يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


حتى يتمكن إردوغان من إقامة مشروعه الخبيث، كان لابد من هدم الأيديولوجية القومية التي بنى مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية الحديثة عليها، واستبدالها بأخرى قائمة على الخطاب الديني المتطرف، المستند في أساسه إلى فكرة حسن البنا الشريرة ( جماعة الإخوان المسلمين) وتطويرها الأكثر شرا على سيد قطب (الحاكمية) التي يختطفها قلة حزبية فاشية تدير مجتمعا - بزعمها- كافرا.
يروج العثمانيون الجدد الذين استولوا على السلطة - انتخابيا- في 2002، ولم يتخلوا عنها منذ ذلك الحين، أن رجب إردوغان رئيس ذو توجه إسلامي، لكن الحقائق تكشف أنه يتلون كالحرباء ويستخدم كل الأدوات المتاحة لتحقيق مشروعه الخبيث، في بسط هيمنة العنصر التركي على المنطقة من جديد، واستعادة وهم الإمبراطورية، وإحياء تقاليد السلطنة، فكان لجؤوه لاستغلال الإسلام بخطاب ديني متشدد أكثر ما يحقق له وسائل النجاح الشعبوية، برأيه.  
أصبغ أتاتورك خطابه السياسى بالصبغة القومية، وسعى لتحقيق فكرة "تركيا للأتراك" التي انطلقت منها  أفكاره القومية، والتي نجح من خلالها في دغدغة مشاعر الشعب وكسب تأييده، من خلال هذه الشعارات الممجدة للذات، التي كان ينادي بها في أعقاب الهزيمة، إلى جانب حديثه عن  رغبته في إقامة دولة تركية موحدة تندمج فيها جميع الأقليات العرقية والدينية.
ابتعد أتاتورك عن أي أيديولوجيا دينية، بل وطاردها وطمس ملامحها التي كانت تستشرى في بلاط أسلافه، فيما قرر إردوغان أن يلعب على ذلك الوتر الحساس ليحقق به مكاسب سياسية، فجاء خطابه في كثير من الأوقات قومياً راديكاليا، لضمان التأييد ذاته، ولكن من طريق معاكس، هو إعلاء الصبغة الدينية ومعاداة العلماني الكمالية، أملاً في ترسيخ بقائه في حكم تركيا لفترة أطول، وسعياً للحصول على مزيد من الدعم التركي.
 

أدوات إردوغان لنشر هذه الأيديولوجيا تعددت بين صك أكاذيب مؤسسي جماعة الإخوان والتيارات السلفية بصياغة عصرية، وافتتاح محموم للمدارس الدينية بدعوى بناء جيل متدين، وإطلاق سباق تشييد المساجد الفخمة والمآذن المهيبة وإن تكلفت ملايين الدولارات، وأخيرا دعم جماعات متطرفة ساعد على نشرها حول العالم خاصة في أوروبا بكل ما يملك من غالٍ ونفيس، لتفجير الأرض تحت أقدام خصومه، وإصدار حزمة قوانين وقرارات تحمل طابعاً دينيا بعد الهيمنة التامة على البرلمان.

شحنات الخطابات المسممة
يعد الخطاب السياسي ذو الطابع الشعبوي لإردوغان، والمشحون بالعبارات الرنانة والمقولات الدينية الحماسية أكثر أدواته استعمالا،  فمعظم الجولات الانتخابية التي فاز فيها إردوغان - إن لم يكن كلها - كانت تحتشد بهذه الخطابات، حيث يحرص على البدء بعبارة "الله أكبر"، مستنهضاً  المشاعر الدينية للشعب التركي ذي الغالبية المسلمة،  الأمر الذي دفع إردوغان للإسراف في استخدام هذه النغمة واللعب بعواطف شعبه ودغدغة مشاعره، لأنه يعلم أن ذلك أقرب طريق عاطفي إليهم، يساعده في تغطية فشله على الجانب السياسي، كما يغطي انتهاكه لحقوق الأتراك الديموقراطية.
لم يقتصر رجب على استخدام هذه النغمة في الداخل التركي فحسب، بل اتخذها أداة للعب على مشاعر الشعوب الإسلامية في محاولة لكسب تعاطفهم وودهم في كثير من القضايا، مثل خطابه عن القضية الفلسطينية الذي تحدث فيه عن مدى تعاطفه مع القدس وأنها جزء لا يتجزأ من الكيان الإسلامي لا يمكن التخلي عنه، فيما ذهب كل هذا سدى بعد أشهر قليلة بعودة الدفء لعلاقته بإسرائيل على الملأ.



المدارس.. أبواب التجنيد المفتوحة
التعليم من أهم الأدوات التي لجأ إليها إردوغان لنشر الأفكار الإخوانية البديلة للأفكار الكمالية،  بل أكثرها تأثيراً، فالتعليم  يمثل العمود الفقري للقوى الدينية في تركيا، والورقة التي يستخدمها حزب العدالة والتنمية وزعيمه من أجل إبقاء الحزب عقودا طويلة في حكم البلاد، ما كشفه توسع  إردوغان في تأسيس مدارس " الإمام الخطيب" ذات الطابع الديني، التي تخرج منها أغلب قادة الحزب،  الأمر الذي جعل الحقل التعليمي والتربوي مجالا خصباًَ لترسيخ  الأفكار الدينية في المجتمع التركي من خلال المناهج الدراسية التي يلقنها المعلمون للتلاميذ لاسيما لدى النشء التركي الذي سيمثل البلاد لعقود طويلة.
 
وقد زاد اهتمام الحكومة بإقامة هذا النوع من المدارس خاصةً عقب ثورات الربيع العربي، فزادت نسبة إنشائها في السنوات الخمس الأخيرة إلى 73% مقارنة بذي قبل،  حتى أن إنفاق الدولة التركية على هذا النوع من المدارس قد شكل مايقرب من ربع إجمالي إنفاق الدولة التركية على المدارس عامة، ولم يكن هذا الاهتمام المبالغ فيه من قبل الحكومة بهذا النوع من المدارس إلا  وسيلة لتحقيق الأيديولوجيا الإردوغانية  التي ترتكز بشكل أساسي على إحياء فكر "الجماعة" كبديل لـ "الدولة"، واستبدال ألغام سيد قطب مفكر الحاكمية وصاحب أكبر نظرية في التكفير والمسؤول الأول عن تفريخ الدواعش، بأفكار مصطفى كمال أتاتورك وقوانينه ورؤيته الصارمة للدولة، والتي وصل إردوغان نفسه إلى الحكم من عباءتها ووفق تقاليدها.

فصول غسل الدماغ

إعادة بناء الوعي الجمعي التركي، أو غسل الأدمغة بتعبير أدق، عبر تكريس التوجهات الإخوانية وتجفيف قيم ومبادئ العلمانية، ظهر في تعليم الشباب والفتيات في فصول منفصلة والتركيز على الدروس الدينية على حساب المواد العلمية، كخطوة لاستخدام الدين كورقة ضامنة لبقاء الأحزاب الإسلامية وفي مقدمتها العدالة والتنمية لعقود طويلة في السلطة، بالعمل على جعل الدين محور الحياة ما يضمن أصواتا انتخابية لا تناقش ولا تحاسب وفق معايير النجاح والفشل، بل وفقا لمعيار الانحياز الإيماني فقط، خاصة بعد تراجع شعبية الحزب نتيجة السياسات التي تنتهجها حكومة إردوغان خاصة على مستوى الشباب.

فضلا عن ذلك تم استخدام هذه المدارس كنوع من مكايدة ومنافسة بعض الخصوم مثل الداعية التركي المعارض فتح الله غولن، والذي يملك أيضاً عددا من المدارس التي تنتهج أيديولوجية خاصة بها، والتي تسعى إلى نقل الأفكار الصوفية للطلاب وهذه المدارس تابعة لحركة الخدمة التي يتزعمها رجل الدين فتح الله غولن.
استهدفت تلك المدارس أيضا توسيع نفوذ تركيا خارجيا في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، في محاولة لتحقيق حلم إحياء الخلافة العثمانية، من خلال اللعب على مشاعر المسلمين وإظهار تعاطفه حيال العديد من القضايا الإسلامية (القدس وسورية وبورما على سبيل المثال) التي يلعب عليها إردوغان مستخدماً الخطابات الرنانة ذات اللهجة الدينية لضمان كسب مزيد من القوة والدعم داخل تيارات الإسلام السياسي في الدول العربية والإسلامية، بما يضمن أوراقا ضاغطة لتمرير أطماعه الاقتصادية والاستراتيجية داخل هذه الدول عبر جماعات وأحزاب الإسلام السياسي.
 


منارات للصلاة أم للتربح؟
ينفق  الرئيس التركي رجب إردوغان ملايين الدولارات على إقامة المساجد والمراكز الإسلامية داخل تركيا وخارجها ، كأداة من أدواته في نشر الأيديولوجية الإخوانية، وتحقيق أطماعه الاستراتيجية والسياسية، فبعض هذه المساجد أقيم من أجل طمس هوية بعض البلدان واستبدالها بالهوية التركية، مثل مسجد هالة سلطان الذي أقامته السلطات التركية في شمال قبرص، ولم ينشأ من أجل نشر تعاليم الإسلام، في الوقت الذي يعلم فيه إردوغان أن الجزيرة علمانية وليست ذات خلفية إسلامية، وإنما جاء إنشاؤه كجزء من مخطط إردوغان الرامي  لطمس هويتهم واستبدالها بالهوية التركية العثمانية.
بعض هذه المساجد يستخدم أيضا بغرض التجسس، حيث سعى إردوغان لإنشاء المساجد والمراكز الإسلامية في أوروبا تحديدا، بهدف زرع مراكز للتجسس منذ مسرحية الانقلاب في يوليو 2016، واستغلال أئمة المساجد من أجل الحصول على معلومات حول خصومه خاصة من أتباع فتح الله غولن، لتسهيل مهمة ملاحقتهم، فتجنيد هؤلاء الأئمة كان يتم من خلال رئاسة الشؤون الدينية التركية "ديانت"، التي اعترفت العام الماضي باستخدام المساجد في جمع المعلومات عن المسلمين خاصة الأتراك وفقاً لصحيفة حرييت التركية.

وعينت هذه المنظمة عددا كبيرا من الأئمة  الذين تم اتهامهم بالتجسس لصالح المخابرات التركية على المواطنين الذين تعتبرهم الحكومة معارضين لإردوغان  داخل عدد كبير من الدول مثل ألمانيا وبلجيكا والنمسا وهولندا وسويسرا والنرويج والسويد . 
فضلاً عن ذلك احتضنت أنقرة عددا كبيرا من رجال الدين التابعين لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية واستقبلتهم على أرضها وسهلت تقديم الدعم لهم، في الوقت الذي يطردون فيه من بلادهم بسبب إثارتهم للفتن وسفك الدماء، ومن بين هؤلاء كاهن الإخوان الأكبر يوسف القرضاوي، الذي تم طرده من مصر على إثر خطبه التحريضية وتلقيه الدعم من جانب النظام التركي . 
 

جماعات دينية.. وميليشيات
تزايدت علاقة إردوغان بالجماعات الدينية خاصة ً عقب ثورات الربيع العربي كأحد أبرز التحالفات في منطقة الشرق الأوسط من أجل سعي إردوغان  للدخول إلى الشرق الأوسط وفرض هيمنته عليه عن طريق هذه الجماعات،  من أجل استخدامها في الترويج للتجربة التركية  كنموذج مثالي للحكم بالمنطقة، وذلك لتحقيق الرغبة التركية في استعادة الخلافة العثمانية التي تم إسقاطها في عشرينيات القرن العشرين.
تطور علاقة تركيا  بقوى الإسلام السياسي في مصر وتونس والتي صعدت مع اندلاع ثورات الربيع العربي والتي تمثلت في جماعة الإخوان المسلمين، كذريعة من تركيا  للحصول على موطئ قدم في الداخل المصري، و قامت تركيا بمساندة هذه الجماعة وتقديم كل أنواع الدعم لها وأعضائها سواء الدعم المادي أو المعنوي،  وتوتر العلاقة بينها وبين النظام المصري واتهام ماحدث في مصر في 2013 بأنه انقلاب وليس ثورة.
كما استغلت تركيا الوضع  في سورية، أقرب الجيران لها، والتي تحول الوضع فيها من مجرد احتجاجات شعبية إلى صراع أهلي مسلح، مستغلة هذا الوضع من أجل الحصول على نصيبها من الكعكة السورية  لم تجد أنقرة غضاضة من دعم القوى المسلحة،  حيث لعبت تركيا دورا كبيرا في توفير السلاح للجماعات المسلحة التي خرجت معظمها من عباءة تنظيم الإخوان،  مثل العلاقة التي توطدت بين تركيا وجبهة النصرة والتي عبر عنها بنفسه رئيس المكتب السياسي لما يسمى هيئة تحرير الشام يوسف الهجر، والتي تحدث فيها عن العلاقة المتينة بين تركيا والنصرة وتلقي النصرة للدعم الضخم من تركيا .
الدعم التركي لم يتوقف عند جبهة النصرة بل قدمت تركيا الدعم لتنظيم داعش وارتبطت بعلاقات وثيقة مع "تنظيم الدولة الإسلامية"،  وتقديم كل أشكال الدعم لها وكانت حجة إردوغان في ذلك  أنه يرى في داعش خطرا أقل عليه من الأكراد، وقد تأكد هذا الدعم من خلال بعض التقارير الصحافية  لصحيفة "جمهورييت" التركية التي  تحدثت عن عشرات الشاحنات التركية المحملة بالأسلحة المتوجهة لتنظيم داعش عبر الحدود التركية السورية ، وتم توقيفها وكشفها من خلال ضباط من الجيش التركي والتي اتهم فيها عدد من ضباط المخابرات التركية .


تركيا وتنظيم القاعدة.. حضن الأم
تتأكد علاقة إردوغان بتنظيم القاعدة من خلال العلاقة الشائكة التي تجمع بين الرئيس التركي وواحد من أهم ممولي التنظيم  رجل الأعمال ياسين القاضي، الذي يمثل أيضا شريك بلال إردوغان، والذي يزور تركيا سرا بشكل متكرر، فضلاً عن قيام إردوغان بإلغاء التحفظ  على أمواله في 2006 على إثر إدراجه على لائحة الإرهاب.
علاقة تركيا بتنظيم القاعدة لا تقتصر على الرئيس وحكومته، حيث وصلت إلى الإعلاميين الموالين له حيث أفادت صحيفة "جمهورييت" التركية يوليو 2015.
بقيام  مقدم البرامج ومنتج برنامج "Yeni Rota" آدم أوز كوسة بالانتقال  إلى مدينة حلب السورية هو وفريق عمل برنامجه، لتصوير برنامج مع أعضاء تنظيم القاعدة الذين يشاركون في الحرب ضد نظام بشار الأسد في سورية، وأظهرت مقاطع الفيديو المصورة أن أحد أعضاء تنظيم القاعدة يدعى" أبو مصطفى"، أصيب بطلق ناري في ساقه من قبل قناص، أثناء اصطحابه لمقدم البرامج آدم أوز كوسة وفريق عمل برنامجه، في بلدة "الليرمون" التي تشهد أحد أعنف المعارك هناك.
 

Qatalah