يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


على مدار مئة عام واصل الأرمن مطالبة البيت الأبيض بتجريم المذابح التي تعرضوا لها على يد العثمانيين عام 1915 ووصفها بالإبادة الجماعية، إلا أن لعبة المصالح أطاحت بحلم الأرمن في إسقاط قناع أنقرة المزيف، وعقابها على ما جنت بحقهم من مجازر أهلكت ما يزيد على 1.5 مليون شيخ وامرأة وطفل وشاب لم يكن يحلم بأكثر من حياة. 
بددت الإدارات الأميركية المتعاقبة طموح الأرمن وظلت على صلتها بتركيا التي تعتبرها جدار دول حلف الناتو الشرقي، ومنفذها العسكري المطل على الصديق المثير للقلق دوما "روسيا".
29 بلدا في العالم استخدم مصطلح "الإبادة الجماعية" لتوصيف المذبحة التي تعرض لها الأرمن، بينها دول كبرى مثل روسيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إضافة إلى منظمات دينية وسياسية مثل الكنيسة الكاثوليكية والبرلمان الأوروبي، بينما كل تلك الدول و الهيئات لا يمكنها أن تقود الإجماع الدولي لإدانة المذابح، ما يجعل الأرمن يعولون على الدور الأميركي باعتبار واشنطن تلعب دور القائد في العالم منذ نهاية الحرب الباردة، إضافة إلى حجم الضرر الذي سيلحق بتركيا إذا اتخذ البيت الأبيض قراره بقطع العلاقات مع أنقرة. 
 
الأرمن.. من المجازر إلى الشتات
يعتبر الأرمن واحدا من أقدم الأعراق في الشرق الأوسط، إذ يتواجدون في المنطقة منذ 2500 عام، وقد فرض عليهم الحكم العثماني منذ القرن الرابع عشر الوقوع في مرتبة اجتماعية أقل من الأتراك وتم النظر إليهم باحتقار شديد، خاصة في القرن التاسع عشر الذي تحول فيه الأرمن إلى "مسألة" سياسية فضل آل عثمان التعامل معها بسياسات جائرة تنوعت بين الذبح والتهجير.
رعب عبد الحميد الثاني من تعاون الأرمن مع روسيا القيصرية ضد إسطنبول دفعه لارتكاب مجموعة من المجازر ضدهم شرق الأناضول بين عامي 1893 و1896، الأمر الذي نتج عنه أكبر موجة هجرة أرمنية إلى الولايات المتحدة الأميركية تخطت أعدادها الـ 300 ألف مهاجر. 
ومع حلول الحرب العالمية الأولى بدأت حلقة جديدة من مسلسل الإبادة على يد حكومة الاتحاد والترقي في إسطنبول التي اتخذت قرارها  بنفي الأرمن من موطنهم التاريخي في إقليم قيليقية (كيلكيا) جنوبي شرق تركيا إلى دير الزور في الصحراء السورية خلال عام 1915، ففقدوا عددا مهولا منهم أثناء الرحلة نتيجة الجوع والأمراض تراوح بين خمسمائة ألف في أدنى التقديرات ومليون ونصف المليون في أقصاها، وهي المجزرة التي وصمت الدولة العثمانية بالعار باعتبارها الأبشع في التاريخ الإنساني. 
 
 
هاجرت أسر الأرمن الناجية من أحداث 1915 إلى بلدان مختلفة شرقا وغربا، بينما استقبلت الولايات المتحدة منهم حوالي 78 ألف أرمني شكلوا الموجة الثانية من حيث الضخامة العددية بعد هجراتهم في عصر عبد الحميد الثاني، ليكونوا مع عناصر المجموعة الأولى نواة لجماعة أرمنية يقدر عددها اليوم في أميركا بحوالي ثمانمائة ألف شخص، وتمثل ما يعرف بـ اللوبي الأرمني في أميركا، وهي الأكثر تأثيرا ونفوذا من بين الجماعات الأرمنية الأخرى التي تتوزع بين بلدان العالم. 
 
