يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


9 ديسمبر 2018 خطر الوجود التركي في الشمال السوري والخيارات الوطنية الصعبة

انتهت آستانا في جولتها الحادية عشرة باجترار بنود بيانات ما سبقها من جولات، لا تقدم ولا تؤخر في مسار العملية السياسية في سورية، إذ إن الدول الراعية الثلاث، روسيا وتركيا وإيران، لم يعد لديها ما تضيفه من تغييرات بعد أن قدمت كل ما تستطيع فعله في سيرورة تدخلها المباشر لمساندة هذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراع السوري وضمن الحدود المغطاة سياسياً من قبل الولايات المتحدة الأميركية. ويأتي إنذار الإدارة الأميركية لقادة الدول الراعية لآستانا وسوتشي بأنهم إذا فشلوا حتى منتصف شهر كانون أول بتشكيل اللجنة الدستورية وإطلاق عملها فإنها ستعلن فشل كل من آستانا وسوتشي. أي سترفع غطاءها السياسي عنها. ما عدا ذلك لاتزال خطورة آستانا المتمثلة بالوكالة الممنوحة لتركيا في إدارة الوضع في إدلب واحتلال منطقة عفرين تجثم على صدر الوضع السوري، وربما تستمر في الجولة المقبلة إن تمت. 

لا يشك المرء في أن التدخل التركي في سورية هو في الأساس مصلحة تركية خالصة، فهي تجاور سورية جغرافياً من جهة الشمال على مسافة تتجاوز ٧٥٠ كم، وسياسياً وأمنياً تجاورها وتتقاسم معها هموم ومشاكل كثيرة ومعقدة خاصة في سنوات الحرب السبع ونيف في سورية. وتركيا تعتبر أن سورية تشكل فضاء جيوسياسياً لها يأخذها إلى منطقة الخليج العربي الغنية، وإفريقيا، وهما سوقان استهلاكيان كبيران محتملان للصناعة التركية الصاعدة. ومن جهة ثانية يثير قلقها نزعة بعض الكرد السوريين القومية التي تتراوح بين حدي الانفصال والفيدرالية السياسية والإدارية واللتين في المحصلة من وجهة نظر مخاوف تركيا ستقودان إلى زعزعة الوضع الأمني والسياسي التركي بسبب وجود أكثر من 15 مليون كردي في تركيا غالبيتهم لديه النزعة القومية ذاتها كما في الدول الأخرى العراق وإيران. من هذا المنطلق يعتبر الوضع المتدهور في سورية عموماً وفي شمالها خصوصاً فرصة ذهبية لتركيا ربما لا يعوض لتحقيق أطماعها التاريخية في سورية كما في دول الجوار حيث يتواجد الكرد.

من هنا يمكن التخمين أن الوجود التركي الذي تحول إلى احتلال في منطقة عفرين السورية ذات الغالبية الكردية وتدريجياً قد يتحول كذلك في كل الشمال السوري تحت سمع ونظر، بل تواطؤ المجتمع الدولي وعلى رأسه روسيا وأميركا، قد يطول طالما لم تتوافق الدولتان العظميان على خارطة طريق تخرج الوضع السوري كله من عنق الزجاجة.

ويذكرنا الوضع الحالي في الشمال السوري بالوضع في الجنوب اللبناني في الحرب الأهلية حيث اتفق العالم على منح إسرائيل وكالة قطعية في الجنوب اللبناني الذي يحدها من الشمال. وقامت الأخيرة بإنشاء جيش لبنان الجنوبي ( سعد حداد ـ أنطوان لحد ) من مقاتلين لبنانيين تحركهم دولة الاحتلال لحماية حدودها في الجليل الأعلى وتلقي ضربات المقاومة اللبنانية هناك. طبعاً كل حالة لها ظروفها وخصائصها ففي الجنوب اللبناني لم يكن لاسرائيل مطامع استيطانية أو تغيير التركيبة السكانية هناك كما فعلت في فلسطين والجولان السوري المحتل. وعندما انتهت مهمتها في جنوب لبنان وصار بقاؤها فيه مكلفاً، ولم يعد ضمن اهتماماتها آثرت الانسحاب وتركت جيش لحد لمصيره.

