يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بالرغم من أن وضع الهجرة ليس غريبا على تركيا، لكنها تشهد تغيرات ديموغرافية غير مسبوقة ستؤثر عليها في السنوات المقبلة، ليس فقط بسبب تزايد عدد المهاجرين الوافدين، بل لأنها تواجه مشاكل متزامنة من هجرة العقول وعدم الاستقرار الاقتصادي.

تقع تركيا بين أوروبا وآسيا وتتاخم ثماني دول، ويبلغ عدد مواطنيها حوالي 81 مليون نسمة، وهي ثالث أكبر دولة في أوروبا، ورغم انخفاض معدل نمو السكاني بشكل كبير من 1.31% عام 2009 إلى 0.52% في 2017، يزداد أعداد الأفراد فيها، لكنهم من اللاجئين وليسوا من المواطنين الأصليين للدولة.

 


 

يقول البروفيسور مراد إردوغان، رئيس مركز دراسات الهجرة والإدماج في الجامعة التركية الألمانية في إسطنبول، إن 395 طفلا سوريا يولدون كل يوم في تركيا، ما يجعل اللاجئين يغيرون المعادلة الديموغرافية، وستصبح التركيبة السكانية لتركيا خلال عشر سنوات في أيدي السوريين.

أضاف إردوغان، أن هناك 3.5 مليون لاجئ سوري مسجل، لافتا إلى أن العدد الحقيقي أعلى من ذلك. وهناك أيضا حوالي 1000 لاجئ أفغاني وعراقي بشكل غير شرعي يعبرون يوميا إلى تركيا من الجنوب الشرقي، خاصة مع تراجع السيطرة على الحدود، وضح رئيس مركز دراسات الهجرة والإدماج في الجامعة التركية الألمانية في إسطنبول، أن عدد اللاجئين السوريين ارتفع إلى حوالي 4 ملايين بعد أن كان 58 ألفا في نهاية 2011، ويتوقع أن يكون لدى تركيا حوالي 6 ملايين سوري في العقد المقبل، بما يشكل ما لا يقل عن 7.5٪ من إجمالي عدد السكان،أشار إلى انخفاض معدل المواليد في تركيا بسبب التحضر، مع تزايد عدد المهاجرين الوافدين بشكل حاد، بالإضافة إلى أن معدلات التكاثر لديهم مرتفعة، وسيكون على الحكومة يوما ما إعادة لم شملهم في تركيا مع عائلاتهم الموجودة في سورية أو في أي مكان آخر.

 

ولم يتوقع البروفيسور عودة العديد من السوريين لبلادهم عند انتهاء الحرب.وفي إشارة إلى زيادة معدل المهاجرين الأتراك ذوي التعليم الجيد، أوضح أن أهم ما يملكه بلد هو رأس المال البشري، وتكلف خسارة شخص واحد متعلم جيدا عشرة أضعاف تكاليف استيعاب مهاجر وارد واحد. وفقا للأرقام الرسمية الصادرة سبتمبر، ارتفع عدد المهاجرين من تركيا بنسبة 42.5٪ عام 2017 ليصل إلى 253.640. وتظهر البيانات أن أكبر مجموعة من المهاجرين بحوالي 15.5% تتراوح أعمارهم بين 25-29، تليها المجموعة العمرية 20-24 بنسبة 14.4٪ والفئة العمرية 30-34 بنسبة 12.3٪. بعبارة أخرى، حوالي 42.2٪ من المهاجرين ينتمون إلى أجيال شابة تمثل جزءا قيما من القوى العاملة.أشارت البيانات أيضا إلى أن تركيا تلقت 466.333 مهاجر، بزيادة 22.4٪ عن عام 2016. هذا الرقم لا يشمل اللاجئين لأن وضعهم القانوني مختلف.

جاء معظم المهاجرين من العراق وأفغانستان وسورية، وكانت إسطنبول -ذات الـ15 مليون نسمة- المكان المفضل لدى الوافدين الجدد.

