يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على طريقة قسمة الغرماء، أصبح رفاق القتل بالأمس القريب شركاء في الحكم اليوم بأنقرة، وصار لجماعة ملطخة بدماء الأكراد مكان اليوم على الساحة السياسية بين الأحزاب الرسمية في تركيا.

سمحت الحكومة التركية لميليشيا "حزب الله" أن تحترف السياسة بعد احتراف القتل، وتؤسس حزبا أطلقت عليه "الدعوة الحرة" في العام 2002، أثارت الخطوة دهشة الكثيرين وقتها، فيما فضحت تعاون الحكومة والجماعة المسلحة من تحت الطاولة على مدار عشرات السنين.

 

 

وجاء قرار تحويل جماعة حزب الله التركي من ميليشيا دموية إلى حزب سياسي على يد رئيس الوزراء الأسبق بولنت أجاويد، المنتمي لحزب اليسار الديموقراطي، لتوفير حماية لأعضاء الجماعة الإرهابية من الملاحقات القضائية.

تعاون حزب العدالة والتنمية مع "الدعوة الحرة"، ونسق معه في السباق الانتخابي ليحصل على عدد من المقاعد البرلمانية ضمنت ولاءه الدائم، والاستفادة منه فيما بعد سياسيا.

البدايات الأولى  
"حزب الله التركي"، هو تنظيم مسلح أسسه حسين ولي أوغلو عام 1979 في مدينة باطمان جنوب شرق الأناضول. وزعم أوغلو فور تدشينه للحزب أنه يستهدف إقامة دولة إسلامية دستورها الشريعة، إلا أن عمليات القتل الممنهجة ضد الأكراد - بإشراف حكومي - كشفت وجهه القبيح، ومع ذلك لم يكن أحد باستطاعته وقف جرائمه المتلاحقة.

 

تورطت الجماعة المسلحة في قتل أعضاء من حزب العمال الكردستاني، والمتعاطفين معه في الطرقات وتحت أعين الشرطة، الأمر الذي اعتبره مراقبون تواطؤا من الحكومة مع أنشطة الحزب الإرهابية.

الانشقاق الأول 
في ديار بكر، التقت مجموعة من الشباب أوغلو، وطالبوه بتأسيس حركة إسلامية سنية فاستجاب لهم، وأسس "حركة وحدة" وانضم له في قيادتها وفيدان جونجور.

خلال العام 1989، اعتدت عناصر من حزب "العمال الكردستاني" على امرأتين؛ فأصر حسين والي أوغلو على الرد بالسلاح، ولكن جونجور خالفه الرأي وفضل التريث، في محاولة لإقناعه بأن حمل السلاح لم يحن بعد.

تشبث أوغلو برأيه، فقرر فيدان جونجور، وانضم إليه ممثل الحركة في إسطنبول حسن شان غول، الانشقاق عن "حركة الوحدة"، وتأسيس "جماعة المنزل".

الانشقاق الثاني
انسحب المقربون من أوغلو واحدا تلو الآخر، فوجد نفسه في موقف صعب، بينما كان يريد المضي في طريقه الدموي إلى أقصى مدى، فغادر "وحده" وأسس جماعة "العلم" في العام 1982، وقبل مرور خمس سنوات اشتعلت النزاعات بين جماعتي المنزل والعلم، وتحديدا في 1987، ووصلت إلى صدام مسلح سقط خلاله جونجور في المعارك.

وحتى يغسل يديه من دماء صديقه تخلى أوغلو عن جماعة العلم، أو بالأحرى أطلق عليها اسمًا جديدًا هو "حزب الله"، وأنشأ له مقرات عديدة في المدن التركية، بجانب المساجد التي يجتمع فيها أتباعه، فضلا عن قاعات الضيافة التي استخدمها لتجنيد الشباب، ومراكز التدريب على السلاح التي خرجت فرقًا إرهابية.

القتل بالضوء الأخضر 
بضوء أخضر من الحكومة، كثف التنظيم عملياته خلال العام 1990، مستهدفًا الأكراد في مدن الجنوب (نصيبين، وباطمان، وجيزري، وسيلفان)، ونفذ سلسلة من الاغتيالات بحق عدد من الكتاب المهتمين بشؤون الأقليات الكردية، ودفعت الأعمال الوحشية لـ"حزب الله" العديد من عناصره إلى الهرب، خاصة بعد قتل الكاتبة كونجا كوريش.

 

 

 

عدم خضوع أعضاء الحزب للمحاكمات، وإدارة عمليات القتل في وضح النهار، أظهرت مدى تواطؤ أجهزة الأمن مع عناصر التنظيم، ودفعت العديد من الدوائر التركية إلى التأكيد على وجود تنسيق بينهما.  

وكشفت اعترافات عناصر من "الدعوة الحرة" عن أنه تم توقيفهم لاحقًا بسبب زيادة عملياتهم الإرهابية، تلك العلاقة السرية بين الجماعة والحكومة، يقول خليل جولر: "الشرطة المدنية ألحقتني بالتنظيم، ورئيس بلدية جزري سهل انضمامي له". 

وقال رئيس الاستخبارات السابق بولنت أواك أوغلو: "رأيت قائد تنظيم حزب الله الكردي حسين أوغلو بجوار العميد تمال جين قائد قوات الدرك في مدينة أدنة، عام 1991".

وفي 1994، كشفت تحقيقات القضاء عن اختفاء شحنة أسلحة، فيما عرف بفضيحة "سوسولروك"، وهي القضية التي بينت دور الحكومة التركية، وقواتها المسلحة في دعم عدد من العصابات الإجرامية المنظمة بينها حزب الله، وذكرت صحيفة CNN Türk أن الأسلحة ذهبت إلى حزب الله وعدد من المنظمات الإجرامية، لتنفيذ عمليات اغتيال وتفجيرات في مدن الأكراد. 

علاقتهم بإردوغان 
دخل الحزب في تفاهمات مع "العدالة والتنمية"، ففي تحرك يعزز من فرضية عدم تركه للسلاح، وأنه لا يزال يقدم خدمات مشبوهة لصالح الحكومة، فقد عادت لشوارع جنوب وجنوب شرق تركيا خلال العام 2014، مشاهد القتال ما بين حزب العمال الكردستاني وعناصر حزب "الدعوة الحرة".

كما قرر حزب "الدعوة الحرة" دعم إردوغان في الانتخابات الرئاسية التي عقدت في 24 يونيو الماضي، وقال عبر حسابه الرسمي على "تويتر": "نستمر في موقفنا ومبادئنا التي أعلناها في استفتاء 16 أبريل، سندعم إردوغان الذي أوضح إرادته في استمرارية الحكم بالنظام الرئاسي في الانتخابات المقبلة"، ويربط مراقبون تحدثوا لصحيفة جمهورييت بين موقف الحزب من الانتخابات الرئاسية ودعمه للرئيس التركي، وتسهيل النظام لهم المشاركة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

وفيما يتعلق بعملية "غصن الزيتون" التي احتل خلالها الجيش التركي مدينة عفرين السورية، يقول زعيم "حزب الدعوة الحرة"، زكريا يابيجي أوغلو في تصريحات لموقع سبوتنيك: "في الحقيقة تركيا لا تحارب عناصر وحدات حماية الشعب (ي ب ك) أو حزب العمل الكردستاني (بي كاكا)، لأن هؤلاء قوات أميركا البرية. نحن نقاتل واشنطن".

Qatalah