يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


حسن يشيلداغ رجل غامض، يتحرك في الخفاء، جاء من الصفوف الخلفية ليحظى بثقة الرئيس التركي، وأصبح الرجل الأول، المكلف بتنفيذ عدة مهام قذرة، بأوامر مباشرة من إردوغان، أهمها إطلاق يده للسيطرة على وسائل الصحف ووسائل الإعلام، لتكون أبواقًا دعائية للخليفة المزعوم وحربه المقدسة ضد الإرهاب، بالإضافة إلى تشويه وشيطنة المعارضين.
 
استخدم يشيلداغ شقيقه زكي عضو مجلس بلدية بيوكشهير عن الحزب الحاكم، كواجهة لإخفاء جرائمه، إذ تورط حسن في قضايا قتل واتجار بالمخدرات، لكنه ظل بعيدا عن أي عقاب بسبب علاقته بإردوغان.
لم يكن غريبا أن يظهر للعلن من خلال صفقة الاستحواذ على ملكية مؤسسة "إس ميديا جروب" الإعلامية في 2017، اللافت أنه اشترى المجموعة من رجل الأعمال أدهم سنجاق حليف إردوغان أيضا، وهو ما يكشف عن أدوار أخرى بدأ يضطلع بها يشيلداغ داخل العصابة الحاكمة في أنقرة.
يشيلداغ له ماضٍ أسود في الجريمة، حسب ما قالته الصحفية إسين جيديك في مقالها بجريدة "يورت"، إنه أحد رجال عبد الله تشاتلي، المسؤول الأول في قضية سوسورلوك (تنظيم أرجنكون)، وأنه اتهم بالمشاركة في جريمة قتل مدير تحرير جريدة "ملييت" عبدي ابيكتشي عام 1979، وتم إخلاء سبيله بعد اعترافه على شركائه.
إجرام يشيلداغ امتد إلى قلب أوروبا، وتمكنت السلطات السويدية من القبض عليه بتهمة الاتجار في المخدرات عام 1997، وباعتباره مجرما عتيدا ومخضرما استغل بعض ثغرات القانون السويدي، وتمكن من الفرار إلى أنقرة، ليبدأ رحلة صعوده السياسي بين أروقة العدالة والتنمية.
 
حارس شخصي
استغل المجرم الغامض علاقاته بمسؤولي سجن بينار، لتوفير الرعاية لرجب إردوغان داخل محبسه بعد القبض عليه عام 1999 بسبب قصيدة له هاجم فيها النظام الحاكم حينذاك، رد السجين رجب الجميل لصديقه القديم، وأمن له صعودا سياسيا سريعا لتأمين صعوده السياسي، وتحقيق مكاسب مالية غير معلومة المصدر، وتقول الصحفية إسين جيديك إنه منذ تلك اللحظة تحول يشيلداغ إلى ظل إردوغان، وتعددت لقاءاتهما، ولم يعد يفارقه فيما بعد.
 
صحيفة "جمهورييت" أكدت في تقرير لها نشر عام 2017، أن يشيلداغ لفق لنفسه قضية تزوير شيكات ليسجن لمدة 4 أشهر عام 1999، بغرض التقرب إلى إردوغان، ورعايته داخل السجن، كان يملك ثروة كبيرة وقتها، وقبل القبض عليه كان يمتلك ثمانية بيوت فخمة، تقيم فيها حاشيته وأفراد عصابته، وهو ما يؤكد أن أمر حبسه مدبر، فقد أدرك بموهبة اللص الفطرية أن الرجل القوي في حزب الرفاه لمؤسسه نجم الدين أربكان، سيكون له شأن في السياسة التركية مستقبلا، وربما تكون علاقتهما أبعد من ذلك فكلاهما من أبناء مدينة ريزا شمال تركيا.
 
يشيلداغ قام بترتيب الأمور في السجن قبل دخول إردوغان إليه بثلاثة أيام، وتدخل لنقل بعض المحكوم عليهم، وأعاد توزيع آخرين، حتى أنه قام بفرش السجن بالسجاد، وقام بتغطية النوافذ بالستائر، حتى ليظن أحدهم أنه منزل إردوغان وليس محبسه، ووفر له كل وسائل الراحة والترفيه، كما يذكر التقرير. 
وضع اللص المحترف كاميرات مراقبة في كل اتجاه، ورجال مسلحين لتأمين السجين إردوغان، وأعد له طاولة اجتماعات، وهاتفا نقالا. 
 
ويعلق الكاتب دوغان أكن على تلك المهزلة في صحيفة TR24 قائلا :"بينما لا يستطيع أحد الدخول بشيء إلى السجن، ولو بحفنة تراب في يده، تم إدخال سجاد وسخانات مياه، وطاولات وكراسي، ومقاعد جلدية، وشاشة تلفزيونية كبيرة، وحتى ديب فريزر وثلاجة، وكأن إردوغان كان في رحلة سفر، وأقام في جناح فندقي وليس سجنًا".
حصل يشيلداغ على مكافأة من إردوغان بعدما بدأ الأخير في الإمساك بتلابيب السلطة منذ 2002، وقربه من دائرته الصغيرة، وبدأ في تقديمه لدوائر صنع القرار، ومنذ عام 2008 يظهر بشكل دائم مع أعضاء ووزراء "العدالة والتنمية"، وتقول "جمهورييت" إنه شارك في احتفالات عيد مدينة ريزا في نفس العام، وكان يقف متوسطا وزير الدولة حياة يازجي، ونائب البرلمان علي بيرام أوغلو، ومحافظ الولاية يلماز كاتمير.
 
