يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يومًا تلو الأخر، تكشف الوثائق الخطية الجرائم التي ارتكبها آل عثمان بحق العرب والمسلمين، جرائم لا يمحوها ادعاء المظلومية، أو حملات غسيل السمعة المتمثل في تزييف التاريخ بتلال من الكتب والمراجع المفبركة ، التي تتحدث عن أدوار بطولية للدولة العثمانية في الدفاع عن فلسطين والقدس العربية الإسلامية. 

علاقة سلاطين الدولة العثمانية بجماعات الصهاينة لا ريب فيها، فهذا بايزيد الثاني الذي أمر الولاة بحسن استقبال يهود إسبانيا بعدما فتح لهم أبواب السلطنة، متوعدًا بقتل كل من يعاملهم بالسوء، أما سليمان القانوني الذي تحول لدمية في يد زوجته اليهودية روكسلانا فهو غني عن ذكر تودده للجماعات الصهيونية، يكفينا وضعه اللبنة الأولى لدولة الاحتلال في مدينة الجليل (طبرية)، أما نجله سليم الثاني فوصفت فترة ولايته بـ"العصر الذهبي لليهود" بعدما منحهم حق الاستقلال بدولتهم المُولودة سفاحًا.

يوضح خطاب عزت بك، الحاكم العثماني لمدينة القدس المرسل إلى القيادة البريطانية المحاصرة للمدينة، مدى خيانة الأتراك لفلسطين، ويعد الخطاب وثيقة تنازل رسمية عن القدس الشريف، وكعادتهم حاول العثمانيون الجدد تدليس الأمور والظهور في مشهد المستضعف الذي اضطرته الأمور إلى التخلي عن القدس حفاظًا على المقدسات، كانت حجتهم هي تفادي المزيد من الأضرار في المدينة بعدما تعرضت لضرب مدفعي متواصل.

وثيقة تسليم القدس

ذكر في الوثيقة
منذ يومين كاملين والقدس الشريف يتعرض للقصف الذي امتدت بعض آثاره إلى الأماكن المقدسة في المدينة مثل كنيسة القيامة والمسجد الأقصى. وحرصا من الحكومة العثمانية على الحفاظ على حرمة تلك الأماكن، فإنها قررت سحب عساكرها من المدينة نهائيا حتى لا تتعرض للخراب وكي يتمكن الرعايا المدنيين من العودة لارتيادها من جديد. 

لقد أرسلت لكم ذلك التوضيح مع حضرة وكيل رئيس البلدية "حسين بك الحسيني" مع الأمل في أن يعالج الأمر من قبلكم بالطريقة نفسها. متصرف القدس الشريف المستقل. 8-9 ديسمبر العام 1917."

حقائق منسية
لأن عيشتهم أصابها التخمة، وانحرافهم الأخلاقي والعقدي غيب عنهم قيم الشجاعة والدفاع عن الأرض، يقول المؤرخ جون جرينجر في دراسته عن حرب فلسطين: "عزت بك والعسكر التركي، هربوا من القدس بين ليلتي 8 و9 ديسمبر 1917 دون قتال. وقبل هروبه أعطى مفاتيح المدينة لوكيل رئيس بلدية القدس حسين أفندي الحسيني، ليسلمها بدوره إلى الإنجليز". 

اللحظات الأخيرة لعزت بك قبل أن يعطي ظهره للمدينة المقدسة يرصدها جرينجر بالقول: "اقتحم مكتب التلغراف وقطع كل خطوط الاتصال مع القيادة لمنع عملية تتبعه، كما دمر كل الوثائق السابقة لمنع الاطلاع على محتوى الاتصالات بين وحدات الجيش العثماني. استقل العربة الوحيدة المتبقية في المدينة وكانت مملوكة للقنصل الأميركي. لقد غادر المدينة نهائيا بغير رجعة".

نموذج تليغراف مرسل من قبل عزت بك حاكم القدس

 

انبطاح الأتراك كان محل دهشة قوات الإنجليز، اكتشفت فرقة منهم خلو خط الدفاع عن المدينة بالكامل من الجند الأتراك. ظنوا أن الانسحاب العثماني مجرد تكتيك لنقل المعركة الدفاعية إلى نقطة أخرى من المدينة، إلا أن ظهور حسين الحسيني أمامهم لتسليم المدينة بدد تلك الظنون كلها.

من هو حسين بك؟
ينتمي حسين بك، لأسرة عريقة في فلسطين، أصيب بتخبط كامل بعد أن تخلى الأتراك عن المدينة وفروا بحياتهم، وخوفا من القصف البريطاني خرج مسرعا لتسليم مفاتيح المدينة، وخطاب عزت بك إلى أقرب قائد بريطاني، خطاب العار تسلمه فعليا الجنرال واطسون قائد الفرقة 2/5.