ثلاجة السياسة تجمد الملف الأرمني
داخل ولايات كاليفورنيا وماساتشوستس ونيويورك ونيو جيرسي وميتشيغان وفلوريدا وبنسلفانيا وتكساس تشكل اللوبي الأرمني في العام عام 1919 على يد المحامي فاهان كارداشيان تحت اسم "الجمعية الأرمنية من أجل استقلال أرمينيا"، وقد سعى أعضاء الجمعية منذ أن وطأت أقدامهم الأراضي الأميركية إلى تجريم المذابح التي تعرض لها ذويهم في الشرق على يد الأتراك، والضغط على دوائر صنع القرار في واشنطن لوقف عمليات تصدير السلاح والتمويل المالي إلى تركيا وفرض العقوبات عليها كنوع من الانتقام الجزئي.  
لكن طموحات اللوبي الأرمني اصطدمت دوما بصخرة المصالح السياسية للولايات المتحدة التي اعتبر قادتها أن أي تجريم أو فرض عقوبات على تركيا بسبب إبادة الأرمن من شأنه أن يحرم البيت الأبيض من حليف مثل تركيا يمتلك موقعا جيوسياسيا ممتازا يجعله رقما مهما للغاية في لعبة الشرق الأوسط، خصوصا في فترة الحرب الباردة، عندما شكلت تركيا موقعا متقدما لحلف الناتو في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
 
أدركت الحكومات التركية المتعاقبة أنها رقم صعب في الأجندة الأميركية لا يمكن التخلي عنه، ما جعلها تستخدمه في ابتزاز واشنطن وهي تهدد بتغير قبلتها إلى موسكو إذا فتح البيت الأبيض ملف مذابح الأرمن، الأمر الذي يفقد أميركا قواعدها العسكرية في تركيا ويحرمها من منافسة روسيا في داخل الشرق الأوسط. 
تدفقت المساعدات الأميركية على أنقرة خلال الحرب الباردة مقابل أن تتحول تركيا إلى حائط يمنع الزحف الروسي من الوصول إلى سواحل البحر الأسود الجنوبية ومن ثم الوصول إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط، وطيلة  السنوات التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945 وحتى عام 1991 لم تقرع واشنطن جرس العقوبات ضد أنقرة إلا مرة واحدة فقط في عام 1975 عقب الغزو التركي لشمال قبرص ولمدة ثلاث سنوات عادت بعدها العلاقات بين أميركا وتركيا إلى سابق عهدها.
 
الأرمن وأنقرة..حرب باردة مصغرة
لم يكن أمام الأرمن إلا الانتظار حتى نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينيات القرن العشرين لمطالبة واشنطن من جديد بتجريم المذابح العثمانية في حقهم، ولكن الولايات المتحدة ظهرت عاجزة عن تعليق مساعداتها إلى تركيا التي احتفظت بأهميتها كلاعب رئيس وحليف أساسي في السياسات الشرق أوسطية لواشنطن. 
وأمام الإصرار الأرمني استخدمت تركيا أصدقاءها من أعضاء اللوبي الصهيوني لممارسة الضغوط على الكونغرس لعدم تمرير مطالبات الأرمن المتكررة، ونتيجة الطمأنينة التي شعر بها الأتراك اتخذوا قرارا بإغلاق الحدود مع جمهورية أرمينيا بالاتفاق مع أذربيجان عام 1993، في الوقت الذي سعى فيه الأرمن إلى الاتفاق مع اللوبي اليوناني من أجل الضغط على واشنطن لتوقيع عقوبات على تركيا ولكن المحاولة كان مصيرها الفشل أيضا.
 
 
عبر الرفض الأميركي - الثاني - عن دور تركيا الجديد في استراتيجية الشرق الأوسط كقاعدة للتحركات الأميركية ضد النظام البعثي في العراق و نظام الخوميني في إيران، ووصلت العلاقة إلى ذروتها حين قررت الولايات المتحدة غزو بغداد عام 2003 من خلال القواعد التركية. 
 
مصالح أميركا تلتهم قناعة أوباما 
وجد الأرمن في وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض في 2009  سببا قويا لتحريك الطلب للمرة الثالثة، خاصة أن الرئيس الأميركي عبر عن تعاطفه الصريح مع قضيتهم قبل انتخابه رئيسا وأثناء وجوده بين أروقة الكونغرس كسيناتور للحزب الديموقراطي، حيث أثر عنه بعث رسالة إلى كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية في عهد الرئيس جورج بوش أكد خلالها أن الإبادة الجماعية التي ارتكبها العثمانيون في حق الأرمن لا تدخل في إطار وجهات النظر وإنما هي حقيقة موثقة قائمة على أدلة تاريخية قاطعة.
وقد اختبر أوباما في الرابع من مارس عام 2010، حين قررت هيئة العلاقات الخارجية داخل البيت الأبيض إعداد مشروع قرار بتكريم الأرمن ووصف مافعله الأتراك في حقهم بالتطهير العرقي الذي يستلزم العقوبة، ووضع مشروع القرار على مكتب أوباما ولكن المفاجأة أن الرئيس الأميركي رفض تمرير المشروع أو التوقيع عليه. 
التصرف الصادم لأوباما فسرته وثيقة مسربة من البيت الأبيض نشرها موقع ويكيليكس، تضمنت تفاصيل اجتماع أوباما مع أعضاء هيئة الشؤون الخارجية بخصوص المشروع، حيث كشفت الوثيقة أن أوباما أكد لفريقه الرئاسي أن تمرير القرار من شأنه أن يحدث شرخا في العلاقات بين أميركا وتركيا، التي ينظر إليها على نطاق واسع بين صناع القرار الأميركي على أنها دولة مفتاحية في حلف الناتو، وأنه من المستحيل التضحية بموقعها الاستراتيجي في الشرق الأوسط.
صدم موقف أوباما أوساط الأرمن الأميركيين الذين عولوا كثيرا على تعاطفه وعلى الرغم من ذلك فإن الآمال الأرمنية المعلقة عليه استمرت حتى الإحياء المئوى لذكرى المذابح. 
في الرابع والعشرين من أبريل عام 2015 أتيحت الفرصة لأوباما كرئيس أميركي لتجريم الإبادة التركية للأرمن، ولكن مصالح أميركا أجبرته على التنازل عن قناعته الشخصية إذ اكتفى بقوله إنها كانت "أول مذبحة في القرن العشرين، ومأساة لا بد من ضمان عدم تكرارها"، الأمر الذي احتفت به وسائل الإعلام التركية في حينها. 
 
 
أما رجب طيب إردوغان رئيس الوزراء آنذاك فقد خرج ينتقد خطاب الرئيس الأميركي ويصفه بأنه "غير مقبول" ويمثل "قراءة خاطئة للتاريخ" محذرا من أن أي نقاش أميركي للأمر مع تركيا من شأنه أن يؤثر على العلاقات بين البلدين.
تمثل تصريحات إردوغان خلاصة السياسات التركية الملتوية وغير الأخلاقية تجاه قضية الأرمن طيلة مئة عام، فإن حديث الرجل عن "القراءة الخاطئة للتاريخ" يتغافل عن حجب أرشيف الوثائق العثمانية دون البحث العلمي الجاد، كما أن إشارته إلى التأثير المحتمل على علاقات البلدين فيه نفس الابتزاز التركي القديم والمكرر والذي كان في تلك الحالة يتماشى مع الأوضاع الجديدة للشرق الأوسط في أعقاب العام 2011 ودور تركيا فيها كرأس حربة لتنفيذ مشاريع واشنطن في العالم العربي، وشريك رئيس للولايات المتحدة في حربها ضد الفصائل المسلحة متنوعة الانتماءات والمشارب والتي ملأت الأفق بين شمال سورية والعراق.

Qatalah