدينة الكوت العراقية يتفرع إلى فرعين هما الغراف والدجيلة، ويلتقي دجلة بالفرات عند منطقة الكرمة جنوبي العراق ليصب في الخليج العربي عند شط العرب.

دجلة في العراق يمتد لمسافة 1400 كيلومتر من أصل 1718 كيلومترًا هي إجمالي طول النهر، وللعراق النصيب الأكبر من المدن الواقعة على ضفتيه بإجمالي 10 مدن هي: الموصل وبعقوبة وبيجي وتكريت وسامراء وبغداد والكوت والمدائن والعمارة والقرنة.

سد إليسو
2006 شرع رجب إردوغان، رئيس الوزراء التركي آنذاك، في إنشاء سد "إليسو" على مجرى نهر دجلة جنوبي شرق تركيا، ضمن 22 سدًا من مشروع "جنوب شرق الأناضول" الذي تقوم أنقرة بتشييدها على نهري دجلة والفرات.

بمسافة 65 كيلومترا فقط يبعد السد عن الحدود العراقية ويبلغ ارتفاعه 135 مترًا، ومساحة حوضه 300 كيلومتر مربع، ورغم الاعتراضات الدولية بسبب الآثار البيئية الخطيرة التي تنجم عنه، فضلًا عن تأثيره في انخفاض منسوب نهر دجلة، مضى إردوغان في تنفيذ مخططه غير عابئ باحتجاجات بغداد، أو مناشدات منظمات حماية البيئة الدولية.

حصة العراق من دجلة 20.93 مليار متر مكعب سنويًا، قبل بناء سد "إليسو"، انخفضت إلى 9.7 مليار متر مكعب سنويًا بعد بنائه، ما يعني أن تركيا قامت بالاستيلاء على 53.6 بالمئة من حصة العراق من نهر دجلة وحده.

سبتمبر 2018 عقب بناء سد إليسو بثلاثة أشهر فقط، شهد مجرى دجلة جفافًا شديدًا في العراق، نتيجة بدء أنقرة في ملء حوضه في يونيو من العام نفسه، لدرجة كان بإمكان المواطنين العراقين عبور مجرى النهر سيرًا على الأقدام.

 العراق واجه أسوأ وأخطر أزمة مياه في تاريخه الذي يمتد لآلاف السنين بسبب الحرب التي تشنها تركيا المتحكمة في منابع الرافدين، ما استدعى احتجاجًا عراقيًا واسعًا، وفي مارس 2019، فيما ضرب إردوغان بكل الاحتجاجات العراقية عرض الحائط وأعلن استئناف ملء حوض السد.

Qatalah