يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تزداد عزلة الرئيس التركي، رجب إردوغان، على مختلف الأصعدة، المحلي والإقليمي والدولي، خصوصًا بعد إعلان البيت الأبيض، عن نية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف تنظيم الإخوان كمنظمة إرهابية، ما زاد الضغوط عليه وعلى حكومة حزبه العدالة والتنمية، الذين يتبنون فكر الجماعة المتطرف.

ويرى مراقبون للشأن التركي أن من شأن تبني الحكومة الأمريكية لهذا التصنيف بشكل رسمي، أن يرفع حدة التوتر في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، وأن يزيد من الضغوط الداخلية على إردوغان، ويقلص مساحة حركته على الساحة السياسية الإقليمية والدولية.

المتحدث باسم حزب "العدالة والتنمية" عمر تشيلك حذر في 30 أبريل المنصرم، من اتخاذ الإدارة الأمريكية قرارا بتصنيف جماعة الإخوان "تنظيما إرهابيا"، وقال إن "القرار الأمريكي المحتمل سيشكل ضربة كبيرة لمطالب التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط"، مضيفًا أن "القرار ستكون له نتائج تعزز معاداة الإسلام في الغرب وتقوي موقف اليمين المتطرف في بقية المناطق أيضا".

السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض سارة ساندرز كانت قد أعلنت أن الإدارة الأمريكية تعمل لإدراج  تنظيم الإخوان على قائمة التنظيمات الإرهابية، وقالت: "لقد تشاور الرئيس ترامب مع فريق الأمن القومي وقادة المنطقة الذين يشاركونه قلقه، وهذا التصنيف يسير في طريقه".

مخاوف إردوغان من تصنيف "الإخوان" جماعة إرهابية لن تشكل ضربة فقط لأحلامه الطفولية وأطماعه التوسعية، بل قد تمسه أيضا بشكل جنائي يصل إلى حد المحاكمة ومصادرة الأموال هو ورجاله المقربين في التنظيم الدولي للإخوان عبر العالم، وخصوصًا في أوروبا، حيث يعتمد عليهم لتحقيق أهدافه الخبيثة.

سموم رجل الجماعة
إبراهيم الزيات واحد من أبرز من يخشى إردوغان أن يمسهم قرار واشنطن المرتقب، إذ إنه يصنف كواحد من أخطر قيادات التنظيم الدولي للجماعة الإرهابية في العالم، مستغلًا جنسيته الألمانية، وإقامته في ألمانيا، وصلة النسب التي تربطه بالأتراك. 

الزيات المعروف أيضًا باسم "وزير مالية التنظيم الدولي للإخوان"، ولد في مدينة ماربورغ بألمانيا عام 1968، لأب مصري وأم ألمانية، فوالده هو إبراهيم فاروق الزيات وكان إماماً لمسجد (هامبورج) في ألمانيا في مطلع ستينيات القرن الماضي، وقد نجح بالتعاون مع فروع التنظيم الدولي للإخوان في أوروبا، ومنظمة "الرؤية الوطنية" - "مللي غوروش" التركية في تنظيم أكبر مؤتمر لمنظمات الشباب الإسلامي في أوروبا، ضم نحو 35 فرعاً من 11 دولة، ليتم إعلان تأسيس ما يسمى "منتدى المنظمات الأوروبية للشباب والدارسين المسلمين" ويتخذ من العاصمة البلجيكية بروكسل مقرا له قبل أن يتوسع المنتدى ويضم في عام 2003 نحو 42 منظمة تعمل على تخريب الدول العربية بتقديم تقارير ضدها لدى الحكومات الأوروبية.

العلاقة مع تركيا لم تقف بإبراهيم الزيات عند حد قيادة التنظيمات الإخوانية للتوغل في أوروبا والتحريض على الشعوب والحكومات العربية، تنفيذا لرغبات إردوغان الساعي لالتهام منطقة الشرق الأوسط بأكملها على أمل قيادتها مستقبلًا، فتزوج الزيات من "صبيحة أربكان" ابنة شقيق نجم الدين أربكان، معلم إردوغان والأب الروحي له.

درس إبراهيم الزيات فى جامعات ألمانيا، الهندسة الصناعية والقانون والاقتصاد، وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد، وكان موضوع رسالته "مبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي"، ومنذ كان طالبًا تحسس طريقه مع جماعة الإخوان التي كان مندوبًا عنها وممولًا لها، عبر نشاطاته في ألمانيا وأوروبا حتى إن رئيس إحدى وكالات الاستخبارات الأكثر قوة في ألمانيا وصفه بـ "عنكبوت في شبكة المنظمات الإسلامية"، وهو أيضًا مدير تنفيذي لشركة EMUG، وهي شركة مقرها ألمانيا تدير أكثر من 300 مسجد ضمن شبكة "ميللي جوروش" التركية.

كُلف الزيات بمهام عديدة من بينها تمويل أنشطة الإخوان والعمل على نشرها في مختلف أنحاء أوروبا عبر الجمعيات الدينية والاجتماعية التي تزعم أنها تدافع عن حقوق الأقليات المسلمة وترعى شؤونهم الدينية، على حين يعمل في الواقع على تعظيم دور تركيا والترويج لإردوغان على أنه من يستحق أن يكون خليفة المسلمين في دولة الخلافة المزعومة. 

