يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


قبل اختراع أفلام الرعب بعشرات السنين، كان خورشيد باشا القائد العثماني يسير بحوافر حصانه على جثث 7 آلاف شخص، لتتفجر الأمعاء بجانب الرؤوس المقطوعة التي يأمر جنوده بجمعها وسلخها بعد أن شيد برجا من أجلها ليؤرخ للمذبحة التي قام بها في صربيا.
قبل أن يغادر الحياة استطاع أن يلتهم بمدافعه  4 آلاف عربي في حلب ليدخل المدينة التي رفضت احتلال العثمانيين ويأمر بإعداد المشانق، ويضحك بصوت جهوري وهو يشاهد رقاب الثوار تتأرجح من دوائر الحبال. 
أما في القاهرة فقد وجد خورشيد باشا مصيرا مختلفا، حيث استطاع المصريون أن يحاصروا قلعته، ويخلعوه عن الحكم، ويرسلونه إلى إسطنبول وهو يحمل عاره إلى السلطان العثماني. 
مجموعة من السفاحين في الدولة العثمانية سلطوا سيوفهم على رقاب العباد ما أسس للإرهاب التركي في العديد من الولايات التي قاموا باحتلالها أشهرهم أحمد خورشيد باشا، والذي تقترن مسيرته بالدماء والخيانة.
سليم الثالث الثالث استخدم خورشيد في إرهاب أهالي إسطنبول، قبل أن يرسله  إلى مصر لاستكمال مهمته الدموية، إلا أن المصريين استطاعوا أن يكتبوا نهايته، بعد أن ثاروا عليه، وقاموا بخلعه.
7 آلاف صربي تولى خورشيد باشا عملية ذبحهم، فيما استغل منصب الصدر الأعظم في تكوين ثروة طائلة من الرشوة، قبل أن يختتم حياته بإعدام 4 آلاف عربي في حلب.
لأب راهب مسيحي ولد  خورشيد باشا في القوقاز عام 1760، فيما كانت قريته مسرحا لحروب دامية بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية عام 1774، وعلى إثرها سقط خورشيد في الأسر، لينضم إلى صفوف الإنكشارية، ويتحول للإسلام، ما أهله للالتحاق بالحرس الخاص للسلطان عبد الحميد الأول.
بفضل تملقه لآل عثمان تدرج خورشيد في المناصب العسكرية وأصبح قائدا لفرقة من الإنكشارية مهمتها حفظ رقبة السلطان سليم الثالث، لاسيما بعد أن ثار الأغوات على السلطان أكثر من مرة.
10 أعوام كانت مدة كافية ليثبت فيها الباشا ولاءه للسلطان، ما جعل سليم يكافئه بالانتقال إلى مصر، ليدشن تاريخه المشين في عاصمة المآذن، بالاستبداد والقتل وترويع الأهالي. 
 
المخلوع
السلطان العثماني استغل خروج الحملة الفرنسية من مصر، ليرسل جيشه على الفور ويحتل القاهرة، فيما أصبح خسرو الخادم الوفي لسليم حاكم مدينة الإسكندرية.
طموح خورشيد في تولي حكم مصر جعله يشتري ولاء رؤساء الفرق العسكرية بالمال، ما شجعهم على إثارة الفتن أمام الولاة الأتراك خسرو باشا وطاهر باشا وأحمد باشا والجزائرلي باشا، لتجتاح الفوضى شوارع المحروسة طوال 3 أعوام، ويصدر سليم الثالث فرمانا بتعيين خورشيد واليا على مصر في 20 مايو 1804.
استهل خورشيد عهده بطلب قوات عسكرية من إسطنبول لقمع حركة المعارضة المصرية، والتي يقودها السيد عمر مكرم والشيخ الشرقاوي، لاسيما بعد أن لمع نجم القائد الألباني محمد علي في سماء القاهرة، والذي رفض طلب خورشيد  بالسفر إلى الصعيد تأييدا للمصريين.
3 آلاف مقاتل من جنود الدلاة (طائفة من الجنود الأتراك مشهورون بالهمجية والشراسة) أطلق لهم خورشيد العنان فعاثوا في الأرض فسادا واعتدوا على الأموال والأرزاق والأرواح، وهجموا على المنازل وأخرجوا أهلها منها وخلعوا أبوابها ونوافذها وباعوها في الأسواق، حتى عم الخراب أرجاء المحروسة.
استغل خورشيد منصبه في نهب ثروات الرعية، وفرض إتاوات وضرائب باهظة على الحرفيين والصناع، فيما طالب الملتزمين بتحصيل الضرائب من الفلاحين عن سنوات الاحتلال الفرنسي، فثارت جماهير الشعب واحتشدوا أمام الجامع الأزهر، ما قذف الرعب في قلب خورشيد باشا الذي أرسل مندوبه عمر بك إلى نقيب الأشراف السيد عمر مكرم يخبره برفع الإتاوة عن الفقراء ويطلب منه فض التظاهرات.
عاشت مصر شهورا من الفوضى والقمع على يد خورشيد باشا، ما دفع الجماهير الخروج من جديد إلى شوارع القاهرة مطالبين بخلع خورشيد.
الشرقاوي اجتمع بشيوخ الأزهر في بيت القاضي، لبحث مطالب الشعب وفرضها على الوالي، فيما تمخض الاجتماع عن كتابة عريضة بمطالب الثورة، والتي تضمنت "منع فرض ضرائب جديدة إلا بموافقة العلماء والأعيان، ومنع دخول أي جندي إلى القاهرة حاملا سلاحه".
الوالي خورشيد باشا قابل المطالب بالرفض، وأمر جنوده بقمع أي تحرك شعبي، خاصة بعد حصار الثوار لقلعة الجبل (مقر الوالي)، ليجتمع الشيخ الشرقاوي وعلماء الأزهر في بيت القاضي في 13 مايو 1805، ويتفق الجميع على عزل خورشيد باشا واختيار محمد علي باشا واليا على مصر.
لم يجد سليم الثالث بدا من الرضوخ للإرادة الشعبية المصرية، لاسيما أن خورشيد بعد حصار القلعة بات لا يملك من الأمر شيئا، أصدر السلطان فرمانا بعزله وتعيين محمد علي باشا واليا على مصر في 9 يوليو 1805.
 
سفاح صربيا
إلى إسطنبول عاد خورشيد باشا يجر أذيال الخيبة والعار بعد أن خلعه أحرار المحروسة، قضى 4 أعوام في قيادة إحدى الفرق الإنكشارية في العاصمة، وتقرب من سليم الثالث ومن بعده مصطفى الرابع لمنحه حكم ولاية البلقان، لكنهما رفضا، الأمر، ما شجع خورشيد على الانضمام إلى صفوف الإنكشارية التي ثارت على سليم ثم مصطفى، ومشاركة الأغا قباقجي أوغلي في قتلهما.
الفرصة سنحت  لخورشيد في الذهاب إلى البلقان كسفاح يتولى عملية ذبح شعبها الأعزل الذي ثار على الضرائب الباهظة التي فرضها "شوكت باشا" الوالي التركي.
كارادورده بيتروڤيتش قاد  ثورة شعبه مطالبا بتخفيض الضرائب ومنع اعتداء جنود الإنكشارية على الأهالي، لكن السلطان محمود الثاني رفض المطالب وأرسل خورشيد لقمع ثوار صربيا في مارس 1809.
بالمدافع قصف خورشيد باشا المدن الصربية على مدار  10 أيام، وخاض معركة دامية ضد ثوار صربيا في معركة "سيغار"، ما اضطر الأهالي إلى الاستسلام بعد أن خسروا حياة خيرة شبابهم وتهدمت منازلهم.
على جثامين 7 آلاف صربي دخل خورشيد العاصمة بلغراد، أمر جنوده بجمع 500 من رؤوس القتلى الصرب وسلخها، قبل أن يرسل الجماجم إلى إسطنبول ليراها السلطان محمود الثاني المتعطش للدماء.
تخليدا للمجزرة أمر خورشيد باشا بإقامة "برج الجماجم" أو "تاور أوف سكالز" -باللغة الصربية- في موقع المعركة،  شيد برجا بارتفاع 10 أقدام على تل "تشيجار" بالقرب من مدينة "نيش" التي جرت فيها المذبحة، وثبت عليها 952 جمجمة من جماجم القتلى، في حين قال كاهن كنيسة بلغراد الموالي للعثمانيين  :"ليكن برج الجماجم ذكرى أليمة تردع كل من تسول له نفسه اللجوء إلى التمرد ضد الجيش العثماني".
لم يستسلم أحرار صربيا للاستبداد والظلم، ولم يرهبهم برج الجماجم الذي شيده السفاح خورشيد، اجتمعوا  بزعامة ميلوس اوبرنوفيتش وأعلنوا الثورة على الاحتلال التركي عام 1913، فما كان من السلطان محمود الثاني إلا أن أرسل الصدر الأعظم خورشيد باشا إلى صربيا من جديد  لقمع الثورة المشتعلة.
للمرة الثانية توجه خورشيد بمدافعة إلى بلغراد، فيما أظهر الثوار بسالة منقطعة النظير في صد العدوان التركي، إلا أن القصف المدفعي المتواصل أجبرهم على الاستسلام، لتخلف المعركة أكثر من 4 آلاف قتيل صربي.
 
