يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


خدعوا المسلمين بشعارات جوفاء، طعنوهم من الخلف إرضاء للسيد الأوروبي، لعب العثمانلي على جميع الحبال، دعم الفرنسيين بادئ الأمر، ثم عقد زواجا غير شرعي مع الإنجليز، قبل أن يختم مسيرته القذرة بالارتماء في أحضان الألمان.
من أقصى العالم القديم إلى أدناه، كان المسلمون ضحية العثمانلي في كل مرة، باعوهم في مصر مقابل مال الإنجليز، طعنوهم من ظهورهم في الهند وعدن لصالح الفرنسيين وأعادوا الكرة عليهم إرضاء للبريطانيين، وفعلوا الأمر نفسه في المغرب.
 
السلطنة تواطأت مع البريطانيين، سمحت لسفنهم بعبور طريق رأس الرجاء الصالح إلى مستعمرة الهند، لم يفكروا في تثبيت نفوذهم في بحر العرب والبحر الأحمر، بل راحوا يرسلون حملاتهم العسكرية واحدة تلو الأخرى لإخضاع المسلمين في اليمن.
 
غارات النهب
البرتغاليون وصلوا إلى الهند عام 1499 بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح عام 1487، توالت حملاتهم لتثبيت سلطانهم في الشواطئ الهندية، واستعان  الأمراء المسلمون بالمماليك في مصر فأرسل السلطان قنصوه الغوري أسطولا هزم البرتغاليين بادئ الأمر ثم مني بالهزيمة عام 1509.
الخطط المصرية لمساعدة أمراء الهند توقفت بسبب طعنة الغدر العثمانية، عندما احتل السلطان سليم الأول القاهرة عام 1517، ثم بدأت علاقتهم بالهند عام 1526، بوصول حملة بحرية إلى ميناء ديو التابع لسلطنة كجرات المسلمة بذريعة مساعدتهم في صد هجمات البرتغاليين.
الحملة حكمت الميناء لصالحها وتعاونت مع مغول الهند في تدمير كجرات ثم أعلنوا الطاعة للبرتغاليين، حملة عثمانية أخرى هبطت الهند عام 1538 بزعامة سليمان الخادم بمشروع جديد لاحتلال الشواطئ، لكن البرتغاليين هزموها وأجبروها على الفرار إلى عدن.
العثمانلي فشل في ركوب البحار، لم تكن لديه خطة لاستغلال نفوذه في المتوسط والأحمر وبحر العرب، بل كان همه الأكبر أعمال النهب والقرصنة، لذا ترك الهند للقوى الأوروبية مثل البرتغال وبريطانيا وهولندا وفرنسا، بينما دفع بـ 70 ألف جندي لاحتلال اليمن.
 
هجمة أوروبية
هولندا رغبت في إخضاع الهند فأسست الشركة الشرقية الهولندية وكانت أولى مستعمراتها في منطقة جاوة عام 1598 ثم سيلان عام 1604، ثم تنازلت عن أملاكها في الهند للإنجليز عام 1824 مقابل الحصول على أملاكهم في سومطرة.
بعد النصر التاريخي للأسطول البريطاني على نظيره الأرمادا الإسباني صار الإنجليز سادة البحار وأسسوا شركة الهند الشرقية عام 1600 التي وطدت سلطانها عن طريق سلطنة المغول.
فرنسا دخلت حلبة الصراع عام 1664، وأسست شركة الهند الشرقية الفرنسية للسيطرة على الهند بطرد الأوروبيين، وعام 1674 تأسس مركز تجاري فرنسي في مدينة سورت.
الدول الأوروبية حصلت على امتيازات تجارية وأقامت حصونا عديدة لحماية مصالحها في الهند، وبحلول عام 1707 تفككت سلطنة المغول، ما أدى إلى زيادة النفوذ الأوروبي.
هزيمة أمير البنغال سراج الدولة  في موقعة بلاسي عام 1757 أمام الإنجليز مهدت الطريق للسيطرة على البنغال ومناطق واسعة في الهند، وازداد صراعهم العنيف مع الفرنسيين.
 
