يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يكذب العثمانيون الجدد كما يتنفسون، استغلوا الاحتفالات العالمية بإحياء الذكرى المئوية لقيام الحرب العالمية الأولى عام 2014، لإطلاق حملة جديدة من الأكاذيب التي شاركهم فيها الديكتاتور رجب إردوغان، من أجل خداع الشعب التركي، بأن العام 2023 سيحمل الخير الوفير لتركيا، بعد التخلص من تبعات الحرب العالمية وما ترتب عليها من معاهدات خصوصا معاهدة لوزان الموقعة العام 1923، بحجة أنها تسقط بعد مرور مئة عام على توقيعها، وأن أنقرة لها الحق في تغيير هذه المعاهدة العام 2023، لكنها حيلة رخيصة من إردوغان وأشياعه للتغطية على فشل سياساته الاقتصادية ببيع وهم تغيير المعاهدة للأتراك، فالحقيقة أن كل ما يدور في هذا الصدد محض أكاذيب تركية.
يعزى إلى إردوغان إشعال تلك الحالة الخاصة من التفاعل الشعبي من خلال الرسائل المتواصلة التي بثها عبر خطاباته حول معاهدة لوزان 1923، بترويج ما سماه بالآثار المدمرة لها على بلاده، كان أبرز تلك الخطابات ذاك الذي ألقاه في 29 سبتمبر 2016 أمام عمد المدن التركية في القصر الرئاسي بأنقرة، وهاجم فيه بنود لوزان بعنف، ليبدأ الجدل حول اعتبارها نصرا تاريخيا أم هزيمة، خصوصا أنه وعد الأتراك بتغيير مستقبل تركيا حال ما نجح في تغيير بنود المعاهدة.
جاء هجوم إردوغان على لوزان بعد أسابيع قليلة من مزاعم الانقلاب ضده في يوليو 2016، والتي وصفت على نطاق واسع بالمسرحية الهزلية، وفي ذلك السياق زعم إردوغان أن انتصاره على مدبري الانقلاب كان بمثابة "حرب الاستقلال الثانية للأمة التركية"، وأن الانقلاب في حد ذاته يمكن وصفه بـ"الحلقة الثالثة ضمن المؤامرات الكبرى ضد الإرادة التركية والتي بدأت بمعاهدة سيفر 1920 واتبعت بمعاهدة لوزان 1923". 
قال إردوغان حينها :"في لوزان تخلينا عن جزر بحر إيجة التي يمكن أن تسمع صوتك عبرها جميعا إذا صرخت. هل ذلك يعد نصرا؟! تلك الجزر كانت ملكنا، أضرحتنا هناك. أولئك الذين جلسوا على طاولة المفاوضات في لوزان لم يستطيعوا التوصل إلى أفضل اتفاق، واليوم نحن نعاني عواقب ذلك"، وأضاف: "لوزان ليست نصا مقدسا، سنناقشها وسنسعى للحصول على اتفاقية أفضل".
كان حديث إردوغان موجها إلى عصمت إينونو، الرئيس التركي الأسبق، والمسؤول عن المفاوضات بين تركيا والحلفاء في زمن توقيع المعاهدة. وأثارت انتقاداته لإينونو عاصفة من الاستياء في الأوساط العلمانية التي اعتبرته "خيانة للتاريخ"، وطعنا في رموزها وفي الأساس التاريخي لوجود الكيان الجمهوري. 
وقال كمال كيليشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، موجها حديثه إلى إردوغان: "لا تنس أنك تجلس على ذلك الكرسي بسبب لوزان"، في المقابل وجد الرئيس التركي من يقف إلى جانبه في هذه المحنة التي تورط فيها، بطبيعة الحال وبحكم توظيف المال في شراء الذمم، فأشاد يوسف قبلان الصحافي في الجريدة الحكومية يني شافاق بخطابه، وقال إنه ألقى التابوهات في القمامة، ووصف معاهدة لوزان بأنها وثيقة الموت لتركيا. 
 
 
خرافة 2023
أخرج إردوغان اتفاقية لوزان من نطاقها التاريخي ليضعها داخل المستقبل، وأشار إلى أنه بحلول عام 2023 ستحتفل بلاده بانتهاء أثر المعاهدة في ذكراها المئوية وفقا للقانون الدولي، وأن ذلك "سيخلص تركيا من قيود الاتفاقية طوال قرن كامل"، مبشرا شعبه الذي يذوق المرّ من جراء الأزمة الاقتصادية بـ "تركيا مختلفة تماما".
