يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


من خلال تبني خطاب يشحن أنصاره بكل أشكال الكراهية والعداوة تجاه "الآخرين"، سواء داخل تركيا أو خارجها، يحاول نظام الرئيس التركي، رجب إردوغان، أن يجعل جماهيره المشحونة بالحماس تنسى، ولو مؤقتًا، الأوضاع المزرية التي تعيشها والصعوبات التي تواجهها جراء أزمة اقتصادية طاحنة يئنون منها منذ أغسطس الماضي.

بخطابه القائم على "بقاء تركيا أو زوالها"، يسعى الرئيس التركي بكل الطرق لإقناع الشعب بأن هناك "أعداء في الداخل والخارج" يخططون لتقسيم البلاد وإسقاطها، لذلك لم يكن غريبًا أن توجه تهديداته يمينًا ويسارًا في محاولة لربط مصير حكمه بمستقبل تركيا.

تهديدات إردوغان لم تقتصر على تركيا، بل امتدت إلى الخارج حيث أخذ الاتحاد الأوروبي نصيبه من تهديدات الرئيس، حيث وصفه في مارس الماضي، بـ"أعداء الإسلام"، عقب إصداره قرارًا بتعليق مفاوضات انضمام أنقرة بعدما تجاوزت الخطوط الحمراء في انتهاكات حقوق الإنسان.  

لذلك كله، لم يكن غريبًا أن تتحول مباراة في كرة القدم إلى أزمة دبلوماسية بين تركيا وفرنسا، بعدما صفرت الجماهير الحاضرة لمباراة منتخبي البلدين ضمن التصفيات المؤهلة لبطولة الأمم الأوروبية 2020 على النشيد الفرنسي أثناء عزفه.

الجماهير المشحونة بخطابات العداء للغرب وعلى رأسه فرنسا، لم يقتصر سلوكها "غير المقبول" بوصف الرئيس الفرنسي عند محاولة التشويش على نشيد المنتخب الفرنسي، بل صاحبت كل لمسة للكرة من لاعبي منتخب "الديوك" صيحات استهجان طوال المباراة من قبل الجماهير التركية.

غضب فرنسي
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصف تصفير المشجعين الأتراك على النشيد الوطني الفرنسي في المباراة التي جمعت منتخب بلاده بالمنتخب التركي السبت الماضي بـ"الفعل غير المقبول".

وذكر بيان صادر عن قصر الإليزيه، أن "رئيس الجمهورية تأثر بصافرات الاستهجان، وأبلغ رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، نويل لوغريت، بامتعاضه من السلوك الذي بدر من المشجعين الأتراك".

وفق صحيفة "لوفيجارو"، فإن ردود السياسيين بعد التداول الواسع للواقعة في مواقع التواصل الاجتماعي في فرنسا، كانت سريعة حول الموضوع، وكانت ماري لوبان زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني من أول المتفاعلين.
 
وقالت لوبان في تغريدة على "تويتر"، إن "التصفير على نشيد وطني، النشيد الفرنسي في هذه الحالة، هو عار وإهانة لقيم اللعب النظيف"، مضيفة أنها "تنتظر من الفيفا معاقبة الاتحاد التركي لكرة القدم".

وتبنى الرئيس السابق لمنطقة  إيل دو فرانس، فاليري بيكريس، دعوة مارين لوبان مطالبًا الفيفا بتحمل مسؤولياته، وحظر إقامة مباريات على الاستاد التركي الذي شهد الواقعة.

بيكريس أوضح أنه من غير اللائق التصفير خلال عزف النشيد الوطني للخصم "فرنسا"، معتبرًا أن سلوك الجماهير له معنى سياسي، قائلًا: "نحن ندين سياسة إردوغان في تركيا ولدينا الحق في ذلك".

الأمر لم يكن مقتصرًا على الصافرات أثناء عزف النشيد الفرنسي فحسب، بل صاحبت كل لاعب فرنسي يلمس الكرة صيحات استهجان طوال المباراة، فيما حاول رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، نويل لوغريت، التقليل من الحادث أمس الاثنين قائلًا: "لم يتم الترحيب بـ"البلوز" بشكل جيد من قبل عدد من المشجعين الأتراك ولكن تم استقبالهم بشكل جيد للغاية من قبل الآخرين، لذلك بالنسبة لي لا توجد مشكلة".

