يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


منحه السلطان العثماني سليم الأول لقب ملك الأمراء بعد أن تعاون معه ضد بلاده، وسلمه رأس قانصوة الغوري في معركة مرج دابق، وأتى به إلى القاهرة ليشنق طومان باي السلطان الشجاع، ولكنه اشتهر بين المصريين باسم خاين بك، بعد أن اقترف العديد من الجرائم في حقهم، وحصد أرواح آلاف الأبرياء من أبنائهم، وأرسل العمال المهرة إلى إسطنبول، وسجن العلماء وفرض الضرائب الباهظة ليتذوقوا على يديه الذل.
هو خاير بن ملباي المحمودي من المماليك الجراكسة، ولد في بلدة صمصوم ببلاد الكرج بجمهورية جورجيا حاليا، أحضره والده إلى السلطان قايتباي وصار من مماليكه، وفي أيام السلطان قانصوة الغوري أصبح كبير الحجاب ونال لقب أمير، ثم تولى منصب نائب السلطان في حلب واستمر فيه حتى قدوم العثمانيين إلى الشام ومصر سنة 1516.

افتتح سجل خيانته باغتيال الغوري 
خيم شبح الخيانة الكئيب على سهل "مرج دابق"، اشترى السلطان العثماني ولاء خاير بك نائب حلب بالمال، اتصل به سرا قبل المعركة الفاصلة، وأرسل له ثمن الخيانة، فتحول إلى خنجر مسموم في ظهر جنوده، كشف لسليم الأول خطة الجيش المصري كاملة، وحدد له موقع قانصوة الغوري في المعركة، وعندما التقى الفريقان على تخوم الشام انسحب الخائن بقواته التي تشغل الجبهة اليسرى، مهد الطريق للعثمانيين لتطويق الجيش المصري والنيل منه، وسهل لهم مهمة اغتيال الغوري، واحتلال حلب، وبعد هزيمة المماليك قدم لهم  كشفا بأسماء القادة والثائرين في المدينة، فنصبت المشانق التي فاضت عليها أرواح آلاف القتلى.
في القاهرة تجمع المماليك تحت قيادة "طومان باي"، نصبوه سلطانا جديدا، ليخوض بهم معركة الريدانية، لكنه واجه هزيمة مروعة بسبب تخاذل أمراء المماليك عن نصرته بعد أن تسلموا حقائب مملوءة بالذهب أرسلها لهم السلطان العثماني سرا قبيل المعركة عن طريق رجال خاير بك.
الأمان هو ما وعد به السلطان الغادر المصريين عند دخوله القاهرة، لكن الفزع هو ما شعر به أهل البلاد على يد فرق الإنكشارية الذين أطلق السلطان يدهم ليعيثوا في المدينة العامرة فسادا وخرابا، واصلوا النهب والقتل بحجة البحث عن المماليك الهاربين، وبلغت الجريمة العثمانية ذروتها عندما انكسرت آخر محاولة للمقاومة قام بها طومان باي لصد الهجوم. 
استمر خاير بك في إثبات مهاراته في الخيانة ولكن هذه المرة داخل مصر، لم يكتف بالإرشاد عن الأماكن التي يختبئ فيها أمراء المماليك، ولكنه أعد قائمة بأسماء العلماء والصناع والحرفيين الذين تقرر ترحيلهم إلى إسطنبول، وتولى نهب ثروات المصريين وقدمها قربانا تحت قدمي سليم، حتى خرج السلطان العثماني ومعه ألف جمل محملة بالذهب والفضة. 

التحريض على احتلال القاهرة
في كتابه "وقعة السلطان الغوري مع السلطان سليم" يحدثنا ابن زنبل الرمال عن علاقة خاير بك بالسلطان، وإلحاحه على ضرورة التوجه إلى مصر والقضاء على المماليك.
"فقال له السلطان سليم، وأنى لي بأخذ مصر، وجميع العسكر اجتمعوا بها، وقد أخذوا أهبتهم، وسلطنوا عليهم طومان باي، وهو مشهور عندهم بالشجاعة والفروسية ولا بد لهم من أمر يريدونه، ونخشى التجوين في بلادهم وبعد المسافة بيننا وبين بلادنا، فقال خاير بك: إن العسكر الذين رجعوا من بعد الكسرة (هزيمة مرج دابق) وانقطعت قلوبهم، فحيثما كان ذلك فلا تخش من شيء، وأنت منصور بنصر الله لك".
ذكر ابن زنبل أن السلطان سليم كان يوبخ خاير بك كثيرا كلما واجه موقفا صعبا، بل إنه هم بضرب عنقه، خاصة بعد دخول القاهرة، وهروب طومان باي ونجاحه في تنظيم المقاومة ضد الغزو العثماني، وعندما كان العثمانيون يمسكون بأمراء المماليك الهاربين، كان خاير بك يستحث السلطان سليم على قطع رقاب الذين كانوا يوما زملاءه ومن بني جنسه، وعند أسر طومان باي السلطان المملوكي الشجاع أعجب به وقرر أن يتخذه وزيرا، فحرضه خاير بك على قتله قائلا : "يا مولاي، إن أبقيت عليه وجعلته وزيرا لا يبقي عليك هذا المعاند الباطل والكلب الجاهل ويفسد جميع عساكرك"، حتى تم شنق طومان باي على باب زويلة.

متعهد التتريك في مصر 
قرر سليم الأول تعيين خاير بك نائبا له في مصر قبل أن يغادرها، ولقب خاير بك بملك الأمراء، فحاول أن يصنع حوله الهيبة، فكان ينزل من القلعة في مواكب تكتظ بالفرسان على الخيول،  ولم يذكر ابن إياس أن الناس قابلت الخائن بالترحيب أو التهليل كما كان يحدث أيام السلاطين، بل تجاهلته و عاملته باحتقار وفتور، فتجبر عليهم وسفك دماءهم وقتل في مدة ولايته على مصر آلاف الأبرياء، وانتشرت المحاكمات السياسية لمعارضي آل عثمان، الذين صدرت ضدهم أحكام بالإعدام على الخازوق، والتي أطلق عليها خاير بك "شك الباذنجان".
انبطح خاير بك أمام سليم الأول، تعهد له بتتريك الإدارة والقضاء، وأمر القضاة بإرسال خطاب تهنئة للسلطان سليم بمناسبة احتلاله مصر، لكن القضاة رفضوا واعتبروها إهانة وإذلالا لزعماء الشعب فعزل جميع القضاة ومعاونيهم ووصفهم بـ"الأنجاس".
وفي حضور قاضي السلطنة عقد خاير بك اجتماعا بالقلعة للتنكيل بالفقهاء ، وعنف قضاة المذاهب الثلاثة وأمرهم بالخضوع للقاضي التركي الحنفي، واتبع ذلك بإصدار مرسوم "اليسق العثماني"، الذي قضى على حرية ونزاهة القضاء المصري، أما العلماء فقد اعتبروا القانون التركي الجديد ردة وانحرافا عن أحكام الشريعة الإسلامية، خاصة بعد تعطيل عقود الزواج والمعاملات اليومية وتغليظ العقوبات.
اعترض علماء الأزهر على الأحكام الظالمة التي أطلقوا عليها اسم "يسق الكفر"، أرسلوا خطابات احتجاج لإسطنبول لتوضيح المخالفات الشرعية التي تقع فيها، لكن الدولة العثمانية دعمت الوالي الخبيث بقوة عسكرية كبيرة لقمع المعارضين، فتمكن خاير بك من التنكيل بعلماء القاهرة ونفى الكثير منهم إلى الشام وأجبر الباقين على الصمت، ونتيجة لجرائمه لقبوه بـ"خاين بك".
رغم الإجراءات القمعية التي اتخذها خاير بك وإعلان حظر التجول ليلا واعتقال القيادات السياسية وعلماء الأزهر، بهدف تكميم الأفواه، إلا أنه لم يسلم من تهكم المصريين الذين جعلوه بطلا لقصص الخيانة، وأقاموا مسرحيات في الشارع تنال منه، في مقابل طومان باي الذي ظهر في الكثير من السير الشعبية بطلا شعبيا محبوبا.

دعوات المصريين عليه أصابته بمرض قاتل 
ويبدو أن لعنة الفراعنة لاحقت خاير بك بمرض خبيث لم يعرف له علاج، ونصحه المقربون منه بالتوبة عما اقترفه من جرائم، فراح يوزع المال ليدعوا له العامة والفقراء بالشفاء، لكن دموع الندم الذائفة لم تنفعه في شيء، زاد عليه المرض وأصيب بالشلل،  حتى مات في عام 1521.
دفن الخائن في تربته التي بناها قرب باب الوزير على طريق القلعة، يقول ابن زنبل الرمال: "يمر عليها الناس عند ذهابهم وإيابهم، فلا يلتفت إليه منهم أحد، ولا يترحم عليه ولا يقرأ له الفاتحة، مع أنها تربة مليحة المنظر. ومع ذلك صد الله عنه قلوب الخلق لأنه كان سببا في هلاك الآلاف من المماليك الجراكسة والمصريين".
وتتردد بين سكان القاهرة الكثير من الأقاويل عن الخائن حتى بعد موته، فيذكر المؤرخون: "كان المارة يسمعون صراخه في القبر وهو يصيح حتى ضج الناس من ذلك".

Qatalah