يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحظى الأحزاب الإرهابية التي ترتدي عباءة الدين وتعد المبادىء المتطرفة نهجاً لها بوافر الحرية في المجتمع التركي، فلا حظر لأنشطتها ولا تضييق على أعضائها وقادتها، ضمن مخطط الرئيس رجب إردوغان لنشر الأفكار المتشددة في محيطه الإقليمي والعالم بوصفه "قائد المسلمين" كما يزعم ويعتقد.
يبرز من تلك الكيانات المتشددة حزب التحرير الذي يتبنى أفكارا متطرفة ويملك اعترافا من المحكمة الدستورية العليا بعدم إرهابيته، ويمارس فعاليات بحشد الجماهير وعقد المؤتمرات في أنقرة، بينما تضيق الحكومة على الأحزاب المدنية خاصة التابعة للأكراد، باستخدام كل أشكال التنكيل، من اعتقال المئات من أعضائها وقادتها وحظر أنشطتها، إلى تكميم أفواه التابعين لها مرورا بالإبعاد عن البرلمان خوفاً من كسر هيمنة حزب العدالة والتنمية الحاكم.

محظور في كل مكان عدا تركيا
حزب التحرير تنظيم سياسي متأثر بفكر جماعة الإخوان الإرهابية ومؤسسها حسن البنا، جرى تأسيسه في القدس أوائل عام 1952 على يد القاضي تقي الدين النبهاني، بعد ما اعتبره تهاوي حال العالم الإسلامي إثر سقوط السلطنة العثمانية في إسطنبول عام 1924، ويُسمى القيادة السياسية بـ"الإمارة" يتولاها "أمير الحزب" وكان النبهاني الأمير المؤسس وقاده حتى وفاته 1977.
للحزب انتشار واسع في حوالي 37 دولة مشكلا 37 ولاية، أبرزها فلسطين ولبنان ودول شرق آسيا وبعض العواصم الغربية مثل أستراليا وبريطانيا التي وضعته تحت المراقبة،  والحزب محظور في معظم البلاد العربية والإسلامية، وفي ألمانيا جرى وقف نشاطه من قبل وزارة الداخلية في يناير 2006 واعتباره تنظيما غير شرعي، بدعم من المحكمة الفيدرالية، كما حظر في روسيا بسبب دعوته إلى تقويض أنظمة الحكم القائمة وإحلال الخلافة كبديل.

كراهية الديموقراطية
يزعم حزب التحرير أن هدفه يتمثل في توحيد صفوف المسلمين والدعوة لإنشاء دولة الخلافة المزعومة. وعثر على خريطة للعالم داخل بيوت عدد من أعضاء الحزب الإرهابي في مدينة أضنة توضح المخطط التوسعي الذي يستهدفه مع وجود توضيح باللون البرتقالي لكل الدول التي تتضمنها الخلافة المتوهمة وتشمل "تركيا، والحدود الممتدة من أوكرانيا إلى إسبانيا، ومن كازاخستان إلى الهند، ومن بلاد المغرب العربي إلى الجابون، ومن مصر إلى موزمبيق ومن مدغشقر إلى إندونيسيا". 
يتبنى الحزب منذ نشأته عددا من المبادئ التي لا تعرف الاعتدال، تمثل أداة التنظيم في نشر فكره المتطرف وتحقيق أوهام الخلافة. إذ يهدف لهدم نظام الجمهورية في الدول الإسلامية التي يعتبرها "دار الكفر" ويدعو لإنشاء الخلافة، معتبرا أنه ليس من الممكن تحقيقها دون اللجوء للعنف والإكراه، كما يرى أن تركيا الدولة الوحيدة القادرة على إنقاذ المسلمين مما يصفه بـ"أنظمة الكفر" والاستعمار الغربي بإقامة الخلافة الراشدة الثانية.
يحرم "التحرير" الديموقراطية ويرفض الرأسمالية ويعتبرها سببا في شقاء الناس، وفي نفس الوقت يكفر المذاهب الاقتصادية الاشتراكية والشيوعية ويعتبر نفسه خصما سياسيا لها، ويستبدلها بنظام وضع النبهاني أسسه بناءً على اجتهاداته الشخصية.
وفي أدبياته عن نظرته إلى العلاقات الدولية، يحرم أعضاؤه توقيع أية معاهدات سياسية أو اقتصادية أو ديبلوماسية مع الدول التي يصفها بالاستعمارية مثل إنجلترا وأمريكا وفرنسا وروسيا، لأنها "تُعتبر دولاً محاربة حكماً"، كما يدعو إلى الدخول في حرب مع إسرائيل ومنع رعاياها من دخول بلاد المسلمين، وقد تشكل هذا المبدأ في خطاب مفتوح بلهجة عدائية واضحة من الحزب "ولاية تركيا" إلى سفارتي إنجلترا وأميركا مطالبا بترك كل الأراضي التي يوجدون فيها فورا.