ذراع الرئيس
بمرور الوقت زادت ثقة إردوغان في يشيلداغ، الذي أصبح أهم رجال دائرته الضيقة، ومنحه الأخضر للسيطرة على كبرى الصحف والفضائيات، كهدية لخادمه الذي يعتبره حارسه الشخصي.
وظف إردوغان حاكم أنقرة صديقه تاجر المخدرات لتنفيذ مخطط الاستحواذ على الصحف والفضائيات، لإخراس المعارضة وغلق نوافذها الإعلامية، بعد مسرحية انقلاب يوليو 2016، ورصدت صحيفة "جمهورييت" في تقرير لها في 2017 الصفقات التي سيطر من خلالها يشيلداغ على وسائل إعلام، تحولت مع الوقت إلى منابر تأييد مطلق لرجب إردوغان.
وفي غضون عام واحد اشترى صحف "ستار" و"أكشام" و"جونيش" ذائعة الصيت، وقنوات "360 TV" و"قنال 24"، و"LigRadyo"، ضمن سيطرته على مجموعة "إس ميديا جروب" الإعلامية، من مالكها السابق أدهم سنجاق أحد أهم رجال إردوغان في مجال صناعة الأسلحة عبر رئاسته لشركة BMC العسكرية.
 
جرائم بالجملة
يشيلداغ الذي تحول إلى أحد كبار رجال أعمال "العدالة والتنمية" في السنوات الأخيرة، يسعى لمحو سجله الإجرامي الذي وثقته بعض المقالات لكتاب معارضين، نجحوا في إحياء صورة يشيلداغ، كرجل عصابات من الطراز الأول.
في تقرير لصحيفة جمهورييت بعنوان "جناية عبدي إبيكشي..تساؤلات محيرة" ذكرت أنه في عام 1979 تم اغتيال إبيكشي مدير تحرير جريدة ملييت على يد المدعو محمد أغجا، الذي حوكم بالسجن حينها 37 عاما، وذكرت الصحيفة أن القاتل لم يكن بمفرده، وأن الاستخبارات التركية ضالعة في الجريمة، خصوصا أن يشيلداغ كان من بين المتهمين، لكنه حصل على إخلاء سبيل، بعدما وشى بجميع شركائه . 
 
لم ينفذ أغجا الاغتيال بمفرده، حيث تم الكشف عن العديد من الأسماء المتورطة، وأكدت الصحيفة في تقريرها أنه عند القبض على أغجا جن جنون أخيه عدنان الذي تحدث بغضب أمام الإعلام من محبسه، وضمن ما قال :"تعرفون خزانة أسرار إردوغان حسن يشيلداغ، لقد كانا يتقابلان معا، إن شريك محمد علي أغجا هو حسن يشيلداغ، لقد كانا معا في منطقة كارتال".
 
وقد أثارت الصحيفة التساؤلات حول أسباب عدم التحقيق في اتهامات عدنان على الرغم من أنه كان أمام شاشات التليفزيون، لكن صحيفة "جري خط" المستقلة نشرت في تقرير لها عام 2017 أن نائب مساعد السكرتير العام لحزب الشعب الجمهوري محمد سيفيجن، قدم تساؤلات رسمية في البرلمان، عن العلاقة التي تجمع إردوغان بكل من يشيلداغ وأغجا، وطالب بالتحقيق في الحديث السابق لأخيه حسن، وحقيقة استخدام يشيلداغ لقربه من إردوغان في الحصول على كثير من الصفقات داخل بلدية إسطنبول. 
وطالب سيفيجن السلطات بالكشف عن كل الوثائق والمعلومات المتعلقة بالعلاقة يشيلداغ وأغجا من قبل، وتساءل مسؤول حزب الشعب عن حقيقة العلاقة التي تجمع بين يشيلداغ ووزير المالية السابق، كمال أوكتان، ووزير المواصلات حينها بن علي يلدريم، ودورهم في حصوله على صفقة تطوير رايلي سيستم، أحد خطوط مترو إسطنبول. 
 
تجارة المخدرات بالسويد  
في مقال للكاتب تونجاي أوزكان بجريدة ملييت تحدث فيه عن العلاقة التي تربط تاجر المخدرات وإردوغان، وقال: "كان يشيلداغ من رجال عصابة عبدالله تشاتلي، أحد عملاء الحكومة السريين، وقاتلا محترفا، قاد مجموعة الذئاب الرمادية، فرع الاغتيالات السري لحزب الحركة القومية خلال السبعينيات، لكنه أنهى علاقته بهم فيما بعد، حين اندمج في تجارة المخدرات".
وبعد القبض عليه على ذمة قضية اغتيال إبيكتشي، خرج بصفقة مشبوهة، وهرب إلى السويد، وفي استوكهولم تم إلقاء القبض عليه بسبب اتجاره في المخدرات، وأعماله المخالفة للقانون، ولكنه تمكن من الفرار مرة أخرى، وعاد إلى أنقرة مجددا، وتصنفه أجهزة الأمن الأوروبية كأحد كبار تجار المخدرات على مستوى القارة.

Qatalah