أما في عفرين والشمال السوري فإن تركيا من الواضح أن كل ما تفعله هناك هو للبقاء ـ كما هو بقاؤها في لواء إسكندرونة ـ مع تغيير متعمد وممنهج للتركيبة السكانية على حساب المكون الكردي، وربما أيضاً ثمة تواطؤ روسي تركي أميركي على تفريغ المثلث الشمالي الغربي السوري من الكرد ليقوم فيه كونتون سني من العرب والتركمان تحت سيطرة الإخوان المسلمين وملحقاتهم والتابعين لتركيا، عندئذِِ تتحول الفصائل الإسلاموية العربية والتركمانية هناك إلى ما يشبه جيش لبنان الجنوبي  ينفذ أجندات الأطماع التركية في الشمال السوري وفي المنطقة كلها عبر سورية. وتظل القاعدة ، هيئة تحرير الشام ( النصرة ) والحزب الإسلامي التركستاني مجرد أدوات إرهاب تستعملها تركيا للعب على حوافي التناقضات الدولية والإقليمية بما يخدم ويؤمن أطماعها ، بالرغم من المهل التى تمنحها روسيا لتركيا لإخراج القاعدة من معادلاتها السياسية والميدانية.

ومما لا شك فيه أن ما حصلت عليه تركيا من روسيا في الشمال السوري لم تكن تحلم أن تأخذه من أميركا. كلنا يتذكر كيف كان إردوغان يطالب إدارة أوباما منحه منطقة آمنة أو منطقة حظر طيران هناك ولم توافق هذه الإدارة على طلبه، ولكن تكويعة إردوغان نحو روسيا وتواطئه معها ومع إيران في اتفاقات وتفاهمات آستانا، وكلاهما داعمان شرسان للحكومة السورية، قد انتهت بتسليم المناطق التي خرجت عن النظام للحكومة السورية ووقف القتال فيها وتجميع المقاتلين من المعارضة الإسلاموية في محافظة إدلب وفي الشمال الغربي، حيث تجري عمليات تغيير ديمغرافي هناك واستثمارات اقتصادية وعمرانية تركية ومن الفصائل المسلحة في ميادين مختلفة.

على هذا الأساس فإن العلاقة الروسية التركية الجيدة الآن هي التي تطبع مجمل الصورة في الشمال السوري وفي منطقة عفرين على وجه الخصوص. ويتوقف بقاء تركيا هناك على مدى بقاء هذه العلاقة وعلى مدى التوافق الأميركي الروسي حول بقاء تركيا من عدمه، أو حول شكل وجوهر الحل السياسي الذي سيفرضه التفاهم الأميركي الروسي.

من جهة أخرى تقتضي المصلحة الوطنية من أجل تجنب ضياع قطعة غالية من سورية، تضافر جهود كل من الحكومة السورية والإدارة الذاتية شرق الفرات لبناء خيار وطني ديموقراطي في مواجهة خيارات الاحتلال التركي. وهذا الخيار يتوقف على مدى حرص الطرفين للتوصل إلى تفاهمات سياسية ناضجة عبر المفاوضات التي لاتزال تتعثر بسبب تباعد المواقف حيال مستقبل سورية.

إن منطقة عفرين هي على أرض الواقع جزء من منطقة درع الفرات من شمال حلب باتجاه منبج شرقاً إلى إعزاز والباب وجرابلس وغرباً حتى جبل الأكراد وجبل التركمان شمال اللاذقية، وتعتبرها تركيا ضمن تفاهماتها مع روسيا منطقة نفوذ استراتيجي. وتركيا ترتب الأوضاع في هذه المنطقة على هذا الأساس. وأي حديث عن استقرار منطقة عفرين في ظل الاحتلال التركي يتوقف على مدى وفاعلية المقاومة الشعبية السورية وبخاصة مقاومة المكون الكردي، إذ كلما كانت ضربات المقاومة موجعة للأتراك  زادت شرعيتها الوطنية والدولية وكلما أقلقت راحة الجيش التركي وتابعيه وحملتهم أكلاف باهظة، عدا عن أن استقرار المنطقة كلها هناك يتوقف على سلوك المسألة السورية سياسياً ووضعها على طاولة المساومات والتفاهمات الدولية وعلى درجة تقاطع أو تناقض المصالح الدولية التي سيكون ضحيتها، في الأعم الأغلب، الشعب السوري بكل مكوناته طالما بقي بعيداً عن أي تأثير مهم في جريان الأحداث.
نقلاً عن موقع الحدث كما وقع

Qatalah