يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عقب احتلالهم لمصر لم ينج فلاح واحد من ظلم العثمانيين، أطلقوا عليه فرقة السباهية لتأخذ منه كل ما يستطيع أن يجنيه من أموال، وحين فرغت جيوبه، انتزعوا أبواب وشبابيك بيته، وصادروا ماشيته وأغنامه، ليسود الفقر البلاد وينتشر الظلم في الأقاليم المصرية. 
من خلف الستار تولت الفرق العثمانية الحكم في الأقاليم المصرية، وكان أبرزها السباهية (الخيالة) أكبر الفرق التي سمح لها السلطان سليم ومن بعده ولده سليمان بفرض الضرائب والإتاوات التي أثقلت كاهل الفلاحين وقلبت حياتهم إلى جحيم لم يستطيعوا التخلص منه.
وضع العثمانيون نظاما لحكم مصر يتألف من عدة هيئات على رأسها الوالي ثم الديوان والحامية العسكرية وأخيرا المماليك، ما أدى إلى نشوب صراع فيما بينها للحصول على أكبر قدر من الامتيازات ليسقط الفلاح في نهاية الأمر ضحية نتيجة الضرائب المفروضة عليه من كل فرقة.
بمجرد أن غادر سليم الأول مصر، ثارت الحامية العثمانية وتزعمت فرق السباهية عمليات سلب ونهب شملت القاهرة والأقاليم أدت إلى تجويع  المواطنين، كتبوا إلى خاير بك يطلبون منحهم الحق في فرض إتاوات والحصول على امتيازات تسمح لهم بامتلاك مساحات من الأراضي قائلين: "نحن لا يكفينا هذا القدر ثلاثة نصف فضة في اليوم. كل شيء في السوق غال، رتب لنا جوامك (راتب) ألفين كل شهر ولحم، وفرق علينا إقطاعات" ،لكن الوالي رفض زيادة راتبهم الشهري، بينما سمح لهم بفرض إتاوات وضرائب غير رسمية على الفلاحين.
انشغل الباشوات بجمع الثروات الطائلة وأهملوا تدبير شؤون الحكم وتوفير الأمن ومراقبة الأوضاع في الأقاليم فانتشرت الفوضى وساد الفقر بين المصريين، ما ساعد على ازدياد نفوذ حكام الأقاليم ومعاونيهم من فرق السباهية، فتمكنوا من فرض ضريبة الطلبة التي تم تحصيلها بالقوة، خاصة بعد وضع قانون نامه الذي أصدره السلطان سليمان القانوني وينص على أن تكتب تراخيص الطلبة ويوقع عليها الباشا العثماني، ثم يقوم الدفتردار بختمها والتوقيع عليها، ما سهل للجنود ابتزاز الفلاحين.

السباهية يفرضون السيطرة

استغل جنود السباهية وظائفهم في الريف بفرض إتاوات غير مشروعة على الفلاحين أبرزها "الطلبة"، التى أخذ اسمها من "المطالبة"، وهي عبارة عن أموال يفرضها الجنود على الكشاف (حاكم الإقليم)، ليقوم بدوره بتحصيلها قهرا من الأهالي تحت حجج واهية، وبالغ الجند في مقدار الضريبة التي كانت تختلف قيمتها حسب أهوائهم، لدرجة أنها تخطت الأموال الأميرية (الضريبة الرسمية السنوية).

أصيب الرعية بالفقر والمرض، وتعرضت الدولة لأزمة اقتصادية ضربت أركان السلطنة في القرنين الـ16 و17 بعد أن عجزت عن دفع رواتب الفرقة، وتعويضا لهم كان الوالي يكتب لهم عقود انتفاع تجيز لهم تحصيل الأموال من الأهالي. 
تعرض الفلاحون لعمليات سلب ونهب منظمة على يد السباهية، ويصف ابن إياس ذلك بقوله: "وتزايد منهم الفساد في حق الناس، وصاروا يتوجهون إلى القرى ويأخذون ما فيها من الأبواب والسقوف والشبابيك الحديد ويحملونها على الجمال، ويبيعونها بأبخس الأثمان، ولم يجدوا من يردهم عن ذلك، ثم صاروا يقطعون الطريق من البر والبحر ويأخذون الغنم والأوز والدجاج، وصار أهل مصر معهم في غاية الضنك".
ارتكبت فرقة الخيالة الكثير من المظالم، فساءت أحوال الفلاحين ويذكر محمد أبي السرور البكري أنهم: "بالغوا في فرض الضريبة وهددوا الكشاف حتى وصل الأمر أن يكتب لهم في كل شهر طُلبة، ولم يزل يعظم أمرها إلى أن صار يكتب للناحية الواحدة في اليوم ثلاث طُلب أو خمس فخربت البلاد".
لم يكن أمام الفلاحين من سبيل سوى الشكوى لكل باشا جديد يتولى حكم مصر، على أمل وضع حد لما يحدث، بينما لم يجدوا من يستمع إليهم أو يرحمهم.
تولى محمد  أبي السرور البكري الالتزام على قرية في المنوفية، وكانت الأموال الأميرية المفروضة عليها 100 ألف نصف فضة (عملة عثمانية)، أما جنود السباهية فقد زادوا عليها 200 ألف إتاوة إضافية تحت مسمى الطُلبة، "وصار جند السباهية يفرضون الطُلبة على الفلاحين والمزارعين في ساير الأقاليم، وعلى العاملين والبطالين ويضاعفونها في كل سنة، إلى أن زادت على أموال المقاطعات".
وينتقد الشيخ عبد الواحد البرجي نظام الحكم العثماني الظالم بقوله:
نظام مصر العزيزة قد غدا مخروم * وصار في أرضها القاطن بها محروم
وذل فيها العزيز الفاضل المكروم * لما بتاريخها جارت الروم