مغامرات آل عثمان غير المحسوبة أدت إلى حصار الإنجليز للقدس، كانت التطورات الميدانية نتاج المعارك التي خاضتها بريطانيا في الشرق ضد الدولة العثمانية وحليفتها ألمانيا القيصرية، وذلك حسبما رصدت، فدوى نصيرات، وحسان حلاق، في كتابيهما "دور السلطان عبدالحميد في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين"، و"موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية".

بمراسم احتفال بسيطة أقيمت عند باب يافا "الخليل" دخل القائد اللنبي مدينة القدس، وبينما كان يحتفل الإنجليز بنصرهم، كان آل عثمان يتجرعون من كأس المذلة والعار، فيما عكف آخرون على تبرير خيانتهم وغسل سمعتهم أمام الرعية.

 الانسحاب العثماني من القدس في 9 ديسمبر 1917، مهد السبل أمام الإنجليز لتنفيذ "وعد بلفور" الذي صدر قبل شهر من ذلك التاريخ أي في نوفمبر من نفس العام، لصالح إنشاء دولة قومية لليهود في فلسطين.

 

ورغم أن تعاقب الأحداث على هذه الصورة كان يشير إلى أن قيام دولة إسرائيل الحديثة تم برعاية بريطانية، وفي ظل تخاذل عثماني، تجلى في الهروب الجبان للحامية التركية من المدينة،فإن قراءة مثل تلك لا يمكن سوى أن تقدم نصف الحقيقة دون الآخر. 

الاستيطان اليهودي في فلسطين لم يبدأ بعد الغزو البريطاني للقدس العام 1917، بل بدأ تاريخيا كما تشير الدراسات الحديثة منذ ستينيات القرن التاسع عشر على الأقل، وبلغ ذروته في عصر السلطان عبد الحميد الثاني، الذي يشاع رفضه بيع فلسطين للصهاينة، بينما تكشف الوثائق تفاوضه مع الزعيم التاريخي للصهيونية "ثيودور هرتزل" طوال خمس جلسات كاملة حول تنظيم الهجرة اليهودية إلى القدس وتسهيل عمليات بيع الأراضي للمهاجرين اليهود.

وعد إقامة دولة يهودية في فلسطين، كان في حقيقته سباقا محموما بين بريطانيا والدولة العثمانية، وفي النهاية فضل المؤتمر الصهيوني الوعد الإنجليزي لأنه يحقق لهم حلمهم الديني القومي كاملا، بينما ظل نظيره التركي مصرا على دمج المهاجرين اليهود في المجتمع العثماني مع منحهم حقوق المواطنة الكاملة.

عبر عن ذلك الصدر الأعظم محمد طلعت باشا في 12 ديسمبر، أي بعد أيام قليلة من استسلام القدس، أعلن استعداده منح اليهود الحق في الإقامة بفلسطين وفقا للشروط السابقة، لكن الصهيونية كانت مالت فعلا ناحية الطرف المنتصر ألا وهو بريطانيا والتي لم تكتف بطرد العثمانيين من القدس فقط بل من الشام كلها.

دليل قبول آل عثمان بما جرى، استقبلت الخارجية الألمانية وفدا ممثلا عن المنظمات الصهيونية برئاسة أوتو فاربورغ وأوتو هانتكي في يناير 1918، وسلمتهما بيان الحكومة التركية لنشره بالصحف الأوروبية جاء فيه: "نحن نرحب بالأقلية اليهودية العاملة على تطوير ثقافتها، وندعم أمنيتها في خدمة شخصيتها المستقلة في الدول التي يتمتع فيها اليهود بحياة مستقلة إلى حد كبير، ونبدي تفهمنا العميق لهم، واستعدادنا لدعمهم في مطلبهم هذا، وبخصوص الجهود المبذولة من اليهود ومن الصهيونية بشكل خاص في الاستيطان في فلسطين فإننا نؤكد على نية حكومة السلطنة العثمانية بالمعاملة الحسنة والدائمة للمستوطنات اليهودية الآخذة في الازدهار في فلسطين من خلال ضمان حرية الهجرة والعمل ضمن حدود القدرة الاستيعابية للبلد، وكذلك الإدارة المستقلة ضمن القوانين السائدة والتطوير الحر لثقافتهم وشخصيتهم".

كما قام المجلس الوزاري العثماني بتاريخ 6 سبتمبر 1918 برفع الحواجز أمام هجرة اليهود وعملهم، وكذلك بمعاملتهم مثل الآخرين دون تمييز. 

Qatalah