يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


14 يونيو 2019 حزب إردوغان وحلفاؤه قلقون من حزب منافس

يشير دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية، إلى أن هناك 103 أحزاب سياسية تعمل في تركيا. لكن السياسي المخضرم جميل تشيشيك يقول إن عدد الأحزاب السياسية العاملة في البلاد يبلغ 81 حزباً. وأنا اتساءل هنا، أي هذين الرقمين صحيح؟

وفي رأيي، فإن مسألة عدد الأحزاب التي لدينا حالياً في تركيا ليست بالأمر المهم على الإطلاق. فهناك خمسة أحزاب في مجموعات برلمانية؛ وتسعة من الأحزاب التي ليست لديها مجموعات برلمانية ممثلة في البرلمان، بينما عدد الأحزاب التي ستشارك في إعادة الانتخابات على منصب عمدة إسطنبول هو 12 حزباً فقط.

ويقف الحزب الحاكم وحليفه، حزب الحركة القومية، على جانب واحد يتمتعان بموقف قوي لتشكيل ملامح المشهد السياسي في البلاد وحدهما بفضل النظام الرئاسي للحكومة، القائم منذ أكثر من عام. وعلى الجانب الآخر، يقف كل شيء غيرهما في السياسة التركية، لأن كل ما هو غيرهما ليس مهماً.

فإذا كنت زعيم الحزب الحاكم، فأنت لديك السلطة لإلغاء انتخابات متنازع عليها وإعادتها. الأكثر من ذلك، هو أنك إذا شكّلت تحالفاً مع الحزب الحاكم، فأنت تتمتع بميزة أن تقول إنه "لا حاجة لتأسيس حزب سياسي جديد".

وقد صار موضوع "عدد الأحزاب في بلدنا" نفسه أحد موضوعات الساعة، فقط بسبب هذا.

وبينما كان زعيم حزب الحركة القومية يطرح رأيه بخصوص الموضوع على الجمهور عندما سُئل عن شخصية سياسية بارزة تسعى لتأسيس حزب جديد، قال "لدينا بالفعل 103 أحزاب، إذا كان ينوي أن يضيف الحزب رقم 104، فلا يسعني إلا أن أتمنى له كل التوفيق". في المقابل، تساءل السياسي المخضرم قائلاً "لدينا حالياً 81 حزباً سياسياً، فما الداعي لأن يكون هناك الحزب رقم 82؟"

ويتبنى السياسيان الرأي الذي يقول إنه لا حاجة لتأسيس حزب جديد، وأن من يسعون إلى تأسيس هذا الحزب الجديد يدورون في حلقة مفرغة.

هل تعتقدون أنهم على حق؟

الشعب سيقرر إذا كانت هناك حاجة لحزب جديد.

وتبذل شركات استطلاع الرأي العام المزيد من الجهد في الفترة السابقة على إجراء الانتخابات. وكثيراً ما تسأل تلك الشركات المشاركين في استطلاعات الرأي عدداً من الاسئلة الإضافية أيضاً لإشباع فضولها، أو لتقديم خدمة أفضل لزبائنها من خلال طرح صورة مفصلة على أساس ما توصلت إليه بشأن عدد من القضايا ذات الصلة. وكثيراً ما يكون القليل من تلك الاسئلة الإضافية مُعدٌ لمعرفة اتجاهات تفكير الناس بشأن الحاجة إلى حزب سياسي جديد.

وتشير المسوح التي اطّلعت عليها حتى الآن بوضوح إلى أن التطلعات لتأسيس حزب جديد مرتفعة أكثر من ذي قبل. تفرض هذه التطلعات نفسها على القواعد الشعبية لجميع الأحزاب القائمة بالفعل.

ويعني هذا أن جزءاً معتبراً من جمهور الناخبين يسعى إلى شيء ما في الحزب الجديد المفترض، لا يستطيع الناخب أن يجده في الأحزاب الموجودة بالفعل.

وقد رصدنا توقعاً مشابهاً منتشراً على نطاق واسع في الأيام التي سبقت الألفية الجديدة (وفي أوائل الألفينيات). والقليل من الأحزاب التي كان اسمها يرد ذكره بين حين وآخر مع تعليقات مثل أنها "تأسست لكن دون فائدة" ينتمي إلى تلك الفترة. ويُنظر إلى تلك الأحزاب على أنها أمثلة على الأحزاب السياسية التي ظلت دائماً على الهامش من دون أي دعم شعبي. بيد أن حزب العدالة والتنمية الذي تاسس في الفترة ذاتها، خرج فائزاً في أول انتخابات يشارك فيها، وظل في السلطة منذ أكثر من 17 عاماً.

