يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تسبب الفساد الإداري في تركيا في تفشي ظاهرة تسمم الأفراد على المستويين المدني والعسكري، إذ سجلت تقارير إحصائية إصابة أكثر من 11 ألف مواطن بحالات تسمم شديدة خلال 9 أشهر، وأن غالبيتهم لا يزال يعاني تداعيات الواقعة حتى الآن، وكان اللافت للنظر هو تقاعس الحكومة عن فتح تحقيق في تلك الوقائع، ليتضح بعد ذلك أن الشركة المتورطة في غالبية تلك الأحداث تربطها علاقات قوية بحزب العدالة والتنمية الحاكم.

أحدث حالات التسمم هو ما تطرقت إليه وسائل الإعلام الأسبوع الجاري، حول تسمم 45 طالبا في مدينة الطلاب التابعة لمدرسة أناضول الثانوية في ولاية أديامان، وأعلن موقع هابير تورك نقل الطلاب المصابين إلى المشافي لتلقي العلاج.

حاول عبد الكريم إشك، مدير المدرسة المنكوبة، التنصل من المسؤولية، وزعم أن الطلاب المصابين بالتسمم تناولوا وجبات غذائية من الخارج، وتساءل :"المدينة بها 240 طالبا، فلماذا لم يتأثر بالطعام الملوث سوى 45 فقط؟".

تلك الواقعة لم تكن الأولى خلال العام الجاري، إذ سبقتها وقائع مشابهة، حسب تقرير مجلس الصحة والسلامة المهنية التركي "İSİG"، الذي أكد إصابة 11 ألفا و649 شخصا على الأقل بالتسمم، فيما عبر الكاتب الصحافي والخبير الأمني، أمره أوسلو، عن مخاوفه من "استخدام الأتراك خاصة الفقراء كأداة لاختبار بعض الأدوية الكيماوية"، مشددا على "ضرورة دراسة الأمر بجدية تامة، والكشف عن الأسباب الحقيقية لحالات التسمم".

موائد الجنود مسممة
أوضحت صحيفة ديكان التركية وفاة 6 أشخاص ممن ذكرهم التقرير الحكومي، فضلا عن إصابة 8 آلاف و177 شخصا آخرين، بحالات تسمم في أماكن عملهم، وإصابة 1962 شخصا في المؤسسات الحكومية، منهم 54 جنديا داخل وحدات الجيش التركي، و706 طلاب في المدن الجامعية، وأرجعت الإحصاءات 91% من حالات التسمم إلى تناول أغذية ملوثة، و9% إلى الأغذية المجلوبة من الخارج.

ما حدث خلال العام 2017 لفت الانتباه إلى أمور لم يكن يتطرق إليها أحد، استقبلت مستشفيات بلدة إصلاحية التابعة لمحافظة غازي عنتاب الجنوبية 70 عسكريا من قيادة لواء مدفعية، بسبب تعرضهم لتسمم غذائي، وفي يونيو من العام نفسه نقل 69 جنديا تركيا في لواء المشاة الأول بمدينة مانيسا إلى المستشفيات بعد الاشتباه في تسممهم عقب تناولهم وجبة العشاء. وفي مايو أصيب 800 عسكري تركي بالتسمم في مدينة مانيسا.

بعد واقعة إصابة 500 عسكري في ذات العام، احتجزت السلطات التركية 48 شخصا من شركة "روتا" للمواد الغذائية المتعهدة بتقديم وجباتها إلى 24 وحدة عسكرية، وقررت حبس 9 أشخاص، من بينهم المدير العام للشركة الموالي للحكومة.

حماية الفاسدين
المفاجأة جاءت في نوفمبر 2017، حين أخلت السلطات التركية سبيل المدير العام للشركة أحمد توركمان، لقربه من حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي عارض نوابه مذكرة استفهامية للتحقيق في أسباب تسمم الجنود، وقال وزير الدفاع التركي، فكري إيشيك، إنهم "يدرسون إذا ما كان سبب التسمم نابعا من اختلاط المياه الجوفية بمياه الشرب تحت الأرض".

لم تمر أيام قليلة على الواقعة الأخيرة حتى ضبطت السلطات 12 ألفا و500 كيلو جرام لحوما معلبة غير صالحة للاستخدام الآدمي، و4050 كيلو لحوم خيول، داخل قيادة القوات البحرية، واعترف أحد العاملين بأن الشركة ترسل الطعام منتهي الصلاحية إلى الجنود، مؤكدا أنه السبب الأول في حالات التسمم.

أوضح نائب حزب الشعب الجمهوري عن مدينة مانيسا تور يلدرز بيشار أن الشركة المتهمة بالتسبب في تسمم أفراد الجيش هي نفسها المتورطة في هذه الواقعة، وأكد أن السلطات لم تفسخ التعاقدات مع الشركة، ولكنها وفرت لها الحماية، مشددًا بأنه :"كان بإمكان السلطات تجنب الواقعة لكنها تقاعست عن دورها، ولم تتخذ أي إجراء تجاه الشركة".

Qatalah