يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكن خلوصي أكار في حاجة لأكثر من التفريط في شرف العسكرية وخيانة القسم ليحصل على منصبه وزيرا لدفاع تركيا، أما إعداده المحكم لمسرحية الانقلاب فجعله أكثر المقربين من الرئيس التركي، الذي منحه صلاحيات واسعه في الجيش، للقضاء على الخصوم وتصعيد الموالين، ووصل الإعجاب بقدراته حد إطلاق اسمه على مسجد ومجمع إسلامي افتتحه رجب شخصيا.
على مقاس قدم إردوغان حول أكار نفسه إلى بيادة ثقيلة سحق بها الرئيس التركي كل من وقف في طريق تنصيبه على العرش منفردا. 

من المدرسة إلى الوزارة
مواهب الجنرال في التملق ظهرت مبكرا، فالشاب الذي تخرج في سلاح المشاة عام 1973 استطاع بفضل مهاراته في الوشاية بزملائه أن يحصل على رتبة قائد في القوات البرية بعد 7 سنوات فقط.
براعة الشاب في الجاسوسية أهلته فيما بعد أن يلتحق بحلف شمال الأطلسي (الناتو) كضابط استخبارات، ثم معاونا لقائد القوات التركية في البوسنة وهي الوظيفة التي قفز منها إلى منصب  رئيس دائرة التخطيط والمبادئ الحربية في قيادة الحلف، وشعر أكار بأنه وصل إلى ما يريد في2002 حين رقي إلى رتبة  الجنرال وتسلم قيادة مدرسة وأكاديمية سلاح البر الحربية.
9 سنوات استغرقها أكار سعيا وراء رتبة الفريق ليصبح النائب الثاني لرئيس الأركان لكنه استطاع خلال 3 أعوام أن يزيح الجميع ويتربع على منصب رئيس الأركان في 2015 بقرار من رئيس الوزراء آنذاك أحمد داوود أوغلو.
لم يصبح أمام أكار سوى عامين فقط على التقاعد، لكن الرجل الذي يعرف كيف يقدم خدماته لصناع القرار في تركيا استطاع تمديد فترة عمله بقرار من مجلس  الشورى العسكري بقيادة رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم في 2017، قبل أن يصبح وزيرا للدفاع في يوليو 2018 بمرسوم من إردوغان، مكافأة على ما قدمه في الانتخابات الرئاسية ومسرحية الانقلاب. 
في 2016 فجر أكار مفاجأة بزيارة عبد الله غول قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة أقنعه خلالها بالتراجع عن الترشح في مواجهة رجب، وقتها وصف المتحدث باسم الرئاسة إبراهيم كالين الخطوة بـ"المبادرة الشخصية"، زاعما أنه وأكار تبادلا مع غول آراءهما الشخصية دون توجيه من الرئيس، في حين أن غول خرج بعد اللقاء وأكد عدم خوضه السباق الرئاسي بحجة عدم حصول توافق عام على شخصه، نجحت المهمة التي قام بها أكار في إنقاذه من التقاعد إلا أنها لم تكن كافية للوصول إلى منصب وزير الدفاع الذي بات قاب قوسين أو أدنى منه ولكن الرجل كان في حاجة ماسة إلى القيام بعملية استثنائية تقنع إردوغان بتسليم زمام الجيش إليه.


الحارس الخاص يفضح المسرحية 
جلس الجنرال العجوز في 2016 يفكر في الحيلة التي تمكنه من النفاذ إلى قلب إردوغان ليسلمه حقيبة الدفاع وفوقها قبلة، وفجأة تناول ورقة بيضاء ليخط عليها فكرة مسرحية الانقلاب الشهيرة التي مكنت إردوغان من وضع المعارضين في سلة واحدة ثم التخلص منهم.
 أدار خلوصي المؤامرة باقتدار وفق توقيتات زمنية لا يمكن أن يتطرق إليها الشك وأمام النيابة العامة زعم أنه علم بالمحاولة في "الساعة صفر"، ومضى يقول إن نائبه اللواء محمد ديشلي، بوصفه أحد الضالعين في محاولة الانقلاب أبلغه أن الكتائب والألوية تحركت من مواقعها وأنهم سيلقون القبض على الجميع.
أكد أكار أنه حذر ديشلي من عواقب وخيمة، قبل أن يطالبه بالتراجع، وقال إن  هاكان أفريم قائد قاعدة أقنجي الجوية الرابعة، عرض عليه إجراء لقاء مع فتح الله غولن من خلال اتصال هاتفي، لكنه رفض المقترح.
وأضاف للرواية التي سرد تفاصيلها أمام النيابة، وقربته إلى قلب إردوغان :"أنهم طالبوه بالتوقيع على بيان الانقلاب لكنه رفض"، لافتا إلى أن هؤلاء كانوا على علم بأن مجلس الشورى العسكري الأعلى يعتزم في اجتماعه المقبل تطهير الجيش منهم، وهي القصة  التي اختلقها وأصبحت علكة في أفواه عناصر النظام يرددها في كل وقت، أما تصريحات حارسه الشخصي - ضابط الصف عبدالله إردوغان -  فجاءت مخالفة لأكاذيب خلوصي جملة وتفصيلا، حيث قال إن أكار كان على علم بما حدث ليلة الانقلاب داخل قاعدة أكينجي العسكرية، التي شهدت بدء التحركات، وأن جميع الأحداث وقعت بأوامر صادرة منه مباشرة، وأضاف أنه نقل  أكار إلى مقر رئاسة الأركان يوم 15 يوليو 2016 بشكل طبيعي دون مشاكل.
شهادة حق من ضابط صغير كشفت ألاعيب خلوصي، وفضحت تمثيلته الوهمية التي قام بتأليفها من بنات أفكاره ولاقت التأييد القوي من الرئيس.