وكان دولت بهجلي هو من مهد الطريق أمام حكومة حزب العدالة والتنمية، حيث لم يجعل أمام الحكومة الائتلافية التي كان حزبه جزءاً منها في ذلك الوقت خياراً آخر سوى أن تُجري انتخابات مبكرة. وقد كان الرجل يرى أيضاً في ذلك الوقت أنه لا حاجة لتأسيس حزب جديد. في الإطار ذاته، ظل جميل تشيشيك في البداية ضمن مجموعة من السياسيين سعت لتأسيس حزب جديد في تلك الأيام، على الرغم من أنه انحاز في نهاية المطاف إلى حزب العدالة والتنمية.

وأسس فريق من السياسيين حزب العدالة والتنمية. وقد كان هؤلاء على دراية جيدة بتطلعات الشعب التركي لحزب جديد، فوضعوا برنامجاً للحزب يستجيب لحاجات البلاد في تلك الأيام، وتمكنوا من الوصول بحزبهم إلى السلطة في زمن لا يذكر.

وما من شك في أن ظروف الوضع الحالي مختلفة عن تلك التي كانت موجودة في السنوات الأولى من الألفينيات. وحتى حزب العدالة نفسه لا يمثل اليوم أحزاب تلك الفترة من حيث الطريقة التي يستخدم بها قوة الدولة. ومن ثم، فأنا أعتقد أن من يُطلَب منهم أن يستعدوا لتأسيس حزب جديد يجب أن يكونوا على دراية كاملة بالمهمة الصعبة التي أمامهم.

وبالنسبة لي، فلا حاجة للخوف من تأسيس أحزاب جديدة، أو لبذل جهود لوقف مثل تلك المبادرات، خاصة بالنسبة للسياسيين الذين يعتقدون أن أي مبادرة لتأسيس حزب جديد مصيرها الفشل.

والحزب السياسي هو دليل على العمل الجماعي وأداء فريق من الناس التف حول رؤية بعينها وبرنامج محدد. وكل دولة بحاجة دائماً إلى مثل هذا الفريق من الناس الذين يسعون إلى تحويل الأفكار الجديدة والواعدة إلى حقيقة على أرض الواقع.

أوروبا تسعى إلى بدائل جديدة – فهل تعتقدون أن تركيا لا تسعى؟

أجرت أوروبا انتخابات البرلمان الأوروبي قبل يومين. ولم نجد الوقت الكافي أو الفرصة لمناقشة التداعيات المحتملة لنتائج الانتخابات، بسبب انشغالنا كثيراً بأجندتنا. لكننا نعرف قبل كل شيء أن هناك تراجعاً في حجم التأييد لأحزاب الاتجاه العام التقليدي. وقد صار واضحاً أن الناس في عدد مختلف من البلدان في أوروبا يسعون إلى بدائل جديدة.

وقد زاد الانجذاب العام لبعض الأحزاب التي قد تُعتبر بدائل للأحزاب الاتجاه العام القديمة خلال الانتخابات. وعلى الرغم من أن تلك الأحزاب تأسست قبل وقت ليس بالبعيد، فإنها نجحت في حصد مقاعد لنواب منها في البرلمان الأوروبي أكثر مما حصدت الأحزاب التقليدية الراسخة.

وتخلق الظروف الجديدة حواراً جديداً وتأتي بوجوه جديدة أيضاً. وليست مفاجأة أن أوروبا تواجه الآن هذه الحقيقة – لكن دعونا ننحي هذا الحديث جانباً، سواء كان ذلك أمراً جيداً أم سيئاً.

صارت تركيا اليوم مختلفة بشكل واضح جداً عما كانت عليه في بداية الألفينيات. والمنطقة التي يقع فيها بلدنا، والعالم كله، لديها مجموعة من الخصائص المميزة التي لا يمكن مقارنتها بتلك التي كانت موجودة في تلك الفترة. ويجد الخطاب السياسي القائم صعوبة في استيعاب الاتجاهات الجديدة في يومنا هذا. ويبدو من يشعرون بالحاجة إلى وجود حزب جديد لا يلقون بالاً لعدد الأحزاب السياسية القائمة، حيث أن لديهم الفضول والتطلعات للبدائل الجديدة.

ومن المفترض أن يشجع الساسة الموجودون في الأحزاب السياسية القائمة المبادرات الجديدة التي يطرحها من سيظهرون فيما يبدو على الساحة السياسية عما قريب بدعوى تنفيذ المهمة بشكل أفضل. ولا يُفترض بهؤلاء الساسة أن يضعوا العراقيل أمام مثل تلك المساعي إذا كانوا يعملون في السياسة بهدف خدمة الشعب والوطن بحق – أليس هذا هو المفترض بهم أن يكونوا عيله؟

فليخرج إلى النور الحزب الثاني والثمانين أو الثالث والثمانين، أو الرابع أو الخامس بعد المئة، وليكن الحكم على مميزات كل حزب وآفاقه أمراً متروكاً للناس.

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah