يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


6 أكتوبر 2018 حلم إردوغان 2023 يتبدّد مع تعليق "مشروعات مجنونة" في خضمّ الأزمة

تبدّد حلم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لإقامة اقتصاد بقيمة تريليوني دولار في تركيا بحلول العام 2023، الذي يوافق الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية، مع تعليق حكومته سلسلة من المشروعات الاستثمارية الرئيسة الرامية لتحقيق هذا الحلم.

أعلن إردوغان عن خفض الإنفاق في كلمة ألقاها يوم الجمعة، مدفوعا بحقيقة لم يكن يودّ الاعتراف بها وهي أن تركيا تواجه الآن كسادا اقتصاديا بسبب أزمة في العملة.

يقول براد سيتزر، الزميل المتخصص في الديون السيادية والاختلالات والتدفقات الرأسمالية في مجلس العلاقات الخارجية، إن آثار الركود المحتمل في البلد العضو بحلف شمال الأطلسي (الناتو) بدأت في الظهور بالفعل، وقد يقلص الناتج الاقتصادي التركي إلى نحو 600 مليار دولار من حوالي 850 مليار دولار حاليا.

ومن بين الاستثمارات المعلقة ما وصفه إردوغان بأنه "مشروع مجنون" - وهو عبارة عن قناة ملاحية تكلفتها 30 مليار دولار تهدف إلى تجنب المرور عبر مضيق البوسفور في إسطنبول. تلك التخفيضات في الإنفاق تأتي في وقت تضطر فيه الحكومة لتحقيق وفورات كبيرة في الميزانية وزيادة الإيرادات.

سيكون تعلم الدرس مؤلما لإردوغان وصهره وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق وهما يتقبلان الحقائق الجديدة في تركيا، بعدما سبقتها أحلام بالارتقاء إلى مصاف الدول العظمى من خلال القوة الاقتصادية والنفوذ الإقليمي. وعليهما الآن أن يحاولا تصحيح الاختلالات التي صنعتها أيديهما ونتجت عن ارتفاع كبير في الإنفاق المحلي واقتراض كثيف للعملة الأجنبية، ومجموعة من إجراءات التحفيز غير التقليدية التي أسفرت عن نشاط محموم في الاقتصاد.

وقال إردوغان في كلمته: "إذا اقترب المشروع من الاكتمال، فسنكمله، لكن لن تكون هناك أي مشروعات جديدة"، في الوقت الذي ينحي فيه باللائمة على الولايات المتحدة - كبش الفداء الجديد المفضل عنده – للتآمر من أجل إثارة أزمة مالية في البلاد.

هبطت الليرة نحو 40 بالمئة أمام الدولار منذ بداية العام الحالي، بعدما انتاب المستثمرين القلقُ من سياسات تركيا الاقتصادية ودخل إردوغان في معركة سياسية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسبب سجن أميركيين من بينهم قس أميركي. وأدى الخلاف بين الجانبين بسبب القس أندرو برانسون إلى فرض عقوبات اقتصادية وتفاقم خسائر الليرة.

وكان البنك المركزي التركي، وليس إردوغان، هو من تحرك من أجل وقف هذا التدهور يوم الخميس، إذ رفع أسعار الفائدة كثيرا بمقدار 625 نقطة أساس إلى 24 بالمئة في قرار فاجأ به المستثمرين.

كان من الممكن أن يختلف الأمر كثيرا مع إردوغان وحزبه الحاكم، حزب العدالة والتنمية، ففي العام 2011، ووسط ضجة كبيرة، أعلن إردوغان عن رؤيته لتركيا في 2023. رؤية طمح فيها إلى الارتقاء ببلاده، التي صوتت لصالح تعديلات ديمقراطية في الدستور، إلى مصاف أكبر عشرة اقتصادات في العالم، ويبلغ فيها متوسط دخل الفرد 25 ألف دولار وينخفض فيها معدل البطالة مع ازدهار الاقتصاد، حسبما قال أردوغان.

تولى حزب إردوغان ذو الجذور الإسلامية السلطة في العام 2002 بسبب أزمة اقتصادية في السنة السابقة. كان الأتراك أيضا يطالبون بتغيير سياسي واجتماعي. ذلك أنهم أصيبوا بالإحباط من النخبة العلمانية بعد تعاقب حكومات ائتلافية ضعيفة وتفشي الفساد واتباع سياسة خارجية انعزالية.

وبحلول العام 2011، شهدت البلاد تحولا على يد عمدة إسطنبول السابق – فقد كانت تركيا تسير إلى الأمام بخطى واثقة، وكان النمو الاقتصادي يضاهي نظيره في الصين، في حين تم إبعاد الجيش عن الساحة السياسية. في الوقت نفسه اتجهت الصادرات صوب مستوى قياسي مع دخول الشركات أسواقا جديدة في أفريقيا والشرق الأوسط. وباتت تركيا حديث الجميع.
لكن التاريخ لم يغفل ما حدث بعد ذلك ووثقه توثيقا متقنا. متنزه غيزي، فضيحة الفساد التي تورطت فيها الحكومة في العام 2013، محاولة الانقلاب الفاشلة في العام 2016 التي سبقها تآكل الديمقراطية، والتحول هائل إلى حكم الفرد الواحد الذي تُوج بانتخابات الرئاسة في 22 يونيو من العام الحالي.

يكفي القول إن آفاق البلاد في الأمد القريب قاتمة. ورؤية إردوغان لاقتصاد تركي مزدهر وحيوي يرتقي إلى مصاف الاقتصادات الكبرى بعد 100 عام من تأسيس مصطفى كمال أتاتورك للجمهورية قد صارت رمادا.

قال إردوغان إنه في العام 2023 ستبلغ قيمة الاقتصاد تريليوني دولار. كانت قيمته قدرت بواقع 882 مليار دولار في نهاية الربع الثاني من العام الحالي، ليأتي في المرتبة التاسعة عشرة بين اقتصادات العالم. يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لروسيا، عاشر أكبر اقتصاد في العالم، نحو 2.3 تريليون دولار. وقد وصل الناتج الاقتصادي في تركيا إلى ذروته عند 950 مليار دولار في 2013، وبسبب استمرار انخفاض الليرة في الأساس لم يتعافَ الاقتصاد.

كما أن معدل البطالة، الذي يدور الآن في خانة العشرات ويأبى أن يبرح مكانه بل ويتجه للصعود مع اشتداد حدة الركود، لم يصل قط إلى المستوى الذي يستهدفه إردوغان البالغ خمسة بالمئة منذ توليه السلطة. ويزيد معدل البطالة بين الشباب عن العشرة بالمئة. وعلى الرغم من إجراء تعديلات في حسابات بيانات النمو الاقتصادي في العام 2016، يصل دخل الأتراك حاليا إلى ما يربو قليلا عن عشرة آلاف دولار سنويا.

أما الصادرات، التي قال إردوغان إن إجماليها سيصل إلى 500 مليار دولار بحلول موعد احتفالات 29 أكتوبر 2023، فقد بلغت ذروتها عند 158 مليار دولار في العام 2014. غير أنها منذ ذلك الحين، هبطت هبوطا حادا لأسباب من بينها الصراع على الحدود التركية. ويبدو كذلك أن الوصول إلى تجارة خارجية حجمها الإجمالي تريليون دولار هدف يصعب تحقيقه.

وفيما يتعلق بالتجارة مع ألمانيا والولايات المتحدة، الذي دخل إردوغان في خلاف معهما بسبب سجن صحفيين وموظفين قنصليين، فقد شهدت ركودا إلى حد كبير.

في قطاع الطاقة، ثمة ثلاث محطات كهرباء تعمل بالطاقة النووية لم يتم إنشاؤها بعد. وتبلغ قدرة توليد الكهرباء من طاقة الرياح المركبة 6 غيغاوات، وجرى تأجيل عدد من المناقصات الحكومية الرامية لتحقيق المستوى الذي يستهدفه إردوغان عند 20 غيغاوات، بعضها لمدة نحو خمس سنوات.

وفي مجال الصحة، وعلى الرغم من بدء تقديم خدمات الرعاية الصحية الشاملة – أحد أعظم إنجازات إردوغان – يوجد في تركيا حوالي 175 طبيبا لكل 100 ألف شخص، وهو معدل أقل من نظرائه في الجمهوريات التركية تركمانستان وأذربيجان وأوزبكستان. وفقا لكتاب حقائق العالم الذي تنشره وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه). ويقل هذا المعدل 20 بالمئة عن المستوى المستهدف البالغ 210 أطباء لكل 100 ألف فرد.

والآن، وبدلا من قيادة تركيا إلى العام 2023 وسط ضجة الإنجازات، أضحى يتعين على إردوغان أن ينشل تركيا من الأزمة المالية.

يقول خبراء الاقتصاد إن الركود قد لا ينتهي حتى منتصف العام المقبل، حين قد يصل النمو الاقتصادي الإجمالي إلى واحد بالمئة فحسب. فبدلا من اقتراض الدولارات لتمويل استثمارات التوسعة والبنية التحتية والطاقة، جمعت الشركات التركية ديونا غير محوطة بالعملة الأجنبية قيمتها حوالي 223 مليار دولار وسط طفرة في البناء وارتفاع الطلب المحلي -- يجب على إردوغان أن يحقق الاستقرار اللازم لمساعدة الشركات والبنوك التي تمولها على الوفاء بالتزاماتها.

فبدون ذلك، بدلا من أن يأتي العام 2023 على تركيا واقتصادها أكثر تواضعا لكنه يظل ينبض بالحيوية، ربما يستمر عدم الاستقرار السياسي والمالي لفترة طويلة في المستقبل.

 نقلا عن  موقع "أحوال تركية"

Qatalah