يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على وجه الذئب تجري دموع التماسيح، يتباكى رجب إردوغان على انهيار دولة الخلافة التي قضى عليها أجداده، سحقتها خيول سليم الأول في مصر، بعد أن قبض السلطان الهمجي على المتوكل - آخر خلفاء الدولة العباسية- وأرسله أسيرا إلى إسطنبول، ظنا أن باستطاعته ملء المكان الشاغر، لكن الشروط السبعة التي يجب أن تتوافر في الخليفة لم يكن سليم يمتلك منها سوى شرطين فقط، فيما رفضت الدماء القرشية الاعتراف به.
قاد سليم الأول انقلابا في سياسة الدولة العثمانية مع بدايات القرن السادس عشر، تمثل في تحويل العمليات العسكرية من الجبهة الأوروبية إلى المشرق الإسلامي، أشهر السلطان سيفه في وجه إخوانه المسلمين مصر والشام، بعد أن انتزع من شيوخه فتوى تبيح له قتال المماليك وغزو أراضيهم وإهدار دمائهم.
بالخيانة نجح السلطان في التغلب على المماليك، اشترى ذمم القادة، فتمكن من الإيقاع بسلطانهم قانصوه الغوري وقتله في موقعة مرج دابق شمال الشام عام 1516، وفي مصر دفع الرشاوى إلى رجال طومان باي آخر سلاطين المماليك فسلموا رقبته إليه، ليتم شنقه على  باب زويلة.
 
 
انتزع عمامة الخليفة
لمعت عمامة الخليفة في عيون سليم الأول، فأراد أن يرتديها بأي ثمن ليحكم العالم الإسلامي بطريقة شرعية تتيح له وضع يده على ثرواته دون معارضة، أصدر أوامره باعتقال المتوكل - آخر خلفاء بني العباس- الذي كان يملك ولا يحكم ويعتبره المسلمون رمزا لوحدتهم وقوة دينهم، نفاه إلى إسطنبول بعد أن استولى على إرثه من الممتلكات النبوية.
أراد السلطان العثماني إخراج المنصب المهيب من البيت العباسي، ونقل مدلولاته المادية والروحية إلى نفسه وسلالته من بعده، ولكن طموحه اصطدم بالشريعة الإسلامية نفسها، ومبادئ السياسة الشرعية التي استقر عليها علماء الإسلام طيلة 900 عام.
 
الدماء القرشية تحرم السلطان من اللقب
7 شروط لا بد من توافرها بإجماع فقهاء الإسلام في الخليفة، أحصاها القاضي أبو الحسن الماوردي، المتوفى في القرن الخامس الهجري، في كتابه "الأحكام السلطانية والولايات الدينية"، وهي: العدالة، والعلم، وسلامة الحواس، وصحة الأعضاء، وحُسن الرأي، والشجاعة، والنسب القرشي.
إذا كان سليم قد تمتع بسلامة البدن ووفرة الصحة، فإن اشتهاره بالظلم وسفك الدماء أضاع عليه شرط العدالة، كما أن استخدامه المستمر لسلاح الخيانة في كسب حروبه أطاح بشرط الشجاعة، وحتى في حال توافر الشروط الـ6 الأولى في شخصه، فإن غياب الشرط الأخير تحديدا، والمتعلق بالنسب القرشي، كان العقبة الكؤود التي لا يمكن للسلطان تجاوزها أو القفز عليها.
ظل البند الخاص بقرشية الخلافة محتفظا بفاعليته بين المسلمين، حتى بعد ضعف الخلافة العباسية نفسها وانهيارها على يد المغول، استمد سلطته الذاتية من الحديث النبوي "الأئمة من قريش"، وواصلت المدارس الفقهية رفضها الكامل لنقل الخلافة إلى أي عرق غير عربي، وهو ما احترمه الأمراء المماليك الذين حكموا بلاد الشام ومصر ابتداء من القرن الـ 13، وأحيوا الخلافة العباسية ونقلوها إلى القاهرة.
 
إلغاء الخلافة بفرمان عثماني
رفض الفقهاء بشكل قاطع نقل الخلافة إلى سليم الأول، ما أجبره على التراجع عن مخططه، والتوقف عن المضي فيه، لتفتتح مواجهة سليم الأول مع علماء القاهرة مسيرة الكراهية الطويلة بين العثمانيين والمشرق العربي، بسبب عقدة النقص داخل نفوس السلاطين الذين لم يألوا جهدا في معالجتها بإذلال الشعوب وتحجيم نفوذ حضارتهم.
كتب سليم الأول الفصل الختامي للخلافة التي عاش المسلمون في ظلالها قرابة الـ900 عام، وغيب وجودها للأبد، أعاد المتوكل إلى القاهرة بعد تجريده من منصبه حيث مات عام 154، ونقل سلطاته الدينية إلى شيخ الإسلام في إسطنبول، الذي حلل للسلاطين القتل، وسمح لهم بشرب الخمر، وأباح  الزنا والربا ومعاشرة الغلمان.
 
 
بالإجماع.. سليم سلطان لا خليفة
خلت ألقاب سليم الأول من مسمى خليفة المسلمين أو أمير المؤمنين، وتمثلت في: السلطان الغازي، سلطان السلاطين، وخاقان الخواقين، ملك البحرين وحامي البرين، وخادم الحرمين،  وأجمع مؤرخو عصر سليم، وعلى رأسهم سعد الدين خوجه وأحمد فريدون بك وشيخ الإسلام كمال أفندي، وكذلك ابن إياس وابن زنبل الرمال وابن طولون من مؤرخي مصر والشام، أجمعوا على أن سليم لم يتسمى بلقب الخليفة يوما، ولم يتم الإشارة إلى الواقعة المزعومة بتنازل الخليفة المتوكل العباسي عن الخلافة لصالح سليم الأول في أي كتاب لهم، كل ما ذكروه أن سليم اكتفى بتجريد المتوكل من الخلافة تحت تهديد السيف، وعاد الأخير إلى القاهرة في عصر سليمان القانوني، والطريف أن أهالي مصر كانوا يسلمون على المتوكل باعتباره خليفة المسلمين حتى وفاته.
وينقل ابن إياس في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" مراسلات سليم الأول مع طومان باي آخر سلاطين المماليك، والتي قال فيها سليم إنه يعتبر نفسه السلطان الشرعي لأنه حصل على سلطته بعهد من الخليفة العباسي، وبالتالي فهو يعترف أنه ليس خليفة، وحين بسط نفوذه على القاهرة أمر الخطباء بأن يدعوا له بصيغة "انصر اللهم السلطان بن السلطان، مالك البرين والبحرين، وكاسر الجيشين، وسلطان العراقين، وخادم الحرمين الشريفين، الملك المظفر سليم شاه"، وهي نفس ألقاب السلطان المملوكي الذي يخضع لشرعية الخلافة العباسية.
المؤرخ ابن أبي السرور البكري، وهو من النخبة المصرية المؤيدة للاحتلال العثماني، لم يذكر أيضا في كتابه "التحفة البهية في تملك آل عثمان الديار المصرية"، لقب الخليفة لا مع سليم ولا أي من سلاطين العثمانيين، ولم يعترف لهم بأية شرعية، وهو موقف المؤرخ المصري الكبير عبد الرحمن الجبرتي، الذي ذكر في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" أن سليم الأول بعد احتلاله لمصر "رجع إلى بلاده وأخذ الخليفة العباسي، وانقطعت الخلافة والمبايعة".
 

Qatalah