تحالف إردوغان مع الإخوان في أوروبا عمل على تنفيذ خططه الشيطانية مرتديا قناع الخير، فاستثمرت تركيا ملايين الدولارات سنويًا على مشروعات تحت بند "المساعدات الإنسانية" في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، أو في الدول الغربية ذات الأقليات المسلمة الكبيرة. 

مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أكدت أنه في ظل سعيه لأن يصبح زعيما للعالم الإسلامي، يعمل إردوغان على الاستفادة من المنظمات الدينية الخاضعة لسيطرة حزبه والجماعات الإسلامية التركية مثل "ميللي جوروش" التي يديرها إبراهيم الزيات حاليا، والمنظمات ذات المصالح المشتركة مثل الإخوان. 

ياسين أقطاي المستشار السياسي لإردوغان عبّر صراحة عن علاقة نظام العدالة والتنمية بجماعة الإخوان، قائلا: "الإخوان المسلمون تمثل القوة الناعمة لتركيا"، وهو ما يقوم به الزيات في أوروبا.

 
لعب إبراهيم الزيات دورا خطيرا في استمالة بعض الشباب إلى الأفكار المتطرفة، وربما يعود ذلك إلى إجادته اللغة الألمانية، بالإضافة لزوجته التركية الحاصلة على جنسية ألمانية أيضا، غير أن الشرطة الألمانية كشفت عن علاقته المالية بمؤسسات تمول الإرهاب، وأطلقت السلطات الألمانية عليه لقب "وزير مالية الإخوان".

الشرطة الاتحادية الألمانية أجرت تحقيقات لإبراهيم الزيات، وجاء في التقرير الخاص بالتحقيق أنه ساهم في نقل ملايين الدولارات نيابة عن "المنتدى العالمي للشباب المسلم"، خلافًا لدوره لمنظمة أو حركة "مللي جوروش" التركية الناشطة في ألمانيا. 

"مللي غوروش"
الحركة التي أطلق عليها "الرؤية الوطنية" وأسسها السياسي الإسلامي التركي نجم الدين أربكان عُدت بمثابة جهة مهمتها غسل أدمغة الجماهير المتدينة، في أنحاء تركيا، في البداية (1969) بشعارات زائفة، لاقتناص الحكم، ثم التمسك به للأبد، غير أن أربكان زرعها في أوروبا عندما خطب في جمع حاشد من المسلمين الأتراك في مدينة دويسبورغ الألمانية عام 2010، قائلا: "في العالم صنفان من الناس: الأول يدعم قضية مللي غوروش، والثاني يقف ضدها".

مبدأ الحركة قام على استغلال الدين أداة للوصول إلى السلطة، ما جعلها تقوم بتفسيرات إسلامية متشددة ومنغلقة، وفق أهواء أصحابها، تنصب الحاكم المنتمي إليها ظلا لله على الأرض، وأعلن أربكان أن الهدف من حركته تأسيس ما سماها "دولة إسلامية" في تركيا، على أنقاض الكمالية العلمانية (دولة كمال أتاتورك التي قامت في 1923).

في سبعينيات القرن العشرين قدم أربكان منهج مللي غوروش كبديل عن الأتاتوركية، فيما تطابقت أفكاره مع كتابات التكفيريين الجدد في جماعة الإخوان، وخاصة إمامهم سيد قطب. كما ترى الحركة أن المجتمعات المريضة "لا بد من إعادتها إلى حظيرة الإسلام عن طريق دولة تستقي قوانينها من الشريعة، بعيدا عن المنظومة القيمية الغربية والنظريات الاقتصادية لـ(الكفار)".

إردوغان الذي تخلى عن كثير من أفكار أربكان وأغضبه بقرارات عدة، حتى قال عنه أربكان: "إننى أعرفه جيدا..كان تلميذي لكنه باع نفسه للشيطان"، لم يتخل عن "مللي غوروش" المتطرفة، إذ وجد فيها ضالته التي تمهد له الطريق لتحقيق حلم الخلافة، بالرغم من محاولته إخفاء هويتها إلا أنه واصل دعمها حتى اللحظة، وبالتزامن كثف من دعمه للإخوان في شتى أنحاء أوروبا، لا ألمانيا وحدها. 

حركة للتجسس
تقارير الاستخبارات الألمانية أكدت أن هناك علامات استفهام حول الحركة التي تنشط بين المسلمين في البلاد وتخضع لمراقبة أجهزة الدولة الألمانية، إذ إنها متهمة بالترويج للتطرف والتحريض على الكراهية والتمييز، وتلعب بخطة تشجيع الأتراك للحصول على الجنسية الألمانية حتى يتمكنوا من خوض الانتخابات مستقبلا، على أمل غزو أوروبا "وجعلها  مسلمة تخضع لإردوغان"، حسبما يعلن بعض قادة حزب العدالة والتنمية. 
 