قمع قيادات الجيش
تقدم أوكار خطوة إلى الأمام  ليتسلم منصبه كوزير للدفاع وينفذ الركلة الأخيرة بالتخلص من معارضي إردوغان في الجيش، وتصعيد المؤيدين، إضافة إلى السماح لخريجي المدارس الدينية والمنتمين لحزب العدالة والتنمية الالتحاق بالجيش، فضلا عن الإيعاز للنساء اللواتي يعملن بالقوات المسلحة بارتداء الحجاب، بالمخالفة لتقاليد العسكرية التركية السابقة.
واصلت مقصلة خلوصي عملها، ففي أغسطس الماضي، قرر المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة إردوغان تمديد فترة عمل وترقية 9 من كبار الضباط، وترقية 41 كولونيلا إلى رتب أعلى، وإحالة  12 مسؤولاً عسكريا إلى التقاعد تنفيذا لرغبة أكار لإحكام قبضته على الجيش.
مكافأة أكار على المهمة كانت تعيينه وزيرًا للدفاع في يوليو الماضي عقب الانتخابات الرئاسية مباشرة وفوز إردوغان، الذي يحرص على اصطحابه في الزيارات الخارجية، بالولاية الثانية.

الطموح.. خلافة الرجل الأول
في التعديلات الدستورية الأخيرة حصل أكار باعتباره وزيرا للدفاع على صلاحيات واسعة، بات من خلالها الوزير المسؤول عن صناعة القرار الأمني بالكامل، بما فيها ميزانية الجيش وشراء الأسلحة إضافة إلى ملف الصناعات العسكرية وأحواض السفن، والخدمات الصحية والبنية التحتية، كما جرى إلحاق قيادات القوات البرية والبحرية والجوية بوزير الدفاع وهو المنصب الذي كان في الماضي شرفيا.
مارس أكار دورا في السياسة الخارجية لتعضيد إردوغان، فأفرج في نهاية أغسطس الماضي عن جنديين يونانيين محتجزين لدى الجيش التركي، ما دفع أثينا إلى دعوته لزيارتها، في وقت يتردد حديث الغرف المغلقة حول تعيين أكار نائبا لرئيس الجمهورية قريبا بناء على رغبة إردوغان، الأمر الذي يتيح له تولي مهام الرئيس حال خلو المنصب وفقا للدستور.


مشعل الحرائق والحروب
على الرغم من محاولته إحكام السيطرة على الجيش، إلا أن قيادات من الكماليين التقليديين داخل المؤسسة لا تزال ترفض تحركاته ومحاولاته المستمرة  التقرب إلى إردوغان دون النظر إلى ثوابت العسكرية التركية، خاصة بعد حضور وزير الدفاع حفل زفاف ابنة الرئيس وشهادته على عقد الزواج، الأمر الذي بررته هيئة الأركان بقولها إنه "ضمن بروتوكول الدولة".
كما أثار وزير الدفاع غضب تلك القيادات بعد ظهوره في بحر إيجة اعتراضا على رفض اليونان تسليم الجنود الثمانية المتهمين بالمشاركة في مسرحية الانقلاب، خاصة عندما اعترضت البحرية اليونانية زورقا عسكريا يستقله أكار نفسه، ما كاد يشعل حربا بين البلدين في ظل العلاقات المتوترة بينهما أصلا.
وفي الملف السوري، كلف إردوغان أكار بالإشراف على العمليات التركية في سورية، إضافة إلى التعاون مع الجيش الأميركي للقيام بعمليات مشتركة في منبج بريف حلب، وبعد لقاء بين أكار ونظيره الأميركي بداية نوفمبر الجاري، أكدت وزارة الدفاع الأميركية أهمية تسيير دورية مشتركة في منبج، بحجة خفض التوتر في المنطقة وضمان أمنها واستقرارها.
أوكل إردوغان لأكار تنفيذ المهمات القذرة في سورية، فأقام المذابح للأكراد في عفرين، وكون شبكة قوية من العلاقات مع تنظيم داعش الإرهابي ليحصل من خلاله على النفط المسروق وينعش الخزانة التركية الفارغة بالمليارات في الوقت الذي يشرف فيه على صفقات الأسلحة للجماعات الإرهابية في الدول العربية ولا سيما ليبيا التي يدير فيها من مكتبه المعارك على الأرض، أما زوجته أخصائية التغذية فتعمل على تحسين قوام السيدة الأولى أمينة إردوغان، الأمر الذي جعلها تظهر برفقتها في كثير من الأوقات.

Qatalah