مستقبل غامض
قال مسؤول تسويق تركي -انتقل إلى كندا العام الماضي- إن ترك منصب رفيع المستوى في إسطنبول كان قرارا صعبا، لكن ساد التخوف بشأن مستقبل البلاد بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.

قالت سيدة تبلغ من العمر 33 عاما -طلبت عدم ذكر اسمها بسبب مخاوف أمنية - إنه لسوء الحظ، أصبحت تركيا مغلقة أمام مواطنيها، وأشارت إلى أنها لا يمكنها إنجاب طفل يتماشى مع نمط الحياة الموجود في تركيا اليوم.

أضافت أنه لم تعد هناك مساحة بالنسبة للأشخاص المتعلمين ذوي التوجهات الغربية، وأضافت أن المدارس الخاصة باهظة الثمن، وفي المدارس العامة لا تعرف ما إذا كان المعلم سيظهر شخصية دينية أم لا. لكنها لا تفكر في العودة.

ومنذ محاولة الانقلاب، وسط عمليات واسعة النطاق لقمع المعارضة، غادر العديد من الأكاديميين والكتاب والصحافيين إلى أوروبا أو الولايات المتحدة. وغادر ما لا يقل عن 12 ألف مليونير في 2016 و2017، وتقدم حوالي 2000 يهودي تركي بطلب للحصول على الجنسية البرتغالية.

 


 

فيما بدأت أنقرة مؤخرا الحديث بالمشكلة، ووصفت المغادرين بالخونة والإرهابيين، وقال الرئيس رجب إردوغان في 31 مارس، إن الذين يشكون من الحياة في تركيا يشكلون عبئا على البلاد، وإن الحكومة على استعداد لشراء تذاكر لهم ذهابا فقط.

حذرت إليف أوزمنيك، الخبيرة في الهجرة، من أن تصبح تركيا وجهة للهجرة غير المؤهلة. بعد أن كانت معبرا للمهاجرين في الماضي. وقالت إن ما لا يقل عن ثلث اللاجئين السوريين أميون ويصعب اندماجهم في ظل حاجز اللغة أيضا. وهناك مشكلة أخرى تتمثل في أن أنقرة تحاول ابتزاز اللاجئين.

ازدراء المعارضين
في عام 2016، ومع اندلاع الحرب السورية، هدد إردوغان بإطلاق موجة جديدة من المهاجرين على أوروبا وسط خلاف حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. في ذلك الوقت، كان عدد اللاجئين في تركيا حوالي مليون شخص. 

منذ ذلك الحين، تصاعدت المشاعر المناهضة للاجئين، إذ تُظهر دراسة أجرتها جامعة بيلجي أن الأتراك، الذين يتم استقطابهم سياسيا- يشتركون في الرغبة لعودة السوريين إلى ديارهم. وتصاعد هذا التوجه في الأشهر الأخيرة خاصة في المناطق الواقعة على الجانب الغربي من نهر الفرات شمال سورية، والتي أصبحت خاضعة للسيطرة العسكرية التركية. فيما قال وزير الداخلية سليمان سويلو في 9 سبتمبر: 255.300 سوريا عادوا بشكل طوعي لبلادهم في غضون عامين.

من جانبها قالت الباحثة التركية، أوزمنيك، إن عدد العائدين لا يُقارن بعدد الذين بقوا في تركيا، منتقدة سياسات إدارة الهجرة في أنقرة لافتقارها الهدف والتركيز والوضوح، محذرة من تصاعد توجهات العزلة في مناطق العيش الحضرية في ظل ولادة أطفال عديمي الجنسية وتراجع مستمر للاقتصاد، ومغادرة الخبراء وأصحاب العقول من تركيا.

تابعت بأنه وسط المشكلات الاقتصادية العميقة التي تواجهها الليرة التركية، وصل معدل البطالة بين الشباب إلى 19.4%، وبلغ معدل التضخم 17.9%، في نفس الوقت هناك طموحات إقليمية فاشلة لحزب العدالة والتنمية.

Qatalah