في حين وصفت "لوفيجارو" ردة فعل لو جراييه بـ"الساذجة"، لافتة إلى أنها لا تتماشى مع إشارات العداء تجاه فرنسا من قبل الجمهور التركي بتحريض من رئيسهم إردوغان، الذي يدعوهم إلى احتقار أوروبا باسم الإسلام المُحارب والغازي.

وفي ضوء هذا الاحتقان الفرنسي، لم يكلف إردوغان نفسه عناء الرد على ماكرون أو حتى تقديم اعتذار عما حدث خلال المباراة، بل إنه احتفى بفوز منتخب بلاده، ناشرا صورة من احتفالات اللاعبين، مع عبارة "تهاني لتركيا".

ثلاثة أسباب للاحتقان
بحسب مراقبين، فهناك ثلاثة ملفات تسببت في تصاعد الأزمة بين نظام إردوغان وفرنسا، على رأسها يقع موقف باريس الرافض لطمس المذابح التي ارتكبها العثمانيون في حق الأرمن، والتي تسببت في إبادة مليون ونصف المليون شخص في بداية الربع الثاني من القرن الماضي.

إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرابع عشر من أبريل يوما وطنيا لإحياء ذكرى الإبادة، مثل شكل صفعة على قوية على وجه أنقرة التي لطالما دفنت رأسها في الرمال.

فيما وجد الأليزيه في القمع الذي تمارسه سلطات إردوغان ضد المعارضين في البلاد في أعقاب محاولة الانقلاب المزعوم صيف 2016، سببا كافيًا لحرمان تركيا من الحصول على مقعد داخل الاتحاد الأوروبي.

ومرة أخرى يظهر ماكرون ليخرج لسانه في وجه إردوغان، يلتقي الأكراد في عاصمة النور وهو يشد على أيديهم، مؤكدا وقوف فرنسا معهم في خندق واحد، ضد مخططات أنقرة الرامية إلى بسط النفوذ التركي على مناطقهم، وتكرار سيناريو عفرين. 

إبادة الأرمن
أكثر القرارات التي أزعجت أنقرة من باريس، كان تخصيص فرنسا 24 أبريل من كل عام يومًا وطنيا لإحياء ذكرى مذبحة الأرمن، في اعتراف بمجازر العثمانيين التي حصدت نحو 1.5 مليون أرمني (1915- 1916)  عن طريق سلسلة من الجرائم البشعة التي استخدم فيها الأتراك مختلف وسائل التعذيب. 

التحرك الفرنسي جاء في إطار وفاء ماكرون بوعد قطعه في حملته الانتخابية، فيما حاول المتحدث باسم الخارجية التركية، حامي أقصوي، قلب الحقائق، زاعمًا أن الأرمن هم من تآمروا على الدولة العثمانية، وأن بلاده كانت في موضع الدفاع عن النفس، قائلا : "لابد من اتباع نهج موضوعي بغية إدراك كل جوانب فترة سقوط الدولة العثمانية التي شهدت مقتل أكثر من 500 ألف مسلم من قبل المتمردين الأرمن".

الشاشات التركية روجت لسلسلة من الأكاذيب بشأن تدعيم الأرمن للجيش الروسي أثناء محاولته غزو شرق الأناضول، عبر عملهم على تعطيل طرق إمدادات الجيش العثماني اللوجستية، وإعاقة تقدمه، بارتكابهم انتهاكات ضد المدنيين.

الاتحاد الأوروبي
منذ عهد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، ترفض باريس انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، فيما حافظ الرئيس إيمانويل ماكرون على الموقف ذاته بطرح التحفظات الفرنسية تجاه انضمام تركيا إلى المجموعة الأوروبية، واستعاضتها عن عضوية الاتحاد الأوروبي بإقامة شراكة مع الاتحاد.

فرنسا أكدت أن تركيا تعاني تجاوزات في ملف حقوق الإنسان وقمعا لحرية الصحافة، وقال ماكرون في لقاء مشترك مع إردوغان مطلع العام الجاري: "من الواضح أن التطورات الأخيرة والخيارات، لا تتيح تحقيق أي تقدم في العملية القائمة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي"، داعيا نظيره التركي إلى "احترام دولة القانون".

