يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


21 أكتوبر 2018 حكاية "أبناء غُولدانه" الأرمنية بتركيا

كتبتُ هنا قبل أسبوعين قصةً بعنوان "ابن من أبناء يوزغات"، أردتُ بها أن أبيِّن مشاعر من أجبرتهم ظروف القهر على ترك موطنهم، والعيش بعيداً عنه. تلقيتُ، بعد نشر هذه القصة، العديد من ردود الأفعال، التي رفعت من روحي المعنوية، في وقتٍ نعيش فيه جميعاً أزمة نفسية كبيرة. وقد طالبني كل من حدَّثني عن هذا الموضوع بالمزيد من هذه الحكايات.
كانت حكاية "ابن من أبناء يوزغات" هي حكاية عن أسرة أرمنية. وأود هنا أيضاً أن أحدثكم عن حكاية أخرى باسم "أبناء غُولدانه"..
ولكن إذا قصصتُ لكم هذه الحكاية فأعدكم أنه لن تكون هناك حكايات أخرى عن الأرمن.
بدا طاقم العمل في مستشفى "يَدَي كوله صورب بيرجيتش" كمن أصابه ضرب من الجنون، وهم يسرعون الخطى داخل أروقة المستشفى الطويلة. كان باب المستشفى الخشبي الواقع في مدخلها مفتوحاً باستمرار، ليسهل عملية الدخول والخروج التي لا تنقطع أبداً. لقد أسندوا مهمة فتح الباب إلى شخص يدعى ساركيس. لم يظن ساركيس أن الأمر سيكون بهذه الصعوبة عند بهو المستشفى، الذي يشبه في جماله وتنسيقه حديقة قصر من القصور.
هناك إلى الخلف من أحواض الزينة بقليل كانت هناك سيدة عجوز، تدعى الجدة فارتانوش، تجلس على سلالم المبنى المخصص لكبار السن، وقد أخذت تنوح من بين دموعها، وقد أسندت رأسها على إحدى يديها.
بدت الجدة فارتانوش، وكأنها قد جَمُدَت على هذا الوضع، وهي تسند رأسها على نفس اليد، لم تتحدث طوال يومها إلا بكلمة واحدة أو بكلمتين، نال ساركيس نصيبه منهما حينما سألته:
"هل مات أحد الوجهاء اليوم؟ لمَ كل هذه الجلبة يميناً ويساراً؟".
"كلا، يقولون إن البَطرِيَرك في الطريق إلى المستشفى الآن يا جدتي فارتانوش. لا تقلقي، فقط ارتاحي أنتِ هنا!".
كان مدير المستشفى السيد طاقفور يشرف بنفسه على سير العمل، بوضع الحواجز عند مدخل المستشفى. كان يختلس النظر بين الحين والآخر إلى ساركيس، للتأكد من أنه يقوم بعمله على أكمل وجه، في حين يوجه تعليماته إلى العاملين في المستشفى هنا وهناك.
"ألم يتصل أحدكم برئيس الوقف حتى الآن؟ قولوا لكبير الأطباء أن يأتيني فوراً عند الباب، أحضروا النقَّالة أيضاً. أدعو الله ألا يكون قد وقع مكروه. كان الرجل صحيحاً سليم البدن. لم يكن كبيراً في السن إلى حد تعرضه لوعكة صحية..".
لم تكن كل هذه الجلبة وحالة الاستنفار القصوى، التي شهدها المستشفى في ذلك اليوم، بسبب مقام بطريرك الأرمن شينورك لدى الدولة، أو العاملين في المستشفى، بقدر مقام هذا الرجل بين أهالي المنطقة، وما يحظى به من احترام بينهم. 
هناك الكثير من الحكايات، التي تتناقلها الألسن عن هذا الرجل. ولا أبالغ إذا قلت إن لهذا الرجل "يد خير في منزل كل أرمني يعيش في هذه المنطقة".
نشأ بطريرك الأرمن شينورك يتيماً بعد تعرَّض جميع أفراد عائلة للقتل في زمن النكبة العظيمة، التي تعرض لها الأرمن على يد الأتراك في الماضي. لم يكن قد تجاوز العامين، عندما تعرضت قريته "إيدا" التابعة لمدينة يوزغات للقتل والتخريب على يد الأتراك في عام النكبة 1915. يقولون إن عائلته كانت من أهم العائلات في منطقة يوزغات بكاملها. نجا شينورك ووالدته فقط من الموت، واستطاعا أن يحافظا على حياتيهما. 
نجحت أمه بعد ذلك في إرساله إلى المدرسة الأميركية بطرطوس، وظلت هي في تلك القرية، التي خلت تماماً من الأرمن بعد جريمة التطهير العرقي التي قام بها الأتراك هناك. 
وفي عام 1922 قام وفد أميركي بزيارة القُرى المنكوبة في تلك المنطقة، وجمع الكثير من الأطفال الأرمن الذين فقدوا أسرهم بعد هذا الحادث، وأرسل بهم في البداية إلى مدينة نيدا، ومنها إلى مرسين، ليستقر بهم المقام في نهاية المطاف في دار نهر إبراهيم للأيتام.
تعرَّض شينورك بعد ذلك للكثير من الأحداث. وبالـتأكيد لن أقص عليكم كل ما حدث له، لأفسح المجال لكل مهتم بهذا الموضوع للبحث والتنقيب خلفه.
عاد شينورك إلى بلده مرة أخرى في عام 1961، واختير ليجلس على كرسي "بطريرك الأرمن في تركيا".