احتلال نابليون بونابرت لمصر عام 1798 وتواصله مع شريف مكة وإمام مسقط وسلطان مملكة تيبو لضمان السيطرة على الطريق إلى الهند نبه الإنجليز إلى ضرورة السيطرة على مصر والبحر الأحمر والخليج العربي التابعين للسلطنة العثمانية.
بعد هزيمة نابليون أصبح الإنجليز القوة الأولى في الهند، وخضعت لهم البلاد، وتوسعوا في أفغانستان لتكون سدا أمام الهجمات الروسية، ثم اندلعت ثورة ضد الإنجليز في وسط الهند الشمالي عام 1857 كان عمادها الملك بهادر شاه وعلماء الدين المسلمون والهندوس.
انتهت الثورة بالفشل بسبب عدم توحد الجبهة الهندية من جهة، وبسبب القوة العسكرية للبريطانيين من جهة ثانية، وعام 1858 قررت الملكة فيكتوريا نقل حكم الهند من الشركة إلى الحكومة.
 
صراع الثلاثي
سلطنة مغول الهند كانت دولة إسلامية قوية تأسست في شمال الهند عام 1526 على يد الخان ظهير الدين بابر، وامتد حكمها إلى البنغال والهيمالايا، وفي ذلك الوقت كانت الدولة العثمانية استولت على سلطنة المماليك وخضع العالم الإسلامي إلى 3 قوى كبرى "العثمانيون والمغول والصفويون".
العداء المذهبي والصراع على آسيا الوسطى والعراق تسبب في دخول العثمانيين والصفويين في صراع طويل أنهك العالم الإسلامي وفتح الباب أمام التدخل الأجنبي، حيث استعان الصفويون بالبرتغاليين لصد خطر الأتراك.
السلطنة العثمانية لم تنس هزيمتها المذلة على يد تيمور لنك إمبراطور المغول في سمرقند عام 1402، وأسر سلطانهم بايزيد الأول، لذا جمدت العلاقات الدبلوماسية معهم ولم ترسل إلا سفيرا واحدا في عهد السلطان سليمان الثاني عام 1690 في عهد سلطان المغول أورانجزيب.
منذ القرن الـ17 تراجع الخطر العثماني على أوروبا وبات التفوق لصالح الأوروبيين الذين اختلفت رؤيتهم حيال السلطنة، بريطانيا عملت على استمرارها لخدمة مصالحها ضد الروس، ومنع وصولهم إلى المياه الدافئة في المتوسط وصرف أنظارهم عن مستعمرة الهند.
 
أتباع الإنجليز
العثمانيون استغلوا الصراعات الأوروبية لإطالة عمر دولتهم عبر الحصول على حماية المتنافسين الدوليين، وكانت فرنسا صديقة العثمانيين حتى غزو نابليون لولاية مصر عام 1798.
فرنسا دخلت إلى الهند عام 1664 واحتلت أراضي الإمارات الإسلامية، ولم تهتم السلطنة العثمانية بهؤلاء المسلمين وفضلت صداقة فرنسا عليهم، وبعد الحملة الفرنسية على مصر حلت لندن محل باريس.
بريطانيا أصبحت الحليفة الأولى للعثمانيين ضد الروس، ودفعت السلطنة  الثمن بخدمة مصالح الإنجليز في الهند على حساب المسلمين، فسهلت لهم احتلال جبل طارق من الإسبان والتحكم في مدخل البحر المتوسط عام 1704.
البحرية العثمانية التزمت بعدم مهاجمة المضيق بناء على أوامر السلطان، ثم استولى الإنجليز على جزيرة مالطا من الفرنسيين عام 1800، ثم أعاد مشروع قناة السويس الحياة إلى طريق البحر الأحمر والهند.
 
بريطانيا عملت على الاستيلاء على الممر الملاحي الوليد لضمان اتصال أسرع بالهند ولحمايتها من القوى الأوروبية المتناحرة، وقامت الخطة الاستعمارية البريطانية في مصر على عدة محاور أولها الحرص على رضا السلطان.
الإنجليز تخوفوا من استغاثة السلطان بالقوى الأوروبية لمساعدته في تخليص مصر ما قد يهدد بنشوب حرب كبرى، اهتم الإنجليز كذلك باحتلال قبرص لضمان السيطرة على شرق المتوسط ولتكون قاعدة لصد أي خطر روسي من البحر الأسود.
عبدالحميد الثاني كان الرجل المناسب للبريطانيين، جرائمه في البلقان منحت روسيا ذريعة لمحاربته عام 1877، وكبدته هزائم كبيرة، وكادت أن تكتسح العاصمة الآستانة لولا استنجاده بالإنجليز.
السلطان كافأ الإنجليز بالتخلي عن قبرص، وعام 1882 احتلت بريطانيا مصر بموافقة ضمنية من عبدالحميد الثاني، مقابل الحصول على 450 ألف جنيه إسترليني، ثم أصدر فرمانا بعصيان عرابي وتحجيم الجيش المصري.
 
