يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


2 أكتوبر 2018 حكم الرجل الواحد يقود الاقتصاد التركي إلى الهاوية

بعد تنصيبه رئيسا لتركيا بموجب نظام حكم جديد يكفل له صلاحيات تنفيذية واسعة الأسبوع الماضي، لم يضيع رجب طيب إردوغان الكثير من الوقت حتى أصدر سلسلة من القرارات التي أعادت تشكيل المؤسسات والكيانات الاقتصادية في البلاد.

وفيما ألغيت بعض المؤسسات بالكامل، شهدت كيانات أخرى تغييرات جذرية في بنيتها الداخلية ولوائحها، وذلك في إطار جهود إردوغان لحصر القطاع الاقتصادي التركي بأكمله تحت سلطة مركزية واحدة وتجريد الكيانات الاقتصادية، من آخر مظاهر استقلالها المؤسسي وتسلم زمامها بشكل مباشر إلى إردوغان. كما تم منح مجالس ولجان ومفوضيات أنشئت حديثا وترتبط ارتباطا مباشرا بالرئاسة صلاحيات واسعة لوضع السياسات والاستراتيجيات الخاصة بالاقتصاد وجميع المجالات الأخرى.

لكن اثنين من هذه المؤسسات التي أنشئت بموجب مرسوم رئاسي قد أثارا تساؤلات جدية بين المراقبين بشأن الاتجاه الذي تسير فيه البلاد، وهما مجلس التنسيق للشؤون الاقتصادية في ظل حالة الطوارئ ولجنة مراجعة الأصول المجمدة.

وفي ظل اقتصاد يعاني بالفعل من ارتفاع مستمر في معدلات التضخم وضعف قيمة العملة المحلية، أدى إنشاء هذه المؤسسات إلى تفاقم الإحباط في الأوساط الاقتصادية. وبعدما خفضت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تصنيف الديون السيادية لتركيا الأسبوع الماضي، بعد فترة قصيرة من إجراء مماثل لوكالة موديز، تعمقت هذه الصورة القاتمة أكثر وأكثر لتترك إحساسا متزايدا بالتشاؤم بين الخبراء في هذا القطاع.

ودفعت جميع هذه المعطيات النائبة عن حزب الشعب الجمهوري المعارض سيلين سايك بوكيه، وهي خبيرة مخضرمة عملت سابقا في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وحائزة على درجة الدكتوراه في الاقتصاد، إلى دق ناقوس الخطر والتحذير من أن حكم الرجل الواحد سيجعل من الانهيار المؤسسي في تركيا أمرا لا مفر منه.

وقالت بوكيه "لأحوال تركية": "هناك شخص واحد يقوم باتخاذ جميع القرارات ويصدر الأوامر، وهو إردوغان. ومن الآن فصاعدا، ﺳﺘﺆﺗﻤﺮ كل المؤسسات وكل الموظفين الحكوميين بأمر إردوغان، وحتى هذه المجالس واللجان والمفوضيات ليس لها أي سلطة حقيقية، فهي أنشئت للعرض فقط".

وبالنسبة لبوكيه، فإن مجلس التنسيق للشؤون الاقتصادية في ظل حالة الطوارئ يكشف عن هذا الواقع الجديد بشكل لا لبس فيه. فحالة الطوارئ القائمة منذ فشل محاولة الانقلاب في عام 2016، والتي تمنح الحكومة والقوى الأمنية صلاحيات واسعة النطاق، لا يبدو أنها سترفع قريبا، حتى وإن قال الوزراء عكس ذلك.

وتقول بوكيه: "حتى اسم هذا المجلس يهدف إلى إثارة الحيرة والارتباك. فمن ناحية، هو مجلس مخصص لإدارة الشؤون الاقتصادية، ومن ناحية أخرى هو فقط يدير هذه الشؤون في ظل حالة الطوارئ، وهناك أيضا موضوع التنسيق. لقد نجح (إردوغان) في أن يفعل ما يحلو له من خلال مراسيم تنفيذية في ظل حالة الطوارئ... ناهيك عن القواعد الاستثنائية التي يجري إعدادها لإدارة الشؤون الاقتصادية في البلاد".

وحتى هذا المجلس الاستثنائي لن يكون له أي سلطة لاتخاذ القرارات بشكل مستقل، حسبما تقول بوكيه، مضيفة "في النموذج السابق للحكم، كانت هناك مؤسسات لا يستطيع الرئيس أن يفرض رأيه عليها أو يتدخل في شؤونها إلى درجة كبيرة. لكن من الآن فصاعدا، سيأخذ هو جميع القرارات".

وقد اتخذ بالفعل وزير الخزانة والمالية الجديد بيرات البيرق، وهو صهر إردوغان كذلك، خطوات لتهدئة مخاوف المستثمرين إزاء الاختلالات الاقتصادية في تركيا، وتعهد بمعالجة معدلات التضخم التي وصلت إلى مستويات مرتفعة خطيرة والعمل على ضمان استقلالية البنك المركزي، لكن بوكيه لا تزال تتشكك في جدوى هذه التعهدات. 