الصدر الأعظم المرتشي
اسم خورشيد باشا تردد في قصر طوب قابي سراي وشوارع إسطنبول، باعتباره بطلا عثمانيا قمع الثورة الصربية وأعاد الاستقرار إلى البلقان، أما عطاياه التي غمرت محمود الثاني إضافة إلى 500 ألف أقجة قدمها هدية لأخت السلطان يوم زفافها، فقد تسببت في مكافأته بعزل عزيز أحمد باشا وتعيينه صدرا أعظم في يوليو 1812.
خلعه من حكم مصر وتعيين محمد علي باشا ظلت ذكرى أليمة تؤرق خورشيد باشا حتى بعد تعيينه صدرا أعظم، ما جعله يرسل قائد الجنود الأرناؤوط الألبان ويحرضه على قتل حاكم مصر عام 1815، إلا أن محمد علي كان متيقظا واستطاع قتل القائد والتنكيل بجنوده في معركة استمرت 5 أيام.
استغل خورشيد منصبه لتعويض الهدايا والهبات التي قدمها للسلطان وحاشيته حتى يصل للوزارة، وسار على نهج سابقيه الفاسدين، فباع الوظائف والمناصب الكبرى في الدولة للمرتشين، وفرض إتاوة سنوية على الولاة لتجديد حكمهم، كما احتكر تجارة القمح بين الولايات، وبات أكبر تاجر في السلطنة.
استمر خورشيد باشا صدرا أعظم حتى 30 مارس 1815، حين قدم محمد أمين رؤوف باشا رشوة كبيرة لمحمود الثاني، فيما تمكن خورشيد من شراء منصب والي البوسنة لمدة 3 أعوام.
 
ذبح أحرار حلب
شعر خورشيد باشا بحاجته إلى ولاية غنية تعوضه خسارته لمنصب الصدر الأعظم، فطلب من محمود الثاني تعيينه واليا على حلب عام 1818، وبمجرد وصوله إلى المدينة فرض الضرائب والإتاوات على الأهالي، وفي مقدمتها ضريبة "الصليان" على العقارات، وفرض 70 قرشا على كل بيت، ولما طالبه أعيان حلب بتخفيض الضرائب، ادعى أنه يخطط لشق قناة مياه من نهر الساجور إلى المدينة.
الحلبيون سأموا من الضرائب المتواصلة وسوء الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة، أعلنوا الثورة ضد استبداد الوالي خورشيد باشا في أكتوبر 1819، وهي الثورة المعروفة تاريخيا باسم "قومة أهل حلب"، وشارك فيها الأعيان والفلاحون والحرفيون، وهجموا على بيت الكتخدا (نائب الوالي العسكري) سليمان بك وقتلوه، قبل أن ينطلقوا إلى قصر الوالي ويحاصرونه ويطالبونه بمغادرة حلب.
تمكن الثوار من طرد الوالي وجنوده إلى خارج أسوار المدينة في 15 نوفمبر 1918، لكن خورشيد طلب مدد الجنود الإنكشارية من السلطان محمود الثاني، فأرسل له 9 آلاف مقاتل، إضافة إلى المساعدات العسكرية التي تلقاها من ولاة دمشق وبغداد والموصل.
قاد خورشيد 12 ألف جندي لحصار مدينة حلب لمدة 101 يوم، قطع خلالها الإمدادات الغذائية والماء عن المدينة، واستخدم سلاحه المفضل في قمع ثورات التحرر المدفعية، فتهدم سور المدينة وتحولت البيوت إلى أطلال، حتى اضطر الثوار إلى الاستسلام.
4 آلاف شخص حصدتهم مدافع الباشا، جعلته يدخل المدينة على رقابهم وهو يأمر جنوده بالقبض على زعماء الثورة والأعيان المدينة، وتعليق المشانق في سط حلب، ليتولى عملية إعدام 170 من مثقفي وعلماء المدينة، في مقدمتهم محمد قجة بك والشاعر محمد الطرابلسي الذي كان يحرض الثوار بأشعاره الحماسية.‏ 

Qatalah