داعش تنظيم سلمي
اعترف الحزب بعدم إرهابية داعش وأظهره كتنظيم سلمي لا يرتكب أية أعمال العنف، وأنه ليس كيانا محتلا، وافتضح الأمر في تصريح محمد كار رئيس المكتب الإعلامي في "ولاية تركيا" قائلا: أنتم لا تستطيعون إظهار داعش في تلك الأراضي على أنه محتل، مؤكدا أن محاربته لوحدات الدفاع الشعبي وقوات البيشمركة في سورية جاء بناء على طلب الغرب، مبرئا إياه من الأعمال الإرهابية الشنيعة التي يرتكبها.

الحزب في حضانة تركيا
يعد موقف الحكومة والقضاء التركيان من الكيان الإرهابي مغايرا تماماً للمواقف من الأحزاب الأخرى، كما توجد العديد من الأدلة التي تؤكد وجود رابط بين التنظيم ونظام إردوغان، ففي وقت تصنفه معظم الدول إرهابيا، تقف أنقرة راضية أمام أنشطته وتغض الطرف عن حشود يجمعها في الميادين من خلال مؤتمرات تضم الآلاف، بينما القضاء قرر تبرئته من صفة الإرهاب، بناء على طلب المتحدث باسم الحزب في تركيا "يلماز شيلك" المعاقب بالسجن 6 أعوام و 3 أشهر بتهمة "عضوية تنظيم إرهابي".
بررت المحكمة الدستورية قرارها بعدم وجود أدلة كافية على إدانته، فيما قررت المحكمة العليا، وفقا لصحيفة جمهورييت، إعادة محاكمة شيلك نظرا لعدم كفاية الأدلة، فضلا عن النظر في قضايا بعض المنتمين للتنظيم وتبرئتهم ما يوضح مدى تواطؤ الحكومة والقضاء مع الفصائل الإرهابية. 
يعقد الحزب فعاليات بقلب العاصمة أنقرة وسط حماية مكثفة من قوات الأمن، أبرزها مؤتمر الخلافة العالمي في أبريل 2016 بعنوان «الخلافة: حلم أم واقع قادم»، وقدر الحضور بحوالي خمسة آلاف شخص احتشدوا  تحت سمع وبصر وحماية السلطات التركية، ما دفع الكثيرين إلى تأكيد تعمد حكومة العدالة والتنمية غض الطرف عن عقد منظمة المتطرفة الاجتماعات المحرضة على الإرهاب على بعد أمتار من المجلس التشريعي التركي.


اللافت أن الدعوة اتجهت إلى المطالبة بقيادة تركيا "الخلافة" الجديدة، من خلال تركيز المشاركين في رسالتهم على أهمية أنقرة سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا، ودورها في إنقاذ المسلمين مما وصفته بـ"أنظمة الكفر" والاستعمار الغربي بإقامة الخلافة الراشدة الثانية، وقالوا إن راية الخلافة أسقطت وينبغي إعادة رفعها مرة ثانية، ما يوضح سبب تواطؤ وصمت  إردوغان حيال التنظيم الإرهابي. 
الشواهد كثيرة على وجود رابط بين الحكومة التركية والحزب المتطرف فقبل وصول إردوغان للحكم لم تكن حرية الاجتماع والعمل والحشد الجماهيري مكفولة فوق الأراضي التركية للتنظيم، وأثبتت روسيا والعديد من دول العالم بالوثائق وأفلام الفيديو وغيرها وجود روابط بين أنقرة وتنظيمات إرهابية مثل داعش خاصة فيما يتعلق بعمليات الدعم اللوجستي والتسليح والتجارة الخارجية غير المشروعة،  لذلك فليس من المستغرب تواطؤ حكومة العدالة والتنمية مع تنظيم التحرير الإرهابي في الوقت الذي تدعم فيه كيانات متطرفة أخرى.

Qatalah