ولا يحتاج المرء إلى النظر إلى ما هو أبعد من آخر زيارة خارجية لإردوغان لمعرفة نواياه الاقتصادية وما يضمره للبيرق وخططه "لإعادة توازن" الاقتصاد، إذ تشير النائبة عن حزب الشعب الجمهوري إلى أن رحلة الرئيس إلى لندن في مايو وتصريحاته المثيرة للقلق لشبكة بلومبرغ أسفرتا عن انخفاض حاد في قيمة الليرة ولم تترك للبنك المركزي خيارا سوى رفع أسعار الفائدة.

وقالت بوكيه إنه من المرجح أن تحقق زيارة البيرق المقررة إلى لندن هذا الأسبوع نفس النتيجة أو أسوأ بالنسبة لمعدلات التضخم وقيمة الليرة. وعلاوة على ذلك، فإن الوزير يعرف في قرارة نفسه بأن تصريحاته لن تجعل البنك المركزي أكثر استقلالية حقا.

وتضيف "في الواقع يمكننا أن نجزم أن البنك المركزي وجميع الهيئات الاقتصادية المستقلة والقائمة بذاتها ستكون أكثر ارتباطا من أي وقت مضى بالإرادة السياسية وقرارات شخص واحد".

وتابعت قائلة إن آخر القرارات المتعلقة بالبنك المركزي هي أفضل دليل على ذلك، إذ نص القرار على تخفيض فترة ولاية محافظ البنك من خمس إلى أربع سنوات وانتزع منه سلطة اختيار نوابه أو حتى تقديم التوصيات. وبدلا من ذلك، يتم تعيين المحافظ ونوابه وأعضاء مجلس إدارة السياسة النقدية من قبل الرئيس.

وبالنسبة لبوكيه، فإن اختيارات إردوغان الأخيرة للمسؤولين أصحاب المناصب السياسية العليا لا تشجع كثيرا على التفاؤل. فإلى جانب صهره ومجموعة من الموالين له، تتألف حكومة الرئيس الجديدة بشكل كبير من شخصيات تجارية، وهو ما يهدد بإثارة الكثير من الشبهات حول تضارب المصالح.

وأضافت "هذه التعيينات تكشف عن تصور الرئيس للدولة وتوقعاته منه وما يراه لها. فهي الآن ملك لرجل واحد وعائلته وحلفائه المقربين، بالإضافة إلى مجموعة من الأشخاص جمعهم من القطاع الخاص، فيما تم استبعاد الآخرين ممن يمثلون فئات الشعب المختلفة من أجهزة الدولة".

وهذا التخريب المتعمد للدولة ومؤسساتها خلق حلقة مفرغة من شأنها أن تجعل من استعادة ثقة المستثمرين في تركيا، وهو شرط حيوي لإنعاش الاقتصاد، أمرا من الصعب تحقيقه بالنسبة للحكومة الحالية، حسبما تقول بوكيه.

وترى النائبة البرلمانية أن التزامن بين ارتفاع أسعار الفائدة وضعف قيمة العملة يشير بشكل واضح إلى انعدام الثقة باعتباره المشكلة الأساسية للاقتصاد، مضيفة أن هذه الحالة ناتجة بالتحديد عن سيطرة إردوغان بشكل منفرد على مفاصل الاقتصاد التركي.

وقالت إنه في ظل النظام الحالي للحكومة، لن يقتنع أي مستثمر بتصريحات البيرق بشأن البنك المركزي، ولن تتمكن تركيا من استقطاب رؤوس المال الأجنبية التي تحتاجها بشدة، إلا عبر إقرار معدلات فائدة باهظة.

علاوة على ذلك، فإن غياب الاستثمارات في قطاع التصنيع في تركيا جعلها تعتمد على الواردات، وهو ما ألقى بالمزيد من العبء على عجز الحساب الجاري الذي وصل إلى أكثر من 56 مليار دولار، مع وجود توقعات بأن تصبح السلع المستوردة أكثر تكلفة بسبب قيمة الليرة الضعيفة.

وتقول بوكيه "لدى الرئيس خياران هنا، الأول هو خفض حجم الواردات والاستهلاك والطلب، وهو ما سيؤدي بالتالي إلى تباطؤ الاقتصاد، وقبول أي شروط لتأمين التمويل الأجنبي، ربما من خلال إبرام اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي، وإجبار الناس على تحمل تكلفة ذلك".

أما الثاني، بحسب قولها، فهو بذل المزيد من الجهود لزيادة معدلات الإنتاج من خلال الاستثمار في قطاع صناعي متطور ومتقدم تكنولوجيا لكي يقلل اعتماد تركيا على الواردات.

وأضافت "لكن القيام بذلك يعني النهوض بمستوى الجودة والتعليم بما يضمن رفع مستوى أداء الموارد البشرية في البلاد. وهو ما يتطلب أيضا الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والعلوم والأبحاث ودعم قوة عاملة حرة التفكير ومنفتحة الذهن".

لكن بالنسبة لبوكيه، فإن احتمالات قيام الحكومة الحالية بهذه الخطوة، خاصة في ظل تصعيدها لحملة القمع ضد المثقفين والمفكرين المستقلين وتشديد قبضتها على نظام التعليم في البلاد، تعد ضئيلة للغاية.

نقلا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah