يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الكبر والاستعلاء هو ما كان يشعر به السلاطين العثمانيون عندما يشاهدون صورتهم في المرآة، كثيرون منهم ظنوا أنفسهم آلهة تستحق التقديس. ففي قصورهم المليئة بكل الملذات كان ينقصها شيء واحد لتكتمل، هي صورهم التي أتوا بمن يرسمها لهم ليزينوا بها الجدران وينحني أمامها كل من يشاهدها.

جنون العظمة دفع السلاطين لتحريم الأمر ذاته على الرعية، فالصورة بالنسبة لهم رمز الخلود، وهم وحدهم من يستحقون ذلك، بينما من يتجرأ ويحاول التشبه بهم فعليه أن يواجه مصير الإعدام جلوسا على الخازوق. أما السبب الآخر الذي كان يقف وراء تجريم الرسم على الشعب، فهو إمكانية استخدام الرسم في التعبير عن الحريات، والتنفيس عن الغضب والتلميح بالاستبداد والتعسف.

يذكر أحمد صدقي شقيرات في كتابه "تاريخ مؤسسة شيوخ الإسلام في العصر العثماني"، أنه رغم أن علماء إسطنبول كانوا يحرمون الصور؛ فإن شيخ الإسلام أبو السعود أفندي أفتى بتحليلها للسلاطين فقط بنص فتواه التي قال فيها: "إن لم تكن الصورة كبيرة فلا كراهية"، وحتى يرضي غرور أسياده حرمها على الشعب، ليظل رجال الدين الأتراك على مدى تاريخ العثمانيين الذي استمر لقرون من الزمن حصنا منيعا أمام انتشار هذا الفن الذي ظل حبيس القصر العثماني.

محمد الثاني
يذكر أحمد آق كوندز في كتابه "الدولة العثمانية المجهولة" أن محمد الثاني كان يحتفظ بالكثير من المرايا داخل القصر ليشاهد فيها نفسه كلما تحرك، فاستبدل السلطان المغرور المرايا بالصور. فاستدعى كبار الفنانين من الشرق وإيطاليا للبلاط العثماني، ليرسموا له "بورتريهات" شخصية. وأتى بفنان البندقية بليني ليرسم له جدارية مجسمة تزين مجلسه، وأمره بإنجاز 100 لوحة للسلاطين والأمراء وأعد له جناحا بالقصر خصصه كمرسم لآل عثمان.

وحتى ينجو محمد الثاني من الانتقادات التي وجهت إليه أطلق على الرسومات "فن النقش والشبيه" تهربا من الحكم الشرعي، وقام بتعيين رسام لآل عثمان يدعى سنان بك، وأطلق عليه لقب رئيس النقاشين، فرسم له العديد من البورتريهات التي تمتلئ بها خزائن قصر طوب قابي بإسطنبول. وقد تولى سنان بك تعليم أبناء السلاطين والأمراء التصوير ورسم اللوحات الفنية، في الوقت الذي كان يُعاقب فيه بالإعدام كل من يقدم على ذلك من الرعية.

عشق السلطان لصوره وصور أسرته جعله يفتتح في قصره الجديد "نقشخانه" (أي بيتًا للرسم)، جلب له الفنان بابا نقاش الأوزبكي الأصل. وأمره بنسخ جميع رسومات بلليني ورسامي القصر في ألبومات جديدة، وعرفت هذه الأعمال الفنية بالمنمنمات وجمعت صور أفراد الأسرة الحاكمة ليتم إرسالها كهدايا للولاة. 

بايزيد الثاني
إذا كان محمد الثاني يحب نفسه أكثر من الجميع؛ فإن خليفته بايزيد الثاني كان متطرفا في عشقه للخمر فاتخذ من مجالس الخمر والمجون مجالا لرسم الصور واللوحات ووضعها في غرف وطرقات القصور العثمانية. وحين تشاجر مع زوجته عائشة كلبهار خاتون (أم ولده السلطان سليم الأول) التي كانت تعشق البورتريهات، تمكن منه الغضب، فعاملها معاملة الرعية وحرّم عليها اقتناء الرسومات ونزع اللوحات الجدارية التي نفذها بليني من الحرملك وبيعت في الأسواق.

سليم وولده سليمان
أصيب السلطان سليم وولده سليمان بجنون العظمة فلم يكتفيا برسم بورتريهات لهما بل وصل الأمر لإجبار رجال الدولة على ارتداء ميداليات تحمل صورهما الشخصية. السلطان سليم المغرم بإراقة الدماء خصص له رسامين أوروبيين ليخلدوا  مشاهد القتل التي ارتكبها في مصر والشام. أما ولده سليمان فاقتنى ألبومات تحتوي على 300 صورة لحروبه في العراق وفارس، وأمر برسم لوحة كبيرة تجسد مشهد إعدامه لابنه مصطفى، واعتبرها من أعظم لحظات حياته!

الحرملك
لم يكتف الرسامون بالتواجد داخل مراسمهم، بل تسللوا إلى الحرملك بعد أن استحوذ حب الصورعلى قلوب النساء، دخل فنانو أوروبا أجنحة الحريم وكشفوا ستر آل عثمان. فقد اختارت السلطانة كوسم أشهر فناني أوروبا ليرسموا لها بورتريها بمدخل قصر طوب قابي، وظهرت زوجات السلاطين في لوحات طافت مدن القارة الأوروبية.

بورتريهات الترف 
مثلما خلد العثمانيون مشاهد القتل بالرسم فقد اهتموا أيضا بتصوير مظاهر الثراء في قصورهم، حيث جمعوا ألبومات صور لحفلات الترف والبذخ، مثلما أمر السلطان مراد الثالث برسم 437 لوحة لابنه شاه زاده بمناسبة حفلة ختانه. ثم سار على دربه أحمد الثالث الذي اهتم برسم أفراد أسرته، فتذكر دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية، أنه قام بتعيين عبد الجليل شلبي الأدِرْنَوي الملقب بـ "لوني"، ليرسم 5 ألبومات بها 350 صورة، زين بها ديوان الشاعر "وهبي"، الذي نظمه بمناسبة حفلة الختان للأمير سليمان نجل السلطان، ليظهر الإسراف في الاحتفالات العثمانية. 

وفي العام 1830 أمر السلطان محمود الثاني بتعليق صوره الشخصية في الإدارات والمعسكرات بالولايات، وأقام مزادات علنية لصوره الشخصية اشتراها الأثرياء تزلفا له. وقد لاقت محاكاة الغرب الأوروبي رفضا شديدا من المجتمع العثماني فأعلن البعض التمرد، إلا أن السلطان محمود قمع المحتجين وقتل 4 آلاف منهم وألقى بجثثهم في البحر.

المتاجرة بالصور
سمح السلاطين بعد ذلك  للوزراء ورجال الدولة وقادة الجيش باقتناء اللوحات مقابل تسديد رسوم تصوير لخزانة الدولة، ويكفي أن نعرف أن هناك 13 ألف صورة ولوحة موجودة في متحف طوب قابي وحده، وأن الألبومات تبلغ 451 ألبوما، جميعها يعود إلى الفترة المحصورة فيما بين القرنين الثاني عشر والثامن عشر، وهي الفترة نفسها التي شهدت تحريم فن الرسم على الرعية.

Qatalah