القتال على الطلبة 
زادت نفقات القصور العثمانية في عهد مراد الثالث الذي تولى حكم الدولة العثمانية من عام 1574 إلى 1595، توسع السلطان في اقتناء الجواري والغلمان، وعجزت الخزانة عن دفع رواتب الجنود والحامية العسكرية بالولايات، فطلب من أويس باشا سد عجز الخزانة من مصر.
أصدر الباشا أوامره إلى فرق السباهية بوقف تحصيل الطُلبة ليس رحمة بالفلاحين ولكن لأنه سيقوم بجمعها لصالح خزانة السلطنة بعد أن قرر زيادة الأموال المرسلة إلى إسطنبول إلى ثلاثة أضعاف، ما تسبب في إعلان السباهية التمرد على الباشا العثماني، وقرروا العصيان وأعلنوا الثورة المسلحة.
في أغسطس 1589 هجم الجنود على قصر أويس باشا بالقلعة ونهبوا ممتلكاته، واقتادوا معهم ابنه كرهينة حتى يتنازل عن قراراته ويسمح لهم من جديد  بتحصيل الطُلبة، وتحت التهديد اضطر الباشا إلى التخلي عن الضريبة لهم.
تسبب انتصار السباهية على الوالي في ازدياد غرورهم وتعسفهم مع الأهالي، تكرر حصارهم للقاهرة والهجوم عليها وارتكابهم لأعمال واسعة من السلب والقتل، ووصلت جرأتهم أبلغ مدى حينما تصدوا للوالي إبراهيم باشا، وتمكنوا من قتله مع الأمير محمد بن خسرو في 25 سبتمبر 1604، وطافوا برأسيهما في شوارع القاهرة.
في عام 1607 أرسل السلطان أحمد الأول إلى مصر محمد باشا على أمل تزويد الخزانة السلطانية من أموال الفلاح المصري، وخاض الباشا معارك طاحنة مع السباهية في شوارع القاهرة والأقاليم، عانى خلالها الفلاح خاصة بعد أن هدم الجنود جسور النيل وغرقت الأراضي الزراعية.
استمرت المعارك لشهور استطاع خلالها محمد باشا محاصرة السباهية، وإجبارهم على التخلي عن ضريبة الطُلبة لصالح الوالي، ويذكر أبو السرور البكري ما دار في اجتماع الباشا بأغا السباهية قائلا : "أخذ عليهم العهد بإبطال الطُلبة وأن من سعى في أخذها أو تسبب في طلبها بحيلة من الحيل، أو سبب من الأسباب يكون ساقطا من ديوان الجند، بعد التنكيل به والتمثيل والتحقير، فأقسم له الجند جميعهم يمينا واحدة وأشهدوا على أنفسهم أنهم من الآن لا يمشون في طريق شيء يقال له الطُلبة، ولا يطلبونها ولا يتفوهون بذلك ولا يذكرونه على ألسنتهم".
لم تمض عدة أشهر حتى نقض الجنود عهدهم "وصاروا ينزلون البلاد ويغرمون أهلها الغرايم ويُذبح لهم منها الماية رأس غنم ومن البقر والجاموس شيء كثير"، وفق ابن أبي السرور البكري، لتعود الضريبة للظهور من جديد، بينما يشير أحمد شلبي عام 1664 إلى بشاعة السباهية في تحصيل الطُلبة فيقول: "وأحدث سياوش أغا مظلمة على جميع البلاد وسماها الطُلبة وهي باقية إلى زماننا وتسمى طُلبة سياوش أغا وهي كانت في نظير خدمته".

المصادر:
محمد بن إياس : بدائع الزهور في وقائع الدهور
عبدالرحمن الجبرتي : عجائب الآثار في التراجم والأخبار
عبدالرحيم عبدالرحمن : تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني
محمد أبي السرور البكري : كشف الكربة في رفع الطلبة
أحمد شلبي بن عبدالغني : أوضح الإشارات فيمن ولي مصر القاهرة من الوزراء والباشات
جمال كمال محمود : الأرض والفلاح في صعيد مصر في العصر العثماني
عفاف مسعد السيد العبد : دور الحامية العثمانية في تاريخ مصر

Qatalah