الأكراد 
أبريل الماضي، عبرت حكومة إردوغان عن غضبها من استقبال وفد تابع لقوات سورية الديمقراطية ذات الغالبية الكردية في قصر الإليزيه للمرة الثانية خلال أقل من عام، مع وعود من باريس باستمرار الدعم وهو ما يهدد الأطماع التركية في سورية.

الوفد التقى ماكرون الذي جدد عزمه استمرار دعم باريس لقوات سورية الديمقراطية على مختلف الأصعدة، ووعدهم بإبقاء الجنود الفرنسيين، مع تقديم دعم مالي لإعادة إعمار سورية، وتعزيز الخدمات العامة في مناطق الإدارة الذاتية الكردية بالبلد العربي المنكوب.

الدعم الفرنسي جاء في وقت كانت أنقرة تظن أن الأكراد أصبحوا لقمة سائغة بعد القرار الأمريكي المفاجئ بالانسحاب من شمال البلاد مطلع العام الجاري، والذي وجد فيه إردوغان فرصة للتمدد والقضاء على الأكراد وقيم الشمال السوري.

وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي، قالت خلال مقال نشرته في فبراير الماضي بصحيفة "لو باريزيان"، إن "إعلان الانسحاب الأمريكي من سورية خلط الأوراق في المنطقة ولا أحد يعلم حتى الآن إلى ماذا سيفضي". مضيفة: "من واجبنا فعل كل شيء لتفادي جعل عناصر قوات سورية الديمقراطية ضحايا لهذه التطورات".

الخارجية التركية دانت استقبال وفد قوات سورية الديمقراطية التي تروج لكونه أحد أذرع حزب العمال الكردستاني المحظور، ووصفت في بيان خطوة الرئيس الفرنسي بالخاطئة واعتبرتها تتعارض مع علاقته بالحلفاء.

البيان قال إن تركيا لن تتردد في اتخاذ التدابير اللازمة لتأمين أمنها القومي والوقوف ضد ما يهدد "وحدة سورية السياسية ووحدة أراضيها" ما يتناغم مع التهديد الذي أطلقه إردوغان سابقًا بشن هجوم على مناطق شرق الفرات يستهدف "وحدات حماية الشعب الكردية" على غرار ما حدث في عفرين.

دعم مالي وسياسي
بدران جيا كُرد، أحد المسؤولين البارزين في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية، قال في مقابلة إعلامية إن اللقاء جاء بدعوة من الرئيس الفرنسي، لافتًا إلى أن باريس رصدت ميزانية مالية لدعم الإدارة الذاتية من الناحية الإنسانية إلى جانب دعم جهودها بمحاكمة أسرى الدواعش المعتقلين لديها.

مطلع أبريل الماضي، أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان رصد مليون يورو مساعدة إنسانية للنازحين في المخيمات في شمال شرق سورية، خاصة مخيم الهول الذي يخضع لإدارة قوات سورية الديمقراطية ويضم 73 ألف شخص.

المسؤول الكردي ذكر أن ماكرون مهتم بتهديدات تركيا لمناطق الإدارة الذاتية في شرق الفرات، قائلا إن باريس تعمل على إقناع أنقرة لخفض التوتر بينها وبين الإدارة الذاتية.

جيا كرد نقل عن الرئيس الفرنسي "إدراكه مدى تهديدات أنقرة ومعالجتها بالطرق السياسية، كي لا تسنح لها الفرصة بهجومٍ جديد على المنطقة"، معتبراً أن استقبال فرنسا أكثر من مرة وفودا من الإدارة الذاتية يمثل "دعماً سياسياً واضحاً".

بحسب المسؤول الكردي، فقد عبر الرئيس الفرنسي عن قلقه إزاء ما يحدث بمدينة عفرين، مشيراً إلى أنه "يراقب الوضع في المدينة عن كثب، وسيعمل على الحفاظ على التنوع الثقافي والقومي في المنطقة".

ماكرون انتقد عملية "غصن الزيتون" العسكرية التي احتلتها تركيا بعد أن كانت تحت سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية، وقال أثناء تنفيذ العملية: "نتمنى ألا تكون حجة للاحتلال".

Qatalah