يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


احتل العثمانلي خانية القرم التي استنزف ثرواتها، وورط أهلها في صراعه مع الصفويين والروس، وحولها إلى جبهة قتال، جرت الخراب لمدنها، الموت لآلاف من أهلها. 
غباء سلاطين الدولة العثمانية كان سببًا رئيسيا في تنامي قوة الروس، ولم يستجيبوا لنصائح خانات القرم الأكثر دراية بأهداف القياصرة، حتى باتت عاصمة الخلافة تحت تهديد روسى دائم.

بعد سنوات من احتلالها تخلى الأتراك عن القرم، واعترفت السلطنة بضم روسيا لها، فى العام 1782، ولم ترفع السلاح للدفاع عن المسلمين فيها، خوفا من غضب كاترين العظمى إمبراطورة روسيا.

أمة الروس 
لم تشكل روسيا خطرا على الدولة العثمانية قبل القرن الثامن عشر، وقبل تلك الفترة كانت السلطنة تتفوق عسكريا على الروس، الذين لم يكن لهم دور فعال على خارطة السياسة الأوروبية بعد.

في عهد إيفان العظيم (1462-1505) تحرر الروس من الحكم المغولي، وتم إنشاء وحدة روسية مقرها موسكو، ومنذ ذلك العهد كان هدف الروس الإستراتيجي هو مد حدود بلادهم إلى البلطيق والبحر الأسود، والوصول إلى المنافذ البحرية الدافئة، لتسهيل اتصال بلادهم بالعالم.

صعود ميخائيل رومانوف إلى سدة الحكم (1613-1645) عقب فترة فوضى قصيرة، مثل بداية عهد الاستقرار الروسي الدائم، لكن لم تظهر روسيا كقوة عالمية تلعب دورا دوليا إلا في عهد بطرس الأكبر (1672-1725).

خانية القرم
هي إحدى الخانيّات الناتجة عن تفكّك مملكة القبيلة الذهبية التي أسسها المغول والتتار في أواسط القرن الثالث عشـر، بعد غزو أجزاء واسعة من أوروبا الشرقية والقوقاز من قبل القبائل التتاريّة والمغوليّة، تحت إمرة جنكيزخان وأتباعه.

نشأت الخانيّة على يد الحاج غيراي، في العام 1441، وبعد وفاة المؤسس وقع صراع على السلطة بين أولاده، استغله العثمانيون للتدخل في شأنها، وفي العام 1475 فرضوا منجلي غيراي الأول حاكما عليها، وبقيت تحت حمايتهم مع منح الخانية حكما شبه ذاتيا.

الدولة العثمانية تركت الإمارات التتارية وحيدة أمام الروس، ولم تتدخل ضدها إلا متأخرا، بعدما شعرت بأن خطر الروس قريب منها، وحين سقطت خانيات قازان والباشغرد وسيبيريا الغربية وبلاد النوغاي، لم يتدخل العثمانلي.

العثمانيون هم من أشعلوا الصراع مع الروس، في العام 1569، حين سير السلطان سليم الثاني حملة عسكرية لإيقاف التقدم الروسي صوب أستراخان، لكنها أخفقت، فقام العثمانيون بتوريط خان القرم في الصراع، والإيعاز إليه بقيادة حملة عام 1571، تمكنت من دخول موسكو وإحراقها.

إحراق موسكو طبع علاقة الروس بخانية القرم بعداء تاريخي، وقضى على أي أمل للتعايش بين الدولتين، مزهوا بالنصر طلب السلطان سليم الثاني من حاكم القرم تجديد الغارات على الروس، فى العام 1572، وإجبارهم على دفع غرامة قدرها 60 ألف ليرة ذهبية.

ولاية القرم
العثمانيون احتلوا خاينة القرم عام 1583، عقابا للخان محمد غيراي الثاني لوقوفه على الحياد إزاء الصراع العثماني - الصفوي، وقاموا بقتل الخان وتولية أخيه إسلا كراي واليا على الخانية التي أصبحت ولاية عثمانية، وبذلك أصبحت حدود السلطنة متصلة ببلاد الروس، وأضحت القوقاز والقرم أرض عثمانية.

الخانية وقعت بين مطرقة العثماني وسندان الروس، فالأول سخرها لتحقيق أطماعه التوسعية، والثاني يريد التوسع على حسابها.  

في عام 1677 جهزت السلطنة حملة بمساعدة خان القرم كان مصيرها الإخفاق، مما حدا بالسلطان محمد الرابع أن يقود حملة بنفسه عام 1678، وأخرى عام 1680، انتهت بعقد معاهدة أدرنة، كان من أهم بنودها استمرار دفع الروس الضريبة السنوية لحكام القرم، ودفع تعويضات عن الحرب.

مصير الخانية أصبح بيد العثمانيين، ورغم من ذلك تخاذلوا عن حمايتها، ولم ينتبهوا إلى مخططات بطرس الأكبر التوسعية.