كرَّس شينورك حياته لخدمة الأطفال الأيتام في منطقة الأناضول، كما قام على رعاية آلاف الأسر الفقيرة، التي لجأت إلى مدينة إسطنبول. لم يترك في عهده أية كنيسة أو مدرسة إلا وقام بترميمها. ومن أعماله أيضاً إنشاء دار "قارا جوزيان للأيتام" في جزيرة الأميرات (قِينالي أدالر). رحم الله هذا الرجل، وجعل مثواه الجنة جزاء ما قام به من أعمال.
قام شينورك كذلك بمساعدة الكثير من الشباب على الزواج.
وعندما ترك سيابَند، وهو من عشيرة "فارتو"، قريته، ولجأ هو وأسرته إلى كنيسة مريم العذراء في "قوم قابي" لم يجدوا منه سوى الترحيب. وعندما استأثرت ابنة سيابند على قلب هرانت، الذي كان يعمل معلماً في الفصول الدراسية، التي افتتحها شينورك خدمةً لأطفال القرية في منطقة "بلات"، وأراد أن يتقدم لخطبتها، طلب منه أبوها خمسة آلاف ليرة مهراً لها.
كان الأمر شاقاً عسيراً على هرانت، فمن أين له بهذا المبلغ؟
وقف شينورك إلى جوار الشاب حينها، وعنَّف سيابَند قائلاً "لم تعرف ثقافتنا عادة تقديم المهور يا سيابند"، واستطاع أن يُزوِّجه البنت التي أحبها. 
ذكر شهود العيان أنهم رأوا البطريرك شينورك، وهو يدس في جيب سيابَند آغا مبلغاً من المال، بين ألف إلى ألفي ليرة، وهو بمعزلٍ عن الناس.
وصلت سيارة سوداء اللون بالقرب من باب مستشفى "يَدَي كوله صورب بيرجيتش"، وعلى الفور قام العاملون بفتح بابها. بدا شينورك في حالة صحية جيدة، وهو يطل من داخل السيارة. وعلى الفور تقدَّم رئيس الوقف، الذي كان أكثر الموجودين حفاظاً على رباطة جأشه منذ أن علم بخبر قدوم البطريرك، وقبَّل يده، وهمس في أذنه ببضع كلمات، فتهلل وجه شينورك، وقد لاحت السعادة على وجهه.
وعندما ذهبوا به إلى الغرفة التي أعدوها له سلفاً، وقف رئيس الوقف ليعطي بعض التعليمات الصارمة للعاملين في المستشفى قائلاً:
"لا تسمحوا لأي شخص، بما في ذلك الأطباء والممرضات وحتى كبير الأطباء، بالدخول إلى غرفة البطريرك. البطريرك سيظل هنا ليومين. وإذا سأل أي صحافي عن سبب وجوده هنا فقولوا إنه جاء لإجراء بعض الفحوصات الروتينية".
في تلك الأثناء كانت هناك سيدة عجوز تحاول جاهدة أن تتقدم بخطوات بطيئة صوب الحديقة، بعد أن دخلت من باب المستشفى الجانبي المخصص لخروج جنازات الموتى.
وعندما أدركت هذه السيدة الباب الخشبي، وقفت لتُعدِّل من وضع غطاء الرأس الذي ترتديه، ثم أخذت تصعد درجات السلم، وهي تقول "بسم الله". لم تتوجه هذه السيدة بأي سؤال إلى الموجودين عن وجهتها. كانت تعلم مسبقاً الغرفة التي تريد الذهاب إليها.
وعندما صعدت لأعلى وجدت رئيس الوقف بانتظارها عند باب الغرفة، التي يوجد البطريرك بداخلها. وعلى الفور، انحنى رئيس الوقف على يد السيدة العجوز ليقبلها، وفتح لها باب الغرفة على الفور، وأوصده من خلفها.
اعتدل البطريرك على الكرسي، الذي كان يجلس عليه، وقام على الفور وضم السيدة العجوز إلى صدره قائلاً:
"أهلاً بك يا أختاه. سعدتُ كثيراً برؤيتك. كيف حال أمنا الحبيبة؟".
ردت عليه السيدة قائلةً:
"أهلا بك يا أخي. الحمد لله. هي بخير. أشكر الله أنك بخير أيضاً".
تنهَّد الأخوان، ولم يستطع أي منهما أن يكمل حديثه.
ها هما يلتقيان من جديد في نفس الغرفة، التي التقيا بها قبل ما يزيد على عامين.  
بالتأكيد أنتم تشعرون الآن أن هناك سراً كبيراً وراء أخت بطريرك الأرمن المسلمة.
لقد تحوَّلت أمه غولدانه إلى الإسلام في القرية، التي تركت نفسها رهينة عندها، وأطلقت على نفسها اسم "غول كيز"، وتزوجت في عام 1920 من الحاج دوغان، وأنجبت له ثلاث بنات، هن خانم كيز، وغوليزار، وحُرمَت..
يقولون إنها رزقت أيضاً بولد واحد اسمه "لطفي".
تحدث رئيس الشؤون الدينية العاشر لطفي دوغان المولود في جوموش خانه، في تعليقه على هذا الأمر، قائلاً  "هذا الأمر غير صحيح بالمرة. أمي اسمها بولْلُو خاتون".
أما لطفي دوغان الرئيس الحادي عشر للشؤون الدينية، وهو من مواليد مدينة يوزغات، فقال في وقت لاحق "لستُ أخاه. إذا كنتم تبحثون عن الأرمني، فوجهوا ناظركم صوب جوموش خانه"..
نفهم من هذا أن جميع أبناء هذه السيدة المباركة قد كرَّسوا حياتهم جميعاً لخدمة الخالق سبحانه وتعالى..

نقلا عن صحيفة "أحوال تركية"

Qatalah