يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


28 أكتوبر 2018 خطر نشوب سباق نووي جديد بين أميركا وروسيا يثير تساؤلات لتركيا

منذ أسابيع، خيمت على تركيا التداعيات المترتبة على مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول في الثاني من أكتوبر.
بيد أن هناك قصة أخرى تختمر خلف الكواليس، تظهر فيها تبعات خطيرة على صعيد الأمن الإقليمي والسياسة الخارجية التركية في الأمد الطويل.
فلقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا الأسبوع إن الولايات المتحدة ستنسحب من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى، وعزا ذلك إلى الانتهاكات المستمرة من روسيا الموقعة أيضا على المعاهدة.
سافر مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون إلى موسكو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعدد من كبار المسؤولين مثل رئيس مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف ووزير الدفاع سيرغي شويغو ووزير الخارجية سيرغي لافروف. وحتى الآن لم يتم اتخاذ الخطوات الرسمية لانسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة، التي تحظر الصواريخ النووية التي تُطلق من الأرض ويتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر، لكن يبدو من المؤكد إلى حد كبير أن معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى باتت شيئا من الماضي.
تلك المعاهدة التي وقعها الرئيس الأميركي رونالد ريغان والزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف عام 1987 ليست مجرد اتفاقية عادية تقليدية، ولن يكون من المبالغة وصفها بأنها حجر الزاوية للأمن في أوروبا في حقبة ما بعد الحرب الباردة. ففي أواخر سبعينيات القرن الماضي، صارت الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) هدف صواريخ إس.إس-20 سابر التي نشرها السوفيت وتتميز بسهولة نقلها وإمكانية إخفائها.
وردا على ذلك، تحرك حلف شمال الأطلسي لتحديث صواريخه المتوسطة المدى في أوروبا الغربية. ومن الطبيعي أن هذا القرار قد أذكى التوترات. واحتج اليساريون في عدد من الدول على ما اعتبروه وضعا تفرضه الولايات المتحدة من شأنه أن يضع نهاية للسلام في أوروبا.
غير أن غورباتشوف وريغان أبرما اتفاقا أفضى إلى التخلص تماما من هذه الفئة من الأسلحة. وبجانب معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا التي جرى التفاوض عليها في العام 1990 في إطار مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا (ما يعرف الآن باسم منظمة الأمن والتعاون في أوروبا)، أذنت معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى بحقبة جديدة من السلام النسبي في أوروبا. وانحسرت المخاوف من شبح نشوب حرب واسعة النطاق بين الدول وتصاعدها إلى مواجهة نووية. كانت الصراعات في تسعينيات القرن العشرين عبارة عن حروب أهلية نجمت عن تفكك دول متعددة الجنسيات، كالحروب التي دارت رحاها في البوسنة وناغورني قره باغ على سبيل المثال.
غالبا ما يقال عن تركيا بأنه قد فاتها نهاية الحرب الباردة في تسعينيات القرن الماضي، ولم تقطف من ثمار السلام. فالإنفاق العسكري على سبيل المثال زاد من 2.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 1988 إلى 4.1 في المئة في العام 1997، وفقا لما أظهرته بيانات البنك الدولي. والسبب في ذلك يرجع إلى الحرب ضد المتمردين الأكراد في جنوب شرق تركيا والتوترات مع بعض الجيران مثل اليونان وسورية وإيران. 
لكن يبدو أن المناخ الأمني الجديد له فوائده على المدى الأطول. فبدءا من أواخر تسعينيات القرن العشرين وحتى العام 2015، انكمشت ميزانية الدفاع نسبيا. لكن الضغوط الناجمة عن القلاقل على حدود البلاد وتعزيزات روسيا وإيران لقدراتهما والتزام الناتو بتخصيص ما لا يقل عن اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لميزانية الدفاع قد أدت إلى زيادة الإنفاق.
غير أن روسيا تظل هي القضية الرئيسية. فمن منتصف تسعينيات القرن الماضي، بدأت موسكو في انتهاك التزاماتها المنصوص عليها في معاهدة القوات التقليدية في أوروبا، وأرسلت قوات إلى الشيشان، مما أثار قلق أنقرة. وفي العام 2007، أنهى بوتين التزام روسيا بالمعاهدة تماما.
وبعد الحرب في جورجيا في 2008، اعتادت الطائرات العسكرية الروسية الخروج في مهام استطلاعية على حدود المجال الجوي التركي. ومنذ العام 2014 عززت روسيا انتشار منظومات أسلحتها التقليدية المتطورة في جزيرة القرم التي ضمتها وكذلك في أرمينيا، وبالطبع في سورية. وعلى الرغم من أن تركيا تعانق روسيا في العلن، فإن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وصناع السياسات في تركيا لديهم أسباب كثيرة تدفعهم للشعور بالخوف في السر.
إن النهاية الوشيكة لمعاهدة القوى النووية المتوسطة المدى تذكي المعضلة الأمنية التي تواجهها تركيا. وكما تقول الولايات المتحدة منذ سنوات، تنشر روسيا صواريخ محظورة قادرة على حمل رؤوس نووية، في انتهاك لالتزاماتها المنصوص عليها في المعاهدة. والآن، أضحت الفرصة متاحة أمام موسكو لتعزيز قوتها بعدما أعطتها إدارة ترامب مبررا للقيام بذلك، وما من شك أن الولايات المتحدة سترد. وسيسعد الحلفاء أمثال بولندا أن يستضيفوا أسلحة نووية متوسطة المدى على أراضيهم، وهو ما يعني مزيدا من التوترات والقلاقل بالقرب من الحدود التركية.
يضاف إلى ذلك حقيقة أن تركيا تستضيف منذ العام 2012 محطة رادار للإنذار المبكر في ملطية، وهي جزء من المنظومة الدفاعية الصاروخية التابعة لحلف الناتو. هذه المنظومة رسميا تهدف لمواجهة إيران. لكن منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي، حين وضعت إدارة بوش منظومة الدفاع الصاروخية على أجندتها، يشكو الروس من أنها تستهدفهم، وقالوا أيضا إن تلك الأنظمة الدفاعية تنتهك معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى. باختصار، تركيا هي أرض عدو بالنسبة لموسكو. 
من المؤكد أننا لن نرى توترات بين إردوغان وبوتين بسبب انتهاء معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى. لكن هذه المسألة ستظل كامنة خلف الكواليس. وقد قال متحدث باسم حلف شمال الأطلسي يوم الاثنين إن جميع أعضاء الحلف البالغ عددهم 29 عضوا (وهو ما يعني تركيا أيضا) يؤيدون رؤية الولايات المتحدة بأن روسيا مخطئة. ليست العودة إلى أوائل ثمانينيات القرن العشرين من السيناريوهات المسلم بها في الوقت الحالي على الأقل.
من المتوقع الآن أن يلتقي ترامب وبوتين على هامش فعاليات الاحتفال بانتهاء الحرب العالمية الأولى في باريس يوم 11 نوفمبر. ومن المرجح أن تكون الخطوة التالية للولايات المتحدة هي نشر أسلحة نووية في منطقة آسيا والمحيط الهادي من أجل مواجهة قدرات الصين المتنامية على صعيد الأسلحة التقليدية.
سيشجع ترامب نظيره الروسي على اتخاذ الخطوة ذاتها. لكن لا ينبغي لنا أن نستبعد خطر عدم توصل واشنطن وموسكو إلى نوع من التفاهم المشترك مما يفضي إلى انطلاق سباق جديد على التسلح في أوروبا. وفي هذا السيناريو، ستجد تركيا صعوبة أكبر في الحفاظ على توازنها المعتاد بين روسيا والغرب.

 

Qatalah