السلطنة لم تنتهز انشغال القيصر بالحرب مع السويد لاستعادة ما فقدته، ورفضت التحالف مع السويديين ضد بطرس الأكبر، مما أدى إلى هزيمتهم، وتفرع بطرس للدولة العثمانية وتهديده خانية القرم.

خان القرم دولت كراي بعث برسالة إلى السلطان أحمد الثالث عام 1710، يحذره من خطط الروس، وعدم الاستهانة بالاستعدادات الروسية، قائلا: "إنه إذا وثق السلطان بالروس فإن القرم سوف تضيع من يد الدولة ومن الممكن فقد الروملي، حتى أن الهدف الحقيقي للروس هو الاستيلاء على إسطنبول ذاتها".

السلطنة أعلنت الحرب على روسيا، وتأخرت كثيرا في شن الهجوم، مما منح بطرس الأكبر زمام المبادرة فى الحرب، والاستفادة من عامل الوقت، وضرب القوات العثمانية قبل اكتمال استعداداتها الحربية.

غباء عثمانلي
حتى حين انتصرت على بطرس الأكبر في موقعة نهر بروث، لم تستمع السلطنة العثمانية لتوسلات خان القرم، دولت كراي، بضرورة سحق الجيش الروسي، وعدم الموافقة على الهدنة والسلطنة في موقف المنتصر، لمنع احتمالات معاودة هجوم الروس عليها لاحقا.

عام 1736 كررت الدولة العثمانية أخطائها مع القرم، ودفعت بها إلى آتون حربها مع الصفويين، وأمرتهم بعبور الأراضي الروسية عام 1736، دون مراعاة لموقف الروس، وهو ما اعتبروه عدوانا عليهم.
العثمانلي لم يهتم برد الفعل الروسي، ولم يحاول حل المشكلة سليما، فقام الروس بهجوم مفاجئ على القرم واحتلوا آزاق.

أتون الصراع
أوهام العظمة كانت تسيطر على عقول حكام الدولة العثمانية، فأعلنوا الحرب على روسيا، احتجاجا على تدخلها في شؤون بولندا عام 1768، ظانين أن الحرب ستكون سهلة وفي صالحهم.

العثماني أمر خان القرم، كريم كراي، بإيقاد نار الحرب والإيحاء بأن روسيا هي من بدأتها، ونجحت خطة استدراج القوزاق التابعين لروسيا للتعدي على حدود الدولة العثمانية بالسلب والنهب وقتل رعايا السلطنة، وكان هذا سببا كافيا في نظر السلطان لإعلان الحرب على روسيا.

تدخلت إنجلترا لمنع فتيل الحرب من الاشتعال، وبعثت برسالة إلى السلطان مصطفى الثالث، تقترح عليه عدم خوض تلك الحرب، وأنها مستعدة للوساطة بينه وبين روسيا، كما تعهدت لندن بتحمل كافة الأضرار التي لحقت بالأراضي العثمانية من جراء تدخل رعايا روسيا إلى أراضيها، إلا أن السلطان مصطفى الذي عقد العزم على حرب روسيا رفض تلك الوساطة.

في القرم هاجم جيش روسي مدينة أورقابو واحتلها، بعد قتال عنيف، ووعدت الإمبراطورة كاترين الخان سليم كيراي الثالث بالاعتراف بالقرم دولة مستقلة، في حال انفصاله عن العثمانيين.

توريط العثمانيين للقرم في الصراع مع روسيا، جعل الأخيرة تخطط للانتقام بضم القرم إليها، وتمكنت من تنفيذ حلمها بعد عدة سنوات، ولم يتدخل العثمانلي لنجدتهم، وتركهم فريسة للجنود القادمين من موسكو.

ضياع القرم
تنازل السلطان العثمانى عن امتيازات كبيرة لصالح روسيا، ووافق على شروطها في معاهدة "كوجوك قاينارجه"، فيما  نصت المعاهدة على اقتطاع خانية القرم من السلطنة، وإعلان استقلالها، على أن يظل المسلمون فيها يتبعون السلطة الروحية للسلطان، وألا يعتبر ذلك منافيا لاستقلال القرم، إضافة إلى عدد من البنود أهمها: استقلال تتار البوجاق في بيسارابيا، وتتار كوبان في بحر آزاك عن التبعية العثمانية، وتتنازل السلطنة لروسيا عن ساحل البحر الأسود، الواقع بين نهري أقصو وأوزو ومينائي كرج وآزك.

عام 1782 أعلنت روسيا ضم القرم، واكتفت إسطنبول بالاحتجاج اللفظي، خوفا من قوة الروس، وتخلى السلطان صاغرا عن 2.5 مليون مسلم.
كانت الدولة العثمانية فى حالة من الضعف والإنهيار، منعتها من مقاومة روسيا أو الدفاع عن المسلمين حين تعرضوا لمذابح راح ضحيتها 30 ألف مسلم في أقل من شهرين.

المصادر :


Qatalah