خدعة الألماني
قبل احتلال مصر، منحت السلطنة بريطانيا امتيازات تجارية هائلة في العراق والخليج العربي، وظلت هيمنة الإنجليز على البلاد العربية لضمان تجارتها في إيران ولمنع أية قوة أوروبية من التواجد قرب مستعمرة الهند.
عدن سقطت عام 1839 في يد الإنجليز دون أن يقدم السلطان العثماني أية مساعدة لحركات المقاومة، حيث باع صمته لحلفائه الإنجليز مقابل الحصول على دعمهم ضد توسعات والي مصر القوي محمد علي باشا.
العثمانيون شنوا حملة عسكرية لإعادة احتلال اليمن عام 1872، لكنهم لم يقتربوا من عدن حفاظا على مصالح الإنجليز، ولم يتغير موقفهم من البريطانيين في الهند حتى مطلع القرن العشرين حين استبدل الأتراك بريطانيا بالألمان.
تجارة العثمانيين بمسلمي الهند وجدت قبولا شديدا من الألمان الذين وضعوا خطة لتكريس "دولة الخلافة" وترويجها لدى الشعوب المسلمة الخاضعة للاحتلالين البريطاني والفرنسي لربطهم بالسلطان ومن ثم استغلالهم في الحرب.
عبدالحميد الثاني كان الرجل المناسب للألمان، وطد علاقته بهم على حساب الإنجليز وصار ألعوبة في يدهم، ولم يتورط الألمان  باحتلال أراضي إسلامية فكانت مشاعرهم ودية تجاههم لكنهم لعبوا على وتر أكثر خداعا.
 
الهند كانت المحطة الأولى لمشروع الخلافة الألماني العثماني، وكانت خطة الألمان إثارة مسلمي الهند البالغ عددهم 50 مليونا ضد الإنجليز باسم الجهاد، عبدالحميد الثاني سعى بدوره لنهب ثروات الهنود بدعوى مد خط سكة حديد الحجاز.
السلطان زعم أن المشروع لخدمة الحجاج المسلمين، لكنه كان موجها لخدمة الاستراتيجية العسكرية الألمانية، بغية نقل الجنود إلى اليمن لضرب النفوذ البريطاني في عدن وقطع مواصلاتها مع الهند.
منذ عام 1908، كانت السياسة في السلطنة تقوم على استبعاد العناصر غير التركية ومحاربة الإسلام ورغم ذلك ظلت دعايتهم في الهند تروج لفكرة الرابطة الإسلامية والخلافة وما كان ذلك إلا لابتزاز البسطاء.
دورة العثمانلي في فلك ألمانيا ورطها في دخول الحرب العالمية الأولى، وأوعز الألمان إلى السلطان محمد الخامس بإعلان الجهاد المقدس على أمل أن يثور شعب الهند ضد بريطانيا.
مخطط العثمانيين لم يحقق أي نجاح، حيث اندلعت الثورة العربية عام 1916 بقيادة الشريف حسين، ودمرت النفوذ الروحي للسلطان، فالتفت المسلمون حول الحسين ذي النسب الشريف وتخلوا عن الأتراك.
الحرب العالمية الأولى كتبت شهادة وفاة الرجل المريض وفشلت مخططات الأتراك في خداع المسلمين مجددا، فأعلنوا سقوط السلطنة وتأسيس جمهورية تركيا عام 1924، ولم يهتموا بمعاناة الشعوب المسلمة تحت الاستعمار الأوروبي.
شعب الهند ثار ضد المحتلين حتى حصل على الاستقلال عام 1947، لكن الدعاية العثمانية المتطرفة أثارت جرحا في جسد الأمة الهندية وعززت الانقسام الديني بين المسلمين والهندوس، ما تسبب في حروب بين الطرفين وصراع ديني راح ضحيته الملايين.

المصادر :


Qatalah