الزيات مارس دورا في زيادة نشاط الحركة "مللي" في منطقة "ساكسونيا" في ألمانيا وكذلك درسدن وبرن وميزن وليبزيج وجورليتز وبوتسن، كما سعى إلى شراء العقارات لبناء المساجد والمراكز المجتمعية بمعدل سريع حتى بات الإخوان عموما يملكون عشرات الجمعيات ومئات المساجد في البلاد. 

دين وبيزنس
منذ رأس الزيات التجمع الإسلامي في ألمانيا من عام ٢٠٠٢ إلى ٢٠١٠، حاول الوصول إلى أكبر مكانة رسمية بين المسلمين في ألمانيا، فترشح في انتخابات رئاسة المجلس الإسلامي في ألمانيا أمام أيوب أكسل كولر  ، لكنه خسر، واكتفى بالعمل في مناصب مهمة منها: مفوض جمعية بناء وتعمير المساجد في أوروبا ومسؤول أوقاف حركة "مللي" التركية، ليدير أكثر من ٣٠٠ مسجد في ألمانيا، فضلا عن أنه سكرتير شركة تعمير المساجد في هولندا، كما قام برئاسة مجلس إدارة شركة (slm) للاستثمار العقاري التي تمول بناء المساجد في أوروبا، ما جعل البعض يطلق عليه "مقاول المساجد". 

الزيات اخترق أوروبا، لكن بقيت ألمانيا رأس الحربة في خطته وهي التي يولي لها إردوغان أهمية كبرى، وفي عام 2011 تمكن الإخوان بمساعدة تركية من الإشراف على 48 مسجدا في  البلاد، أبرزها مسجدا "ميونيخ" و"إيخن". 

في بريطانيا تمكنت عناصر الجماعة الإرهابية- بإشراف من إبراهيم الزيات- من التدخل في إدارة نحو 50 مسجدًا في مدينة برمنجهام وحدها، ونحو 1400 مسجد في المدن والمقاطعات الإنجليزية والاسكتلندية، أما في فرنسا فبلغ عدد المساجد التي يسيطر عليها الإخوان أو بعض حلفائهم من الجماعات الإسلامية الأخرى عام 2008 نحو 262 مسجدًا.

الأتراك المندوبون عن إردوغان في أوروبا تمكنوا من الإشراف على  نحو 1200 مسجد في دول القارة بخلاف ما تمكنوا منه في برلين وباريس ولندن، حتى وصل الحال بإردوغان نفسه إلى تولي إنشاء أكبر مسجد في أوروبا في ولاية كولونيا الألمانية في سبتمبر من العام الماضي بالرغم من المعارضة الشعبية والحزبية الكبيرة لهذه الخطوة التي قد ترسخ تواجد حكومة العدالة والتنمية في البلاد. 

استقطاب المهاجرين
حركة "مللي غوروش" تمكنت من أن يحصل على عضويتها نحو 30 ألفًا من الأتراك والمسلمين في ألمانيا وأوروبا عموماً، بعد أن رفعت شعار "الدفاع عن مصالح المهاجرين الأتراك في المجتمع الديمقراطي الألماني"، وتعاونت الحركة أيضا مع منظمة الإخوان المسلمين الرئيسة في ألمانيا ( I.G.D)، وقد شكل تعاون المنظمتين كيانًا قويا للتأثير السياسي في برلين، معتمدا على ميزانية هائلة يتولى الجانب الأكبر منها إبراهيم الزيات.
 
الزيات تولى مناصب مهمة عمل من خلالها على تنفيذ مخططات إردوغان وجماعة الإخوان في  أوروبا ومنها رئاسة "المنتدى الأوروبي للشباب والطلبة المسلمين" في الفترة من عام 1996 إلى 2002. ويضم المنتدى شبكة واسعة من عشرات المنظمات من أكثر من أربعين دولة حول العالم، ويحاول التغلغل في المجتمعات الأوروبية.

كذلك تمكن من التواجد في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، و"صندوق أوروبا" حيث رأس فرع الصندوق في ألمانيا، وتمكن من جعله يمتلك أصول عقارات كبيرة ويملك ميزانية ضخمة، في حين تواجد المقر الرئيس في بروكسل ببلجيكا. 

في تقرير صدر في عام 2008، من مؤسسة NEFA الأمريكية، التي أنشئت بعد أحداث 11 سبتمبر من أجل مكافحة الإرهاب ، جرى التأكيد على أن  "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، غطاءً للعمل لتنظيم الإخوان في أوروبا.

رأس الزيات أيضًا مجلس أمناء "وكالة الإغاثة الإسلامية"، وعمل ممثلا لـ"الرابطة الدولية للشباب المسلم" في غرب أوروبا، ورئيس الجمعية الإسلامية بألمانيا IGD التابعة مباشرة للإخوان، وهي فرع الإخوان في ألمانيا وعمل بها في الفترة من 2002 وحتى 2010.

وأدار شركات منها slm المرتبطة بمؤسسة IGMG التي أنشأها نجم الدين أربكان، وكذلك كان مديرا للمنظمة الأوروبية لبناء المساجد.

Qatalah