نسج الإسلاميون من أتباع إردوغان العديد من الخرافات حول عام 2023، وأوهموا الشعب بأن الاتفاقية شملت "بنودا سرية تسمح لتركيا بالعودة إلى الحدود السياسية للإمبراطورية العثمانية قبل 1923 بعد مرور مئة عام، وأن البلاد ستتمكن في عام الخلاص هذا من التنقيب عن البترول بحرية، فضلا عن تصنيع أول سيارة تركية بالكامل، وحفر قناة تربط بين بحر مرمرة والبحر الأسود".
في المقابل، أثار العلمانيون الأتراك تخوفات واسعة من تحولات ما بعد 2023، وأكدوا أن "إردوغان ينوي استغلال نهاية سريان لوزان للاتفاق مع الاتحاد الأوروبي على إقامة دولة كردستان المستقلة، وأنه سيحفر قناة جديدة في البوسفور ليمكن السفن الأميركية من دخول البحر الأسود، وأخيرا سيصل بعملية أسلمة المجتمع التركي إلى نهايتها عبر هدم إرث العلمانية واستبداله بآخر إسلامي يستمد شرعيته من الماضي العثماني".
 
تفكيك الأسطورة
على أرض الواقع لا وجود لما يسميه الإسلاميون بـ "بنود سرية" في معاهدة لوزان، الأمر الذي أثار سخرية مريرة في التحليلات الغربية ، والأمر لا يعدو أن يكون سوى محض خرافة خلقها حزب العدالة والتنمية الحاكم لأغراض دعائية، تستخدم من خلالها لوزان كشماعة يمكن أن تعلق عليها كل سنوات الإخفاق التركي في مجموعة من الملفات الشائكة منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى اليوم.
الاتفاقية التي جاءت في 4 فصول وشملت 143 مادة  لم تذكر شيئا عن تصنيع السيارات أو التنقيب عن البترول وإنتاجه وغيرها من الأوهام التي يطلقها إردوغان وأتباعه من الإسلاميين الأتراك أو العرب، ويصر إردوغان على استخدام المعاهدة لتصبح كبش فداء لتسويغ العجز التركي عن إيجاد حل للمشكلات التي أغرقت البلاد ولتبرير أعمال التنقيب عن البترول في مياه البحرين الأسود والمتوسط وإرسال سفينة الفاتح للتنقيب في المياه العميقة لأول مرة في تاريخ تركيا، حسبما أشار بيرات آلبيراق وزير الطاقة والموارد الطبيعية السابق ووزير المالية الحالي.
 
 
نصر أم هزيمة؟
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى في أواخر 1914، واختارت الدولة العثمانية المحكومة من قبل جمعية الاتحاد والترقي القتال في صف حليفتها ألمانيا القيصرية ضد التحالف الثلاثي بين بريطانيا وفرنسا وروسيا، بدا واضحا أن العثمانيين اختاروا الاصطفاف في الجانب الخاسر، حيث تكبد الألمان هزائم فادحة في أوروبا، بينما خسرت إسطنبول كل أقاليمها الأوروبية في البلقان ثم نظيرتها الشرقية في شبه جزيرة العرب وبلاد الشام والعراق بفعل الثورة العربية الكبرى، وتحول الهجوم البريطاني الفرنسي في أعقاب ذلك إلى الأناضول، حيث تمكن الحلفاء في النهاية من احتلال العاصمة إسطنبول.
وقع العثمانيون المنهزمون معاهدة سيفر مع الحلفاء، 10 أغسطس 1920، وقسمت الأملاك العثمانية في الشرق وشمال إفريقيا بين إنجلترا وفرنسا، ومنحت القوميات البلقانية استقلالها الكامل عن الحكم التركي، وخلقت بذلك حدودا جديدة للدولة العثمانية لا تتجاوز منطقة الأناضول وتراقيا الشرقية، في ذلك الوقت كان مصطفى كمال أتاتورك يمثل الشخصية التركية الأبرز في العالم العثماني المنهار، وأصبح ممثلا للعقيدة القومية كبديل ثالث وأخير لانتشال الأتراك من وضعهم البائس. 
وكانت القومية التركية ضاربة بجذورها في عقول جانب مهم من النخبة التركية منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من خلال كتابات ضياء جوكالب ويوسف أكشورا التي ذهبت إلى الإيمان بالصفاء الإثني للأتراك وضرورة إنشاء دولة قومية تركية على أساس العرق لا الدين، ووصلت تلك الحركة إلى ذروتها مع أتاتورك الذي بدا أنه وصل في اللحظة التاريخية المناسبة لجني ثمارها، فجمع رفاقه من القوميين عقب الحرب وألف بهم الجمعية الوطنية التركية، في أبريل 1920.
مصطفى كمال أعلن رفضه الاعتراف بالحكومة العثمانية في إسطنبول التي مثلها السلطان محمد السادس، متهما إياها بالخيانة لقبولها التوقيع على معاهدة سيفر، وشكل حكومة بنفسه في أنقرة التي اختارها عاصمة جديدة للدولة القومية المزمع إنشاؤها، ثم جمع شتات الجيش التركي المنهزم وبدأ ما يعرف بـ حرب الاستقلال التركية اليونانية، التي انتهت في 11 أكتوبر 1922 بانتصار تركي حاسم على القوات اليونانية الغازية للأناضول، وتوقيع أتاتورك اتفاق مودانيا مع قوات الحلفاء.
أصبح أتاتورك بطلا وطنيا بعد حرب الاستقلال، ونال وحكومته في أنقرة اعترافا دوليا من خلال مودانيا التي دعي أتاتورك فيها للمشاركة إلى جانب حكومة إسطنبول في مفاوضات السلام الشاملة بين الدولة العثمانية وخصومها، والتي اختير من مدينة لوزان في جنوب سويسرا مقرا لها، وبسبب ازدواجية التمثيل التركي حاول الصدر الأعظم أحمد توفيق باشا الذي ترأس وفد الحكومة العثمانية أن ينسق مع أتاتورك قبل الذهاب إلى لوزان حتى لا تتعارض المطالب التركية.
رفض أتاتورك محاولات الصدر الأعظم، وأعلن في 11 نوفمبر 1922 إلغاء السلطنة العثمانية وحل حكومة إسطنبول، والتأكيد بأن وفد أنقرة برئاسة عصمت إينونو الممثل الوحيد لإرادة الأتراك في لوزان، وانطلق المؤتمر في 20 نوفمبر 1922 بمشاركة وفد إينونو وممثلي دول الحلفاء.
 
 
في الجولة الأولى من المفاوضات، ربط إينونو توقيعه للمعاهدة بموافقة الحلفاء على الشروط التي أقرها القوميون الأتراك في البرلمان التركي في 17 فبراير 1920، وتركزت في 14 مبدأ قائمة على أساس الميثاق الوطني الذي أقره البرلمان حينذاك، وكان على رأسها عدم قبول أية امتيازات أجنبية قديمة أو جديدة، والرفض التام لفكرة التفاوض حول قيام دولة أرمنية جنوب الأناضول، والموافقة على الخريطة الجديدة لحدود تركيا المرفقة بالميثاق الوطني وهي ذاتها الخريطة التي استخدمها إردوغان أثناء محاولاته لإثبات أكاذيب "حقه التاريخي في حلب والموصل" عام 2016.
رفض الحلفاء الشروط التي عرضها إينونو، وأخبروا الوفد التركي صراحة بأن لوزان هي الفرصة الأخيرة للأتراك لنيل أية مكاسب سياسية على الأرض والحفاظ على استقلالهم القومي نفسه، وتوقفت المفاوضات بعد أن خير الوفد التركي بين القبول الكامل أو الرفض الكامل للمعاهدة، وعاد إينونو إلى أنقرة، ولما أيقن أتاتورك أن الإصرار على مطالبه قد يؤدي إلى تعرض تركيا هذه المرة إلى غزو تركيا بشكل شامل لا يمكن التعامل معه، فضل التمسك بما حققه من مكاسب بعد حرب الاستقلال، وتخلى عن الحدود الجغرافية لدولته الناشئة، وأمر إينونو بالعودة إلى لوزان والتوقيع على وثيقة المعاهدة بأي ثمن، وبدأت الجولة الثانية من مفاوضات لوزان في 23 أبريل 1923 وانتهت بتوقيع الاتفاقية أخيرا في 24 يوليو 1923 وتم التصديق عليها من المؤتمر القومي التركي في 23 أغسطس من العام نفسه. 
هكذا لا يمكن اعتبار لوزان إلا انتصارا للقوميين الأتراك إذا ما قيست الأمور بظروف العصر وحالة الانهيار العسكري الشاملة التي عاشتها الدولة العثمانية عقب هزيمتها الساحقة في الحرب، وبالتالي لا يجوز الانجرار وراء أحاديث إردوغان عن المفاوضات الأفضل التي كان على عصمت إينونو أن يجريها في لوزان. 
لا يمكن أيضًا التفاعل مع الطرح المستمر لإردوغان لقضية لوزان والتبشير بتركيا جديدة في سياق الدعايات الانتخابية لنفسه أو لمشروعه السياسي الخاص، أو حتى في سياق المشاغبات بينه وبين التكتل العلماني، مثل تلك المعالجة لا يمكنها أن تقدم سوى تفسير محدود وضيق هو في غفلة عن الأهداف بعيدة المدى وراء سعي إردوغان لإعادة إنتاج لوزان.
 
 
وهم إحياء الإمبراطورية
أية محاولة لفهم خرافة لوزان 2023 لن تتم سوى في إطار التحولات الخطيرة في منطقة الشرق الأوسط منذ عام 2011، والتي حولت الجزء الأكبر من حدود الجمهورية التركية إلى نقاط ساخنة يشتبك معها إردوغان بدرجات متفاوتة، وتظهر من خلالها الفرص مواتية أمامه وبشدة لحل أزمات داخلية تتعلق بعجز الطاقة والتضاد الأيديولوجي الحاد بإضافة كتل جغرافية جديدة وثرية إلى حدوده القومية.
لا يعني أردوغان بإعادة التفاوض حول لوزان السعي إلى بعث الإمبراطورية العثمانية من موتها، كما تذكر العديد من التقارير المتخوفة في العالم العربي، لأن مثل تلك الفكرة تعد جنونية بالكامل، إنما يكمن الهدف الحقيقي له في العودة بلوزان إلى الجولة الأولى من المفاوضات ولكن في مجال مستقبلي تصبح خلاله خريطة الميثاق الوطني 1920 هي الوثيقة التاريخية التي تبني عليها تركيا الجديد المبشر بها عام 2023، ويستشعر إردوغان أنه يعيش ظروفا إقليمية ودولية مواتية لتحقيقها.  
في أكتوبر 2017، كشف إردوغان عن وثيقة زعم أنها تثبت تبعية الموصل إلى تركيا، وقال: "التاريخ يكذب علينا، وإذا رغب السادة الأفاضل في التحقق من ذلك فعليهم بقراءة الميثاق الملي الوطني ليفهموا معنى الموصل بالنسبة لنا"، لم يكن المقصود من قراءة الميثاق الوطني سوى الاطلاع على الخريطة التي أقرها  البرلمان التركي عام 1920 والتي تمثل لأحزاب تركيا "الحق المغصوب" لبلادهم، ومن المؤكد أن إردوغان يعلم أن تلك الخريطة لا تعدو اليوم كونها أثرا متحفيا فقد فاعليته منذ اللحظة التي تخلى القوميون الأتراك عنها في لوزان، وأن أية محكمة دولية في عصرنا الحالي لا يمكنها أن تعتد بتلك الخريطة لإعادة ترسيم حدود تركيا إذا ما طالبت الأخيرة بالتحكيم. 
لكنها تتفق اليوم ورغبات أنقرة في استغلال الفوضى السياسية الإقليمية لمد نفوذها على حساب جيرانها الذين يعيشون أوضاعا قلقة، وليس عجيبا في ذلك الإطار أن خريطة 1920 تضم فوقها مدن الموصل وأربيل وكركوك وحلب، إضافة إلى جزء مهم من البلقان والقوقاز وقبرص وسائر الجزر الإيجية باعتبارها جزءا من الفضاء الجيوبوليتيكي التركي، وهي في أغلبها تمثل في الوقت الحالي أهدافا حيوية لسياسة إردوغان